أبووردة السعدني - الحج في عصر دولة المغول الإسلامية في الهند (٣)

... شاءت إرادة الله أن تشرق شمس الإسلام في شبه القارة الهندية ، لتبدد ظلمات جاهليتها التي تكاثرت وتراكمت أدهرا طوالا ، فدخل الهنود في دين الله أفواجا ، وقامت في بلادهم - منذ القرن الأول الهجري - دول إسلامية سعت جاهدة لنشر مباديء العقيدة الإسلامية ، فصادفت أقواما شرح الله صدورهم للإيمان ،وترسخت قواعد حضارة إسلامية زاهرة ، ربما يجهلها كثير من المسلمين ..!! ،حتى إذا أظل الهنود القرن العاشري قامت في بلادهم دولة إسلامية عالمية تخشاها الدول وتخطب ودها ، بوأت الهند أوج عظمتها وازدهارها ، نشرت الإسلام في معظم أرجائها ، وأينعت - في بوعها وآتت أكلها العلوم والآداب والفتون ، تلك -كانت - دولة المغول الإسلامية ، التي حكمت معظم شبه القارة الهندية أكثر من ثلاثة قرون ، من عام 1526/932 ، إلى أن انتقلت من صفحات التاريخ إلى كتبه ، على أيدي الاستعمار البريطاني سنة 1858/1275 ...!!...
.... تعلقت قلوب الهنود المسلمين ببيت الله الحرام ، فكانت أقصى أماني المسلم منهم أن يوفقه الله لأداء فريضة الحج ، وأن يطوف حول الكعبة المشرفة ، ثم ، وبعد أدائه مناسك الحج ، يتعطر بزيارة قير المصطفي - صلى الله عليه وسلم - ، ويحظى بالصلاة في الروضة الشريفة ، ليرجع إلى بلاده كيوم ولدته أمه ،أيضا ، كان الحج - في المجتمع الهندي - نقلة كبرى في السلوك والتوجه ، ومتى اقترن لقب " حجي " باسم الهندي المسلم ارتفعت مكانته الاجتماعية ، وصار - لزاما عليه - الوقار ، والصدق ، والاعتدال في كل شئونه ....
...ومن جهة أخرى كان الحج عاملا مهماً في ازدهار الحضارة الإسلامية في الهند ، ويمكن القول ، إنه لولا الحج ، ولولا " البيت " الذي جعله الله مثابة للناس ، والذي عرف أهل الهند - في كل عصورهم - بشدة الشوق إليه ، وارتباط القلوب والنفوس به ، واجتماع علماء الهند - وأهل الفضل منهم - بعلماء العالم الاسلامي في الحرمين الشريفين ، وتتلمذهم عليهم ، وإقامة بعض علمائهم الطويلة في ربوعه ، وهجرة بعضهم إليه ، لكانت الهند في عزلة تامة عن العالم الإسلامي ، ولبقيت مجهولة تحتاج إلى مغامر لاكتشاف هذا العالم الغريب ..!!!...
.... حين قامت دولة المغول الإسلامية - في بلاد الهند - في القرن العاشر الهجري أولت الحج والحجاج - من داخل الهند وخارجها - اهنماما كبيرا ، فنظمت قافلة الحج على غرار قوافل الحج الإسلامية الكبرى في العراق ومصر والشام وغيرها ، فعينت " أميرا " لقافلة الحج ، ولم تقتصر وظيفة" إمارة قافلة الحج " على الأمراء من رجال البلاط ، وإنما تولاها - أيضا - العلماء ، كان من بينهم " الشيخ أبوتراب الكجراتي ت 1594/1003 - ، الذي عين " أميرا للحج" عام 1581/998 ، وأعطاه السلطان خمسة " لكوك = أي نصف مليون " من النقود الفضية ، وعشرة آلاف من " الخلع " الفاخرة ، ليقسمها على مستحقيها في الحرمين الشريفين ....
... ولم تقف عدم الاستطاعة المالية حائلاً دون أداء فقراء المسلمين الهنود فريضة الحج ، فقد تحملت الأوقاف الإسلامية وسلاطين دولة المغول نفقات الفقراء أثناء رحلة الحج ولم يتحملوا أية أعباء في السفر ولا أثناء إقامتهم في بلاد الحرمين الشريفين....
.... كان اليوم الذي تشد - فيه - قافلة الحج الرحال إلي بيت الله الحرام من الأيام المهمة في بلاد الهند ، تخرج فيه جموع المسلمين لتوديع الحجاج ، وفي مقدمتهم السلطان المغولي ، الذي كان يشيع قافلة الحج محرما كإحرام الحج ، مقصرا للشعر ، ملبيا ، حاسر الرأس ، حافي القدمين ، وحرص معظم سلاطين دولة المغول علي كتابة نسخ من القرآن الكريم " مذهبة " بخطوط أيديهم ، وإرسالها لتوضع في الحرمين الشريفين ، منهم - على سبيل الذكر ، السلطان " أورنك زيب عالماكير ت 1707/1118 " ، وكان من أعدل سلاطين دولة المغول في الهند ، نعته المفكر الاسلامي " علي الطنطاوي ت 1999/142- قائلا عنه ، إنه " بقية الخلفاء الراشدين " ، كتب السلطان المذكور - بخط يده - مصحفين ، أرسل واحدا منهما إلى مكة المكرمة ، وأرسل الآخر إلى المدينة المنورة ...
... أما يوم عودة القافلة فكان يوما مشهودا في تاريخ بلاد الهند ، تتوافد - فيه - جموع المسلمين من كل فج عميق إلى مدينة " أكرا " - عاصمة دولة المغول - ويخرجون - وعلى رأسهم السلطان لاستقبال حجاج بيت الله الحرام ، والحبور والسرور يملأ قلوبهم ، ويشرح صدورهم ، ويعلو وجوههم ، فحين رجعت إحدى قوافل الحج ومع أميرها " حجر " عليه " أثر قدم " النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خرج السلطان لاستقباله على بعد أربعة أميال من العاصمة المغولية ، وأخذ الحجر منه ، وقبله والدموع تنهمر علىى وجنتيه من شدة التأثر ، واضعا إياه مرة علي عينيه ، وأخرى على رأسه ، وسط تهليل ، وتكبير ، وتلبية المستقبلين ...
.... أما العلماء والصالحون فكانوا يحملون في " محفات " ، ويظللون من حرارة الشمس بالحرير ، وحشود المستقبلين تحيط بهم من كل جانب لالتماس البركات منهم ، وبلغ تقدير المسلمين الهنود للعلماء والصالحين أنهم كانوا يخصصون سفينة مسقلة لتقل العالم أوالصالح منهم في رحلته إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج ...
.... شد المسلمون الهنود رحالهم إلى بيت الله الحرام - في قافلتين - عبر طريقين :
الطريق الأول : طريق بري ، من شمال غرب الهند إلى بلاد فارس ، للانضمام إلى قافلة الحج العراقي المتجهة إلى الحرمين الشريفن ، وكثيرا ما اعترض روافض الصفويين الفرس قافلة الحج الهندي ، يسلبون قافلتهم ، ويسرقون أمتعتهم ، ويهينونهم بأقذع ألفاظ الشتم والسب ، الأمر الذي أثار حفيظ السلطان المغولي " ناصر الدين همايون ت1556/963 " ، فتبادل الرسائل مع السلطان العثماني -ت١٥٦٦/٩٧٤- واتفق العاهلان المسلمان ، السنيان ، على أن يلتقيا في مكة المكرمة في موسم الحج ، ثم يقودان - بعد أداء فريضة الحج - حملة عثمانية صفوية مشتركة ، لاستئصال شأفة الخطر الصفوي الرافضي الذي يتهدد كلنا الدولتين ، لكن الاضطرابات السياسية في بلاد الهند حالت دون تحقيق هذا اللقاء ، فلم يتمكن السلطان المغولي من القدوم إلى مكة المكرمة ، وقاد السلطان سليمان القانوني جيشا عثمانيا إلي بغداد ، وحارب الصفويين في معاك عدة عام 1534/941 ، وأصدر أوامره إلى القائمين على أمر الحرمين الشريفين أن : " لا يدخروا وسعا في الحفاظ على سلامة حجاج بيت الله الحرام ، وصيانتهم من أحطار المسالك وأهوال المهالك ، سواء في الأنفس والأموال ، وهم قادمون من شتى أرجاء العالم " ، وقد أفتى كثير من علماء الهند بعدم جواز الحج عبر هذا الطريق لتجنب الأخطار التي يتعرض لها حجاج بيت الله الحرام من شيعة الفرس الصفويين ....
... أما الطريق الآخر :فكان طريقا بحريا بواسطة السفن إلى مبناء " مخا " في اليمن -وكانت ميناء بحريا وتجاريا كبيرا - ، ثم إلى ميناء " جدة " التي كانت تلقب ب" عروس البحر الأحمر" ، لموقعها ومركزها التجاري ، وكان هذا الطريق محفوفا بالخطر الصليبي البرتغالي ، فمنذ أن ثبت البرتغاليون أقدامهم في بعض مرافيء الشاطيء الغربي للهند - في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي - دأبوا على مهاجمة السفن الإسلامية التي تمخر عباب المحيط الهندي متجهة إلى الجزيرة العربية ، والاستيلاء على السلع التجارية وقتل بحارتها ، وقطع الطريق على حجاج بيت الله ، وقد تنبهت الدولة العثمانية للخطر الصليبي المحدق ببلاد الحرمين الشريفين وبالتجارة الاسلامية ، فأرسلت حملة عسكرية سنة 1538/945 ، - بقيادة سليمان باشا الخادم - والي مصر -للقضاء على الخطر البرتغالي ، ولما باءت هذه الحملة بالفشل الذريع ، أرسل السلطان " سليمان القانوني " رسالة تهديد ووعيد إلى " ملك البرتغال " ، قال فيها : " لقد وصلت إلينا تقارير اعتدائكم المتكرر على الحجاج المسلمين والتجار القادمين من الهند إلى أقاليمنا ، وإنه من الواجب عليكم أن توقفوا - حالا - جميع الاعتداءات الوحشية على المسلمين الهنود ... إننا نحذركم أنه لو تماديتم في زعزعة السلام في الهند فسوف نتخذ الخطوات المناسبة ضدكم " ، على أية حال لم يجد - تهديد السلطان العثماني - نفعا ، فاكتفت الدولة العثمانية بإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن غير الاسلامية ، حماية للحرمين الشريفين من الهجمات البرتغالية الصليبية ...!!..
... كانت السفن التي تقل حجاج بيت الله الحرام تبحر من مبنا " سورات" - وهو ميناء بحري كبير يقع في ولاية " كجرات " في غرب الهند - ، وتبحر منه - أيضا - السفن التي تنقل مخصصات الحرمين الشريفين ، تلك المخصصات التي أطلق عليها الهنود - تأدبا - " هدايا " وأبوا أن يطلقوا عليها " صدقات " ، ولذا فقد نعت ميناء " سورات " بنعوت عدة ، منها : باب مكة ، الميناء المبارك ، الميناء الميمون ، ، وأجل تلك النعوت : باب بيت الله...
... كانت رحلة الحج البحري تستغرق من " سورات " إلى ميناء " مخا " - في اليمن - خمسة وعشرين يوما - في الذهاب - ، ومثلها في الإياب - إذا كانت الرياح مواتية - ، ومن " مخا "إلى "جدة " من ثمانية إلى عشرة أيام ذهابا ، ومثلها في الإياب ...
....وسكتت المصادر التاريخية عن الإشارة إلى أداء سلاطين دولة المغول الإسلامية في الهند فريضة الحج ، ربما بسبب الأخطار الداخلية والخارجية التي كانت تحيط ببلادهم ، بيد أنها أفاضت في الحديث عن " أميرات " البيت المغولي اللائي شددن رحالهن إلى الحرمين الشريفن منهن - على سبيل المثال - " كليدن بيكم " ابنة السلطان " ظهير الدين بابر الكوركاني ت١٥٣٠/٩٣٧" ، وكانت بارعة في النظم باللغتين التركية والفارسية ، رحلت - للحج - في عهد ابن أخيها السلطان " جلال الدين أكبر ت١٦٠٥/١٠١٤" الذي أمدها بنفقات سخية جدا ، كما وفر نفقات ومؤنا للحجاج الهنود المرافقين لها دون أن يستثني واحدا منهم ، أقامت الحاجة " كليدن بيكم " في مكة المكرمة بضع سنوات ، من عام 1576/984 الى عام 1582/990 ، أدت - خلالها - فريضة الحج أربع مرات ، ووزعت " صدقات " لا تعد ولا تحصى ، حتى إن حجاج قوافل العالم الإسلامي كانوا " يتدافعون" لينالوا نصيبا منها ، وقد لحقت الأميرة المذكورة بالرفيق الأعلى سنة 1608/1016....
... نشير - أخيرا - إلى أن الحج كان من أهم معابر الحضارة الإسلامية إلى شبه القارة الهندية ، حيث أقام عدد كبير جدا من الهنود - إقامة دائمة أو إقامة مؤقتة في بلاد الحرمين الشريفين - والتقوا يعلماء الحواضر الاسلامية ، تلقوا العلم على أيدبهم ، ونقلوا ما تعلموه إلى بلادهم ، ويكفي أن علم " الحديث " نقل في القرن التاسع الهجري من المديمة المنورة إلى الهند ، ولم يكن معروفا عندهم قبل ذلك ، وحسبنا التعريف بعالمين - فقط - من علماء الهند الذين اغتنموا فرصة أداء فريضة الحج لتلقي العلم ، فاستفادوا وأفادوا :
... "حجي إبراهيم القادري " ، أي الحاج إبراهيم القادري " لقب بلقب " المحدث " لبراعته في علم الحديث ، تلقى العلم - بعد أدائه فريضة الحج ، في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة ، ثم ساح - طلبا للعلم - في الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة ، وفي الجامع الأموي بمدينة دمشق ، ورجع إلى الهند ، بعد أن سلخ من عمره أربعة وعشرين عاما في طلب العالم ، وأقام في مدينة " أكرا " - عاصمة دولة المعول - يعلم الهنود العلم ، وحاز مكانا عليا في قلوب الهنود ، حكاما ومحكومين إلى أن لحق بالرفيق الأعلى سنة 1593/1001 ...
.... الشيخ العالم " صبغة الله بن روح الله بن جمال الله الحسيني الكاظمي البروجي " ، شيخ مشايخ الطريقة العشقية البروجية ، نعت ب " المهاجر إلى المدينة المنورة " ، لإقامته فيها إقامة دائمة ، كان عالما موسوعيا ، وشيخا صوفيا ، له مؤلفات متنوعة كثيرة ، ترجم له الشيخ " نجم الدين الغزي ت١٦٩٩/١١١١ " في كتابه " لطف السمر وقطف الثمر " ، قائلا : " إنه كان يلازم الصلوات الخمس - في الجماعة - بالمسجد النبوي عند الشباك الشرقي ...زرته هناك ، وسألته الدعاء ، فقال لي : بل أنت ادع الله ، فإنك حاج وأنا أؤمن ، فامتثلت أمره ، ودعوت الله وهو يؤمن ، وكان أبيض اللون ، وضيء الوجه ، نير الشيبة ، عليه آثار العبادة وأبهة العلم " ... ، جاز الى ربه سنة 1015/١٦٠٦ ، ودفن ببقيع الغرقد في المدينة المنورة .....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى