خالد شاطي - في المقبرة القديمة

ـــ إلى المقبرة القديمة (قال لي) ذهاباً وإياباً.
فقدُ ساق وذراع لم يعقه عن فتح باب التاكسي والجلوس برشاقة في المقعد الأمامي بجانبي. بدا لي أنه في منتصف الأربعينيات من العمر، يجهد نفسه ليكبت انفعالات ومشاعر حادة، رغم ما يبدو عليه من هدوء. انسابت السيارة بيسر؛ فلم يكن الوقت وقت زيارة الموتى. كفّ عن العبث بعصاه وقال فجأة:
ـــ أنا ذاهب لزيارة... (ونظر إلى ذراعه ثم إلى ساقه المقطوعتين)... أفعل هذا منذ أكثر من عشرين سنة.
هل يقصد المرء المقبرة ليزور ساقه أو ذراعه المدفونة فيها؟ ربما، لا أدري. من المحتمل جداً أن تكون ثمة طقوس أو اجراءات لمثل هذه الحالات لا علم لي بها؛ رغم عملي هنا سنوات عديدة.. لم أجد شيئاً مناسباً أقوله...
ـــ فقدتُ ساقي وذراعي حتى لا يقال عنه جبان... دُمّر المبنى ومبان أخرى كثيرة... لِمَ منعتهم التفتيش وطردتهم ثم سمحت لهم بالعودة؟!.. أربعة أيام متواصلة من القصف.. مئات القتلى والجرحى... ذهبت الخسائر بلا جدوى...
قال أشياء أخرى ــ كان كمن يهذي بها لنفسه ــ أجهل تفاصيلها, حصلت قبل ولادتي أو حين كنت طفلاً. توقفنا عند كشك صغير، ليشتري بعض الحاجيات: قنينة ماء، بخور، شموع، ولاعة. وضعت كيس الحاجيات في صندوق السيارة، وواصلت القيادة. ويبدو أنني أثرت ارتياحه بردود أفعالي وانعدام فضولي، فعرض علي أن أكون سائقاً له وقت حاجته, فقبلت، وحين تبادلنا أرقام هواتفنا, ذكر لي اسمه.
توقفنا أخيراً عند ما بدى أنها مقبرة عائلية بحجم غرفة عادية. ترجل الرجل وفتح باب المقبرة التي تضم في منتصفها قبراً واحداً فقط. حملتُ الحاجيات إلى داخل المقبرة ورأيت ــ وأنا أضع الحاجيات أمام شاهدة القبرــ اسم الرجل نفسه مكتوباً على الشاهدة مع تاريخ الوفاة: ١٧/١٢/١٩٩٨.
خرجت انتظره عند السيارة وأنا أفكر أن لا ضير، في رأيي، من فكرة شراءك قبر وكتابة اسمك عليه، وهي ما غدت موضة تقوية آخذة في الانتشار هذه الأيام. رأيت الرجل يرش قنينة الماء على القبر، يشعل بعضاً من عيدان البخور والشموع ويثبتها على القبر وفي الجدران، يجثو أمام القبر ويتمتم بكلمات لا تصلني. فكرت أن من الطرافة أن يقرأ الرجل الفاتحة على قبر لا يضم داخله روحاً. وحين خرج كان يهمس لنفسه: قريبا، قريباً نجتمع.. قريباً ينتهي كل شيء...
في طريق عودتنا، قال:
ــ ظنوا أن كتابتي اسمي على شاهدة القبر فأل سيء، وكنت أتمنى أن يكون كذلك. (وأضاف) يغمرني اعتقاد أنني أنا من قُطِع وفُصِل، وأنني لن أرتاح ما لم أعُد لساقي وذراعي.
وكان هذا أغرب شيء سمعته في حياتي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى