أنس الرشيد - فلا أقسم بمواقع المحيط




"في أعماقِ المحيطِ الأطلسيّ، مِرآةٌ تَجذبُ تاريخَ العالمِ، وتختزنه في عَوالمَ مُوازية".
؛
هذه جُملةٌ مدهِشةٌ قالتها لي فَتاةٌ مَغربيّة، كأنَّها خَرجت من المحيط. ولا أدري هل هذه الجملة مدهشة فعلًا، أم أنّي أُدهَشُ كثيرًا بسردياتِ النساءِ للعالم، وجمالهنّ حين يَنفين تأويلَ المَنطقِ الذي ضاقَ به العالم ذرعا...؟!
.
حين ذهبتُ إلى مدينة الصويرة ووقفتُ أمام هيبة المحيطِ الأطلسيّ لم أكن أريد إلا رؤيةَ (السِّحرِ) وهو يَقفز من الأعماقِ كحوتٍ أزرقٍ يأخذ نَفَسًا ليَعود أدراجَه إلى عَوالمَ سُفلية، كاتمًا أسرارَ ما فوقَ الماء.
ولكنًّي حين وقفتُ تلكَ الوقفة المهيبة أمام المحيطِ شَعرتُ أنِّي آخِر كينونةٍ على الأرضِ، والماء يَقرب ويَبعد وكأنَّه يأخذني إلى المِرآةِ التي تحدثت عنها تلك الفتاة المغربية...!
وجدتُ نفسي تنسحب بعيدًا عنّي، وصوتًا من بعيدٍ يُنادي باسمي، ويأمرني بالركوبِ على موجةِ نفسِي وهي تُغادر...، فلحقتُ بها حتَّى وجدتُني أمام نفسي وهي تحتضن فتاة المحيط...؛
أهذا هو السحر في مرآةِ الأطلسي:
أن تَسحر نَفسَك بالرغبات العميقةِ؛ حتى تَخرج لك فتاةُ الأطلسيّ، كأنَّها طَيفُ خَيالٍ يَلبس الأحمرَ القاني...؛ وتُحدّثكَ بحديثٍ له وقع لا يُصدِّقه إلا من رآه، ولغةٌ عربيةٌ شَبِقة كأنًّها صَوتُ الأنثى التي أنجبت يَعرب الأوّل؟
فتاة تختفي وتظهر، تريد أن أمتلئ بمعنى الجمال، تُريد أن تَجمَع في عَقلي بين الحقيقةِ والوهم...!
فتاةٌ أقسِم أنَّها خَرجت مِن أعماقِ المُحيط، وكأنَّها من أثرِ الجَمالِ على شَفتَي إلهٍ غادر الوجود منذ خَلق هود وعابر بن شالخ...، أو هي كمثلِ النَّجمِ الذي عبَر من مئاتِ السنين لكنَّنا نُقسِم بمواقِعه...!؛
فتاة حين رأيتُها لهجَ لساني: [فلا أقسِم بمواقِع الجَمال]...؛ وقبلَ أن أُكمِلَ تلاوتي سمعتُ ارتطامَ الأمواجِ، فعرفتُ أنَّها تُذكِّرني بأني نجمًا بقيَ في المجرة لم يَرحَل، جالسًا في ظلٍّ زائفٍ أسقِي كلماتي مَاءَ المحيطِ، لعلّها تُنبِتُ مجرةً مخلوقةً من نَساءٍ فائقاتِ الجَمالِ والإرادةِ الأنثويةِ التي تَخلق إنسانَ ما بعد النجوم، إنسانَ الأنوثةِ المتجاوزةِ لنسوةٍ عدميات.

وهذا آخر ما أذكره من تلك الليلةِ الساحرةِ، قبلَ أن تَغمُض عيني وأدخلُ في سَرمديةِ عينِ الكون، وأعود إلى الشاطئ...! أو تعود روحي إلى جسدي...! لا أدري والله.
.
حين أصبحتُ وصوت المَوجِ قد هدأ، مضيتُ إلى داخلِ المَدينةِ طَلبًا للقمَةٍ أسدُّ بها جُوعي، وتوقفتُ عند مطعمٍ أظنُّ اسمه (باب مراكش) فرأيتُ الناسَ تَمشي وتَجلِس وتَأكُل وتتحدّث بأحاديثَ لا قيمةَ لها في عَينِ مَجرةِ تلك الفتاة التي رأيت.

سألتُ النادلَ: أيوجد لهذا المكان الذي نِمتُ فيه قريبا من قلعة الصويرة حكاية؟

لم يفهم سُؤَالِي ولم أفهَم حَيرَته، وإذا ضَاعَ الفَهم ضَاعت اللغةُ، وإذا ضَاعت اللغةُ ضاعت الفتاةُ...، وإذا ضاعت الفتاةُ خدعتني النجومُ بمواقعها، وإذا انخدعتُ لم أر َ ما رأيتُ عند المُحيطِ، وإذا لَم أرَ مارأيتُ فقدتُ شَهوةَ الحَياةِ، وإذا فقدتُ الشَّهوةَ، فقدتُ كتابةَ الجمال وانتحرت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى