محمد سعيد حسين - بالعربي الفصيح

منذ عددٍ هائلٍ من السّنين..
منذ ما ـ لا أذكر ـ من الأحلام والكوابيس،
منذ ومضةٍ خلت،
ولدتُ.
قيل لأمّي: مباركٌ، ولَدْ.
قيل لها : لم نتأكّد بعد..!
قيل لأبي: من أين لك هذا..؟!!
قيل له : يشبهك تماماً..!!
قال أبي: صهٍ يا قوم، هو ما أردته بالضّبط...!!
إنّه صالح... صالح الصالح
* * *
ضربتُ العامَ الأوّلَ بمخالبَ بدأَتْ تنبتُ على أطرافِ أصابعي، فهرب مفسحاً المجال للعام التّالي، أن يجرّب حظّه في مواجهة أطواري الغريبة.
قضَمتُ حلمتيّ أمّي منذ الأسبوع الأوّل، وفي بقيّة العام تسلّيتُ بثدييها، ليتحول مكانهما، إلى تجويفين كبيرين في الصّدر، لم يتّسع أحدهما لقلبها، ولم يتّسع كلاهما، لقهر سؤالٍ أماتها مرّاتٍ قبل أن تموت: ماذا جنيتُ حتّى أرزق بشيطانٍ، أحبّه كلّ هذا الحبّ ؟!!
وماتت أمّي..!
لم تتّسع مقبرةُ القرية، ولا مقابر القرى المجاورة، لجسدها النّاحل، ولم تستطع مواعظ القوم، أن تفتح في رأس أبي قبراً لها، فقرّر أن "يطمرها" في حاكورة المنزل، هناك تماماً، حيث شجرة العائلة، الّتي ما زلتُ حتّى هذا القهر، أبولُ تحتها... أو... فوقها...
في العام التّالي...
أكلتُ قلبَ أبي، وكبده..
فرمتُ أصابعَه العشرةَ، وصنعتُ منها عقداً يطوّق رقبتي.. بترتُ له ذراعيه، وجعلتُ منهما عكازين، لأغصان شجرة العائلة، الّتي أثقلَتْها الثّمارُ الفاسدةُ، وكانتا ـ بحقدٍ كبيرٍ ينتابني ـ تحنوان عليها، كما لم يشتهِ لي عدوّ... فنَبَتَ لي قرنان من الغيظ، لم أتخلّ عنهما بقيّة حياتي.
في زمنٍ مضى...
حيث كانت ولادتي الأولى...
أمّي الأولى، تدقّ بناحل جسدها، على معروق يديها:
ـ ارفعوا هذا الألم القاتل عن موقع خصوبتي..
كنت أتعمّد الاستدارة والالتفاف، أتقصّد مواضع تزيد من صراخها... تؤجّج من هياجي.. أقهقه عالياً.. أخال نفسي أقول: لا خصوبة لأمّهاتٍ، تخصّصن في إنتاج الشّياطين.
وفي لحظة وهنٍ أتخيّلها.. أسقط...
وكان السّقوطُ... فظيعاً...
في الولادات التّالية المتعاقبة، ثمّة أمّهاتٌ مررتُ على أرحامهنّ ..
ثمّة خصوبةٌ، تصرّ على إنتاج الشياطين، بالكثير الكثير من الألم، والقليل القليل من التّكلفة.
تعدّدت كثيراً، حتّى امتلأَت البلادُ بي، وضاقَ الأفقُ على ذواتي المنتشرةِ في أرجاء الّلامكان، الآن .. أنا بمفردي في هذا الكون، أعلو وأهبطُ، أنوسُ بين الكواكب، حاملاً قهري ولعنتي.. لستُ أوديب، ولا أوذيس...
لستُ شيطاناً رجيماً، ولا...
أنا المواطن العربي، الصّالح جدّاً، صالح الصّالح...
أنــــــا:
.... .... !
.
محمد سعيد حسين
سوريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى