عبدالعزيز أمزيان - نشيد الحزن والعزف في ديوان «سدرة الهباء» للشاعر عبد العالي دمياني

في حوزة الإعلامي والشاعر عبد العالي دمياني ديوانانː الأول بعنوان” للريح سماء أخرى” الصادر عن منشورات بيت الشعر في المغرب، الديوان الثاني بعنوان “سدرة الهباء” الصادر أيضا عن منشورات بيت الشعر في المغرب الطبعة الأولى-دجنبر 2023.

1716493693167.png
1716493693167.png

يقع ديوان ” سدرة الهباء” في ثمان وسبعين صفحة، يضم بين دفتيه أربعة فصول شعرية: حامل الريشة يرجم العالم بصرخته، لؤلؤة في فم الريح، التروبادور الأخير يسيح في المدينة، في مهب اللوعة والنسيان.

شعر عبد العالي دمياني، ينزل على قلبك خفيفا كظل غيمة، ينحت الوجود من دمع الوجدان الخافت، ويشكل صور الكينونة من عبرة القلب الشفيف، كأن ما يتراءى للشاعر كله هباء، غبار يضمحل كحبات، تلزق بالأشياء أو تنبث في الهواء.
من أول سطر شعري يشبه الشاعر ذاته بهواء عدم، اختلطت بعماء الكون، وتمازجت، حتى أضحت أداة غياب، وآلة ريح تعزف ألحانا على الأثر المطموس، الزائل..
أنا هواء عدم
يتلبس
عماء وجود
أناː أداة نفي ذاتي
آلة ريح
تعزف
على أثر مدروس…(نقطة عبور ص 5)
يتابع الشاعر نحت الوجود بألوان الحزن، والعزف على أوتار المحو، أناشيد الحلم، والأمل والحياة، والحركة المفعمة بالولادة، والضاجة بالصفاء والرقة والبياض والوضوح..
………….
الآلة تنشج
تنسج غلائل نغم
على الأدراج
المفضية إلى أعشاش
في السماء
…….
أتوب إلى الريح
من “وحي الماء”…..(الاسم المصلوب ص 8-9)
على إيقاع النغم الراعف، وأوتار العزف الشاهق، ينهمر شعر عبد العالي دمياني رقيقا، كأنه صوت مطر على أشجار غابة موحشة، ووحيدة في آخر المفترق. يصور حامل الريشة، أحسن ما تكون الصورة، وأبهى ما يكون الرسم، نقتفي أثره بحنو وعطف بالغين، ونرافقه بتأثر وانفعال قويين
لا شغل له
إلا تنقيح الصمت
على إيقاع البراكين
الثائرة
داخله
…صاحب الفأس
الملمعة
باهاب الليل…..( حامل الريشة ص 12)
هكذا تتوالى الصور الكثيفة، وتلتف لوحاتها الغزيرة، بنظرة تتلون بمسحات الحزن، وجرس يصطبغ بآثار الوجدان، في باقي الشعر في ديوان ” سدرة الهباء” ملمحان شعريان لافتان في الديوان، وسمتان طافحتان، ينتبه إليهما القارئ من أول قراءة…
أفتح بابي على البحر
أفتح قلبي
وأنهمر…
موجة تشرد بي
نحو سفن راسيات
على رمس الأفق…(عصا الغريب ص 45)
يصل الأنين مداه، ويجلجل الجرس عمق وجوده، وغور شاعريته التراجيدية، ونشيد بوحه الماحق المأساوي، في ختام الديوان، كأننا أمام صلاة أبدية، فيها كثير من الخشوع والابتهال والتضرع.
تنسدل الكلمة
على ما لا يرى
نشيد الصمت
طقس تعميد الفراغ
تسمية العدم
تكليم الماوراء
………….
حتى الريح أكلت نفسها
غارت
في
هوة
بلا قاع
من أجل ما يبقى
بعد الذي كان
عويل الدم
عزيف الريح
في الأعضاء
تقبل هذه الصلاة. (رمز شعائري ص 75-76)
لم أرد أن أسير أكثر، لأقف عند الوسائل الفنية الأخرى، التي توسل بها الشاعر للإفصاح عن مكنوناته الوجدانية، والإعراب عن ومضاته الشعورية، حسبي أن أنصت إلى هذه النبضات، التي خفق بها قلب ديوان ” سدرة الهباء”، ويكفي أن أشير إلى هذا السحر، الذي تجلى في فضائه الشعري، وأفقه التصويري.

عبدالعزيز أمزيان


بتاريخ : 24/05/2024

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى