عبدالكريم العامري - الواقع وافتراضاته في قصائد الشاعرة العراقية إلهام الحسني

ان تكون شاعراً فعليك ان تمسك الكون بكلتا يديك، وان تعطي لمخيلتك حرية الغوص فيه، فالشعر كما يقول الرسام الهولندي فان كوخ (يحيط بنا في كل مكان، لكن للأسف وضعه على الورق ليس بسهولة النظر اليه) لهذا فمن العسير جدا ان تجد شاعرا يحلق بك في فضاءاته دون ارادتك، وان يجذبك لعالمه وأنت منقاد اليه.
ولأن الشعر هو (فن جمع المتعة بالحقيقة) بحسب رأي الشاعر والفنان صموئيل جونسون (١٧٠٩-١٧٤٨) فالقارئ يجد متعته ولذة القراءة في الشعر الذي يحرك الساكن فيه من مشاعر وأحاسيس وعمق في التفكير ويجعله مشاركاً فيما يقرأ، وهذا ما يرد بشكل واضح وانت تقرأ قصائد الشاعرة العراقية الهام الحسني، والتي تشير الى ما يشبه الهمس الى احلام الانثى الشرقية في زمن الحروب والمتاهات اللامتناهية:
(كنت سعيدة ، لا اعرف الحرب وما القتل
الطائرات..
البنادق..
المدافع..
الغربة..
التشرد..
وكل هذا الهراء.
كنت أعتقد اني لن أكبر أبداً
وأن الغد لن يأتي اطلاقا
لأن عقارب ساعتي اليدوية التي رسمتها بأسناني
كانت صامتة)
وان كان لابد من الصراخ، فهي تنتقي مبرراً لصرخاتها وأوجاعها علها تجد من ينصف أحلامها ويحقق طموحاتها، فالايام تمضي سريعا والرحلة في هذه الحياة قصيرة:
(رحلتنا سريعة وأيامنا جميلة بنا
من الذي يقرر متى نعيش؟
أنت/ أنتِ.. قلبك، عقلك، أم الأوقات .. الظروف.. المواقف أم الناس..
لا نعرف من لكنه هروب من السعادة أو الواقع بصورة أدق.)
ما يميز الحسني هو توغلها في اليومي، تغور في أعماقه، وتنتزع منه ما يمكن أن يكون اشارة للآخر، ومثابة للانطلاق بأحلامها نحو ما يبدد أحزانها من خلال مفارقات الحياة اليومية، انتقت من اليوميات ما يضعه في لبّة المشاعر والأحاسيس بعيداً عن الرتابة والتكرار، وقد كان جل ما يؤلمها هو الحجر الذكوري على الإنثى في مجتمعاتنا..
( فمن سينظر داخل زجاجة ويعرف أنني بها رهينة..
ايماني بكل شيء زائل
وأن الاقدار تتبدل..)
الزجاجة تلك هي مجرد مجموعة التقاليد البالية التي أطرت فيها مجتمعاتنا المرأة وحدّت من أبسط ما تستحقه من حرية وأوهمتها أنها (أي الزجاجة) لم تعد سوى أمان لا مناص منه.
في قصيدتها (متلازمان) تصف وبصوتين متجاورين، الرجل/ المرأة أنه في حياة كليهما ثمة شخص واحد:
(في حياة كل رجل
توجد امرأة واحدة
معها يصل الى حالة التوحد..)
(وفي حياة كل امرأة
يوجد رجل واحد
معه تجد اسمها
ورسمها
جنونها
ضعفها ورقتها)
لم تكتف في تصوير ما يراه الواحد بالآخر حيث لكل قاعدة شواذ، وفي الحياة كثير من هذا، لكنها تحيل كل ذلك الى القدر الذي يجمعهما ويوحدهما:
(ولكن..
ان يعثر كل طرف من هذين
الطرفين على الآخر
فهو قدر ونصيب)
هنا، كل طرف ينتظر الآخر، وهناك (حنين أبدي للنصف الغائب) هذا الحنين يقابله تحذر نجده في قصيدة (حواء) فالشاعرة تحذر من خدعتي الوقت والناس، فالأول (أي الوقت) قد لا يعطيك المساحة الكافية لفهم الآخرين، أما الثاني (ا] الناس) فهم الذين لا همّ لهم الا قطع الصلات وتعكير صفو العلاقات:
(احذري من خدعة الوقت
فهو رغم طوله جد قصير
واحذري من خداع الناس
فما من أحد يبقى لأحد)
أحلام المرأة/ الأنثى واضحة في عدد من نصوص الشاعرة الحسني منها نصوص (بركان ثائر ووقفة وحب حقيقي واعترافات صامتة وتكنولوجيا القلب) فهي وبمفردات غاية في الانتقاء.
في قصيدة قف تقول:
( ان لم تشعر بوخز في صدرك عندما نلتقي..
لا تسألني عن موعد للخروج سوية.
ان لم تختلس النظر الى ظهوري في مواقع التواصل بين الحين والآخر
ولم تكتب لي كثيرا
وتمحو ما اعترفت به..
ان لم تشعر بالارتباك حين أسألك عن حالك
ولم تقرأ محادثاتنا مراراً وتلتقط لها صوراً
لا تحادثني لمجرد تمضية الوقت وحسب..)
الوخز في الصدر، هو إشارة الشوق للقاء، وصدق المشاعر خلاله، وما تريده المرأة/ الأنثى لا يتعدى حدود تلك المشاعر.
وكذا الحال في قصيدة 'اعترافات صامتة' والتي تشير الى ما ذكرته في قصيدة 'قف'
( انصت اليك بقلب كامل..
تنهي الحديث وأنا متشوقة لتبدأه مجدداً.
أحذف رسائلي لتسألني عنها،
وأحاول أن أختصر كل مشاعري بمناداة إسمك)
وتلك الاعترافات لم تنته بهذه الشحنات من المشاعر انما تتعداها الى ما هو أعمق:
(فأنا لو أعطيتك هذا القلب لتقرأ ما فيه،
أهون عليّ من محاولة إخبارك عنه.)
هو الخوض في بحر الصدق وعنفوان الكلمة، وهو الرسم بالكلمات التي تدخل لب القلب دون تردد، فالصدق في المشاعر لا يحتاج الى إذن لكي يلج في صميم النفس:
(لا أعلم كيف كبرت بداخلي بهذه السرعة..
ولا أعلم كم ستظل تكبر،
كل ما أعرفه، أنني أحب ضحكتك،
وأقيس جميع أموري على قدر سعتها
هكذا يفرح قلبي!)
أن معرفة الاحساس، والشعور بالأخر، هو جل ما يثري العلاقات بين جانبين:
(أعرف جيداً هذا الشعور،
إنه أشبه بالنور الذي لا ينطفئ في قلبي).
الشاعرة إلهام الحسني تمسك بتلابيب الحياة قافزة على كل يومي بسيط لتكوّن منه فضاءً يسع أحلامها، وقصائدها التي تحاكي التقنيات الحديثة، واستخدامها بشكل يجعل من البعيد قريباً، والذي نسميه (الواقع الافتراضي) والذي يختلف جذرياً عن الحقيقي الذي نعيشه، طرفان في مكانين مختلفين، يتحدثان دون أن يلتقيا من قبل ليصبحا فيما بعد مدركين الى عمق العلاقة التي تربطهما.. في قصيدة (تكنولوجيا القلب) نجد هذا واضحاً:
(في هذا العالم الافتراضي،
ثمة أشخاص يقلبون الموازين،
يكسرون القواعد.
فأنت لا تحتاج أن تلتقي بأحدهم
وجهاً لوجه لتحبّه.
تشعر فجأة،
أن ملامحه تتناقلها القصائد.
وجوه أبطال الرواية، وصلوات الامهات
من نصوصه وتغريداته
تخلق صوتا دافئاً تطعمه لأذنيك)
هو العالم الجديد إذن، هذا الذي يشغلنا، وينوب عن عالمنا الذي نعيش فيه، ونكابد فيه، فيما العالم الذي صنعته التقنية الحديثة لا يخلو مما نحن فيه باستثناءات بسيطة لم تهتم بها القصائد إلا أنها تشكل على الواقع في معانداته للحياة:
( ثمة أشخاص هنا،
يؤسفني جداً ألاّ يجمعنا طريق ولا عمر،
وهم الأقربون)
إنها مفارقة الحياة، ما بين البعيد الذي تتوق اليه، والقريب الذي تؤسف لقربه!
أخيراً، لا بد من الإشارة الى أن الغوص في قصائد الشاعرة العراقية إلهام الحسني يحتاج الى أكثر من زاوية للقراءة، وهي تستحق أن يثنى على منجزها الإبداعي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى