علال الحجام - ألبوم لأطياف عروة*..

1 ـ مغصُ المستنقَع
كلَّ صباح
تسابقُ البحرَ عقاربُ الزّمنِ،
وتكتوي بحُممٍ
يقيئها مغصُ المستنقعِ ما أحزَنَهْ،
وكلّما أدرْتُ
وجْهيَ المجذورَ فجأةً صوبَ كنيسةٍ
تصلّي للقبورِ حولها،
هاجمَنِي الطاعونُ خلفها بالعطنِ،
أما وقدْ خلّتِ الطّيورُ الحدائقَ لطلقاتِ القتلَهْ،
وتبخّرتِ الجداولُ في رُباك
وتعالتْ جبالُ المزبلةْ،
فهلْ تطهّرينَ
أيّتُها القدّيسَةُ
دمَ الفطنةِ
من فيروسِ المهزلهْ،
وترسمين لوحةً لصلواتِ الوطنِ؟
كفى بكاءً أيّتها الحوريةُ
فقد أرهقَ الظّلماتِ عماكِ،
وملّتْ زهورُ البحيرةِ دوامةَ الفيضانْ.
2 ـ طفولةُ شاعر
لأنّ أمّهُ وَلَدَتْهُ عَجوزاً
وكان لهُ الحنْوُ غطاءً،
واليُتمُ رفيقْ،
وكان الأملُ المشاكسُ
في مرتفعاتِ الليلِ طريقْ،
لِمَ لا يحملُ الشاعرُ الصّليبَ
جذلانَ على ظهْرِهِ
والصّلبانُ تصطادُ كلَّ تائهٍ في البيدْ؟
ـ لقمةٌ واحدةٌ في اليوم تكفيه،
يا لقناعةِ الشّحرورْ
لا يخافُ صعْقةَ العدَمِ،
ـ نصفُ "سولٍ" من مصروفِ الجيب
للدّرويش كلّ يومِ أربعاءْ،
ـ سريرٌ رثٌّ في غرفةٍ عمياءَ
لا يزورُها في وضَحِ النّهار النّورْ،
ـ ثلاثةُ باصاتٍ مكتظةٍ بالجمْرِ
للوصولِ إلى أقاصي الجحيم،
ـ جلبابٌ قصيرٌ
تدبغُهُ الشّمسُ تباركُهُ السّماءْ،
عندما يهَبُ الهجيرةَ فادياً
بعضَ جِلْدٍ وبعضَ دمِ.
3 ـ دونكيشوت
جماهيريٌّ هذا الرّهْطُ
يصطفُّ في أقْصى اليَسار،
تابعُوهُ ستّةُ أنفارٍ وعُرْوَةُ سابعُهم،
إحدى قدميْهِ تغرقُ في معجونِ الوردِ
والأخرى في النّارْ،
يخنقُهمُ في المرأبِ الدّخانْ،
وبينما هم يُنضجون الثّورةَ على رمادِ الخُطَبِ،
تطحنُهُم طواحينُ المناورَة،
وأسقامُ انقسامٍ على ضعَةٍ لا يندَمُ،
وإن ظلّ الواحدُ منْهُم منتسباً لأصلِهِ
انشطَرَ اثْنَين،
وتمرّدَ كلُّ نصْفٍ على نفسِهِ
يرمي صورتَهُ بالخيانة
لا تُخفي مكيدتَها المغاراتُ والظّلمُ...
4 ـ زوبعةٌ في فنجان
شاعرٌ يعتمرُ قبّعةَ تروتسْكي
المضادّةَ للصّقيع،
يخلَعُ بُردةَ السّلالة
ويرتدي جبّةَ المتصوّفِ في الخانقاه
يتتبّعُ آثارَ الوهْم على حصانِ القصَبِ.
قائدٌ يُغلقُ زنزانةً على فيلقِهِ
ويسْطو برقّةٍ على الذّخيرة.
تلاميذُ أربعَةٌ يكتشفونَ
لعبةً مسلّيةً بالأسلحَة
عِوَضَ الرّكضِ
طوالَ اليوم وراءَ كرةٍ من مِزَقِ.
أسلحةٌ تخونُها سبّاباتٌ زهريّةٌ
لقدْحِ رصاصٍ وفيرٍ في السّاحات.
مثقفونَ يحفظونَ
كلّ عناوينِ الأناجيلِ المرصوصةِ
في رفوفِ الصّراعِ الطّبقي
ولا يتذكرونَ
عنواناً واحداً في رفِّ الطّهارة،
مناضلونَ
يهرولونَ
بين البرج والمغارة يتباهونَ
بنبش الرّمادِ في كانون الشّبهات،
ويختفون كالجرذان
عندما تدقُّ ساعةُ الحقيقة...
5 ـ خمُّ عروةَ بنِ الورد
كلُّ ما غنمَهُ الحقدُ المقدّسُ ليلا
لم تُنفقْ منهُ يدايَ نهاراً ولو مثقالَ درّةٍ،
لم أعرفْ شكلَ كعكةٍ
بعضُها أتخَمَ مِعَدَ الأصدقاء،
وجلُّها
تواطَأَتْ على التهامِهِ في الغابِ
خسّةُ راعٍ عيونُ عصاهُ لا تنام،
وجشعُ رعيّةٍ يفترسُ أمعاءَها الصّقيعُ،
ولا تزالُ الحُفَرُ العميقةُ
والبِرَكُ السّوداءُ
والأكواخُ الآيلةُ للسّقوطِ شاهِدَة....
ولكي أختصِرَ الكلامْ:
بعضُ الصّفيفِ المنهوبِ من قصاعِ العشيرة
قد أُعيدَ ذاتَ جنونٍ
إلى أكفّ الغوغاءِ المثقوبَة،
وعلى الأرضِ السّلامْ...
ما أنا بالقطْربِ فيكمْ،
وما أكتنزْتُ قطعةً من ذهَبِ،
لكنّني في خمٍّ ولدْتُ
مسلوبَ الرّؤية والصّوتِ،
بلا جدوى
أُلْجِمُ الحاجةَ إن جمحَتْ خُيولُها
في ربيع الزّهوِ والطّربِ،
وفي خمٍّ سُجنتُ
في زمنٍ تغرقُ ساعاتُه في العدمِ،
وفي خمٍّ أُرتّبُ أوراق موتي...
6 ـ استراحة فارس
بعدَ خمسِ حروبٍ
لم يُهزَمْ فيها هدهدٌ،
ولم تكسِبِ الذّئابُ
إلا مزيداً من الجِيَفِ،
يستحقُّ الفارسُ الأخيرُ
أن يستريحَ قليلاً
بعيدا
بعيداً
في منفى منسيٍّ لم يُرِحْ
عرّافاً ولا شاعراً،
ولا تستطيعُ عرَبَةُ الماضي
تسلّقَ خناجِرِ حجارتِهِ
لتسقّطِ أخبارِ مجنونٍ يتلفّعُ بالصّمتِ،
ويُغلقُ أذنيهِ بشَمْع السّخرية
مستغرباً أصابِعَ إشاعةٍ،
لطيشِهِ البريءِ
ترسُمُ صورةَ شيطانٍ يجهلُهُ:
ـ مناضل يُخفي عميلاً بالباطن يستكينْ.
ـ راهبٌ يُولمُ لحمَ المسيح للكلابِ الجائعة.
ـ مَفْيُوزيٌّ يتاجرُ في المحظورِ،
يسطو على الأبناك.
ـ فحْلٌ يلبَسُ تنّورةً زهريةً
بسيجارتينِ
يبيعُ خصراً نحيلاً في جناح المخنّثين...
7 ـ ابن البط...
لستُ أدري
إن كانت خميرةُ المعضلة
مجرّدَ اسمٍ مسمومٍ
كلما سمعتُ رنّتَهُ ازداد جرحي نواحاً،
أو أنّ حبلَ المشنقَهْ
ضفرتْهُ جذوري الممتدّةُ في تربةٍ محترقَهْ،
أدركتُ أخيراً
أنها لا تصلُحُ إلا للنّباتات الطّفيليّة؟
أمّا الحنينُ المزمنُ إلى أبٍ
ــ لم يحْنُ عليَّ
وخان الطفولةَ في الرّحِمِ ــ
فكابوسٌ يُطاردني منِ انهيارٍ لانهيارْ،
هو أبي الوهميُّ الذي
لم يُهَدْهِدْنِي مرّةً في المهد،
لم أنتطرْ طلّته أمام روضِ الأطفالِ
مثل جميع الأطفالْ،
لم يدسَّ لي لعبةً رخيصةً
بين أغصانِ شجرةِ الميلاد،
لم أفرحْ به ليلةً ساهراً
يشاركني مضجعي
يمسحُ جبهتي المسْتعِرَة
بمنديلٍ مبلّلٍ بماءِ الورْدِ
كلّما ألهبتِ الإنفلونزا أضلعي.
هل كان من اللازم
أنْ أركبَ برقَ المُغامرَة
وأختفي في الثّلثِ الخالي
مثلما اختفيتَ أنتَ يا أبي،
بعيداً عن عيونٍ
ربّما أشْفقَتْ عليّ وعليك،
وربما ذمّتِ اندفاعَكَ المجنونَ وانكساري،
أو رثَتْ فداحةَ رحلتِكَ الطويلة
مرّةً في حروف كتابْ،
ومرّةً في الدّغلِ والجبلِ،
وثالثة فوق بساط السُّحُبِ؟
لستُ أدري...
8 ـ رذاذ البحر
كلّ صباح، تُسابقُ الكورنيشَ
بخُطى متعَبةٍ عقاربُ الزّمنِ،
تستحمُّ برذاذٍ
ينفثُهُ البحرُ ما أعظمَهْ،
وتكتوي بحُممٍ
يقيئها مغصُ المستنقعِ ما أحزَنَهْ،
وكدأبي، كلّما أدرْتُ
وجْهيَ المجذورَ فجأةً صوبَ كنيسةٍ
تصلّي للقبورِ حولها،
هاجمَنِي الطاعونُ خلفها بالعطنِ،
وواصلْتُ ركْضي غيرَ مكترثٍ بالزّوبعَة.
من يطهّرُ بعدَ عقودٍ يا هواكاشينا
هاتين الرّئتينِ من فيروسِ الغدرِ؟
هلْ يغسلُ ماءٌ لا دمعَ يمازجُهُ مرآةَ الفجرِ؟
من يعيدُ لعينيكِ كحلَ البداياتِ
كي ترسما
بموَّال الشّروقِ المتسلّلِ من أحلامِ القمرِ
لوحةً زاهيةً في البالِ للوطنِ،
عسى أن تخمدَ حرائقُ الأحزانْ
إذا ارتوى في الوهْدِ آسُ المشتلَهْ،
واستعادتِ الطّيورُ سماءَها
من مُدَى القتلَهْ؟
كفى بكاءً أيّتها الحوريةُ
فقد أرهقَ الظّلماتِ عماكِ،
وملّتْ زهورُ البحيرةِ دوامةَ الفيضانْ.

أصيلة، ربيع 2020


(*) النص مستلهم من رواية "قصة مايتا" لماريو فارغاس يوسا.
  • Like
التفاعلات: مصطفى معروفي

تعليقات

إن الجندي الصهيوني لا يؤمن إلا بالعنف، والعنف هو اللغة الوحيدة التي يفهمها.
غزة واقفة و ستبقى، وصامدة وستبقى.
والقضية الفلسطينية ستستمر حية ما دام هناك احتلال وهمجية.
وهناك شعب مؤمن بقضيته العادلة.
نحن اليوم نعيش "الحلم في نهاية الحداد"
مع شعب يريد "الخروج من الكهف" وسيخرج بإذن الله مهما طال الأمد.
شكرا السي علال على القصيدة الرائعة.
 
نعم اخي السي مصطفى قصيدة عميقة ومن اجمل قصائد النثر المغربي للشاعر الكبير وأحد رواد القصيدة المغربية الحديثة علال الحجام، تصور بايحاء ظاهر مجريات الحدث المأساوي والتطهير العرقي الذي بعيشه البشر والحجر في القطاع، وتأمينا على قولك فالقضية الفلسطينية لن تحل ولن تصفى بشهادة التاريخ، فامريكا وربيبتها الصهيونية يراهنان على عزل القضية الفلسطينية عن طريق التطبيع والمقايضة والضغط على الممالك العربية باعتبار أن تغيير الانظمة بها بعيد الاحتمال بخلاف الجمهوريات التي يمكن ان تتغير بها الحكومات بين لحظة واخرى، متناسين بان الشعوب هي التي تقرر وهي التي تحسم القرار، وان تلك الاتفاقيات الصورية لا يكفي حبرها لملء كاس من الرهج، وأن القضيدة الفلسكينية تعيش في وجدان الشعوب، وأن العنف لا يقابله الا العنف مهما كلف ذلك من ثمن، ولن تعيش اسرائيل في امان واستقرار
تحية لك أخي وتحية للشاعر علال الحجام الذي حولت له هذا المتصفح
 
أعلى