د. محمد عبدالله القواسمة - عادل الأسطة وشظايا الذاكرة 3/3

3/3

من طرائق الدكتور عادل الأسطة في سرد كتابه" حزيران الذي لا ينتهي" أنه كان يوقف السرد ليقدم معلومات أو آراء نقدية في مسألة ما، وأحيانًا يكون جريئًا في قلمه النقدي، فهو يذكر بأنه لم يسجل رسالة الماجستير مع الدكتور عبد الرحمن ياغي؛ لتزمته الشديد وتعصبه لآرائه، ويرى أنه يميل إلى الإطالة والاقتباس وكثير نقده لا طائل من ورائه؛ فهو لم يفد من المناهج النقدية الغربية الحديثة مؤثرًا النقد الاجتماعي الماركسي. (ص181)

وهو يستخدم الأمثال الشعبية في بعض المواضع؛ ففي حديثه عندما تقدم بعد حصوله على البكالوريوس إلى الوظيفة في جامعة النجاح التي كانت توظف حملة البكالوريوس يتذكر ما قاله له مدير مدرسة الجاحظ /الصلاحية التي كان يعمل فيها" كثير النط قليل الصيد" (ص 164) ولم يظفر بالوظيفة وقتها؛ لأنه لم يكن له حظوة أو رصيد، أو لأنه كان يهاجم قسمًا من المسؤولين في مقالاته التي كان يكتبها باسم عادل الراوي أو عادل بلاطة. والغريب أن الذي ظفر بالوظيفة هو صديقه مهيب المصري دون أن يحضر للمقابلة أو يتقدم لامتحاناتها. ويعلق بسخرية على ما حصل بأنه "يتماثل مع المثل الشعبي (الذي يحرك العسل يتذوقه)، وكما كتب الحكيم فـ (لكل مجتهد نصيب)(ص166) إنه نظام الواسطة والمحسوبية المتعارف عليه في التعيين في جامعاتنا.

ومن الصدق والجرأة ما نلمسه في حديثه عن بدايته في الكتابة. يقول إنه بدأ عام 1976 بجعل أصابعه تعتاد على الكتابة، وإنه كان محظوظًا أن ينشر في مجلة "البيادر" التي صدرت في العام نفسه، كما لو أنه ناقد كبير مع أنه يعترف بأنه لم يكن يعرف أبجديات النقد على الرغم من أنه درس الأدب العربي وكان خريج جامعة (ص158)

كما يعترف بأن كتابات أبناء جيله كانت مجرد محاولات، وأن الساحة الأدبية في الضفة الغربية لم تكن تحفل بأسماء بارزة ومهمة. ويقول إنه لو كان الأمر غير ذلك لما وجدت محاولاتهم الترحيب، أو طلب منهم أن يعيدوا النظر فيها. وهو يستذكر في هذه الحالة شعرًا لمحمود درويش يهجو فيها أدباء عرفوا دون جدارة في ديوانه "أعراس" 1977، ويصفهم في قصيدة "وتحمل عبء الفراشة" بحراس الفراغ.

تأتي إلى مدن وتذهب. سوف تعطي الظل أسماء

القرى. وتحذر الفقراء من لغة الصدى والأنبياء .

وسوف تذهب.. سوف تذهب، والقصيدة

خلف هذا البحر والماضي. ستشرح هاجسًا فيجيء

حراس الفراغ العاجزون الساقطون من البلاغة

والطبول.

لقد راقت عبارة "حراس الفراغ " لكاتبنا وأطلقها على الكتاب الذين ظهروا بعد 1967 الذين انسحبوا من الحياة الأدبية والثقافية، ولاحظ بأن هذه النظرة لازمت درويش فكتب عن الفرق بين مرحلتين: الكتابة الضرورة، والكتابة -الاحتراف. ويقول إن أحدًا من الكتاب لم يقو على الرد عليه غيره فكتب مقالة بعنوان "إلى محمود درويش وياسر عبد ربه" وكان الثاني وزيرا للثقافة. يبين فيها أنه من كتاب مرحلة الضرورة الذين بدأوا الكتابة في سبعينيات القرن الماضي، ولولا جهودهم لما وجدت الحركة الأدبية والثقافية.

وفي أحيان يضيء ما كتبه بكشفه عن الخلفية التي كتب فيها بعض أعماله السردية؛ فهو يحكي أن قوات الاحتلال في ليلة من ليالي صيف 1979 هاجمت عرسًا وأخذت العريس لأن الأطفال قذفوا الحجارة على السيارة الإسرائيلية، فمن هذه الحادثة يستوحي قصة "العريس" التي وردت في مجموعته القصصية "فصول في توقيع الاتفاقية" 1979 وتصدرها أسطر من" العرس الفلسطيني الذي لا ينتهي" لدرويش.

لا شك أن هذا العمل الذي جاء على شكل حلقات بلغ عددها سبعين حلقة جاءت لتتناسب مع الوسيلة الرقمية التي نشرت فيها وهي الفيسبوك: فهي قصيرة، ذات لغة سهلة بسيطة، تشيع فيها روح الدعابة حينًا والسخرية حينًا آخر، تتداخل فيها الذكريات والأفكار والتأملات والتداعيات، وتتكرر فيها بعض الأقوال والأحداث، وتتمازج الخطابات الإبداعية والنقدية، كما يمتزج فيها الخاص بالعام والذات بالموضوع. إنه عمل مهم، كما أرى، لأنه جزء من تجربة أدبية وفكرية خصبة، يثري عقل القارئ بالمعلومات المختلفة، وبخاصة في الأدب الفلسطيني والتراث الفلسطيني، كما يكشف عن الخلفية النفسية والعاطفية والتاريخية التي كانت خلف كتابات كثير من الأدباء العرب والفلسطينيين من بينهم عادل الأسطة نفسه. كما ويكشف جوانب مهمة من واقع المخيمات الفلسطينية في الشتات وتحت الاحتلال.

إننا نتجاوب مع هذا العمل الذي نهض به كاتبنا، ليس فقط لما يتميز به من صدق البوح، وسلاسة الأسلوب، وجرأة في تناول المواقف والأحداث، بل أيضًا لأنه يصور جزءًا من حياة المخيم الفلسطيني، المخيم الذي ما يزال عنوانًا لقضية شعب لن ينسى وطنه الذي اقتلع منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى