مقتطف د. محمد عبدالفتاح عمار - الحلقة الخامسة " سفر انين الحجر " من رواية اسفار الوطن والجراح

الحلقة الخامسة
سفر: أنين الحجر​

لم أكن أدرك أن الإنسان أسير الصراع بين الزمان والمكان وأنه كثيرًا ما يكون ضحية لهذا الصراع، أما إذا كان الزمان والمكان معًا صعدا بالإنسان إلى القمة، أما إذا نجح الإنسان في تطويعهما فإنه يكون سيد عصره. الحقيقة إني أشعر أني مقصي عن المكان منفي من الزمان، طوال عمري أعيش ضحية للمكان والزمان.. أعيش على حافة القرية فلا يعتبرني أهلها منهم وأني عضو عامل فيها.. ينظر إليّ أهل المدينة على أني جئت من القرية محسوبًا عليها ومنسوبًا إليها.. لا هؤلاء يعتبرونني منهم ولا هؤلاء يسلمون لي بحق الانتساب إليهم، والحقيقة إنني كنت أدرك ذلك وأشعر بعدم قدرتي على انتهاج بعض عوائد هؤلاء وهؤلاء وأني في النهاية مواطن نَسَبي إلى أيهما غير كامل، إنني أنتمي إلى المنطقة الوسطى منطقة الحيرة التي تطاردني وما كان ذلك إلا من واقع الزمن فأنا من بقايا أسرة إقطاعية سياسية انطوى تاريخها وولى حاضرها، أهل المدينة يرون أنه أيًّا كانت عائلتي فأنا من الفلاحين ولو حاولت أن أخفي ذلك في طريقة كلامي ومظهري، وأهل القرية لا يمكن أن يقتنعوا بغير أنني منسوب إلى طبقة البهوات أو الأفنديات.. الحمد لله أن عشت حتى تلاشت هذه الظاهرة ولم يعد ثمة فارق حقيقي بين القرية والمدينة لا في السلوك ولا في ساكنيهما ولا عشوائية البيوت وفوضى الواقع.

كلاهما تراجع، وفقد رونقه، وتخلى عن خصائصه.. خصوصيته.. تحول شيئًا فشيئًا إلى مسخ مشوه، تسير في القرية فتشعر أنك في حي شعبي في المدينة، وتسير في المدينة فتشعر أنك في قرية تحولت إلى مدينة بطريقة عشوائية غير منظمة، الواقع أن التحول كان لصالح المدينة أما القرية فقد انهزمت، سقطت، أوشكت على الاختفاء، لا ملامحها فقط توشك أن تتلاشى، إنّما مشاعرها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها حتى ثيابها خلعتها تعرت ولا شيء يستر عوراتها ذلك لم يخفف من غربتي ولكنه جعلني أذوب بلا قيمة وبلا هدف في المكان والزمان أعلن استسلامي لواقعي، أمشي على الدرب لا أعرف إلى أيّ هدف وإلى أيّ موضع تستقر دابتي وتهدأ نفسي.

شيئًا فشيئًا تزحف على القرية الكتل الخرسانية، تتغير معالم المكان، والأغرب أن تتغير مشاعره.. ما صلة المكان وملامحه الصخرية بالمشاعر والزمان والعاطفة؟ كلما زادت المباني ودخلت فيها النار التي جمدت الطوب تحولت المشاعر بين الناس إلى الغلظة وتفاعل البشر مع الحجر وانتشرت سلوكيات النار واختفت سلوكيات الفطرة من حب وإخلاص ونقاء، وكلما كان ذلك شعرت بالغربة والرغبة في الارتحال بعيدًا عن هذا المكان، رغم علمي بعدم قدرتي على مفارقته إلى الأبد، لكن في النهاية لا بد من الرجوع للأصل، من حين لآخر، القرية موطن الآباء ومرقد النهاية وبها ذكريات الصبا والطفولة، ومع ذلك أشعر الآن مع هذا التحول بأنني لست من القرية لست منسوبًا إلى هذا الحيز لا أعرفه ولا أستسيغ وجودي فيه ربما يكون شعورًا سطحيًّا لأني أيضًا معجون فيه. إنه ليس المكان الوحيد الذي أشعر فيه بذلك، في الإسكندرية أيضًا أشعر أني أعيش واقعًا مؤسفًا ومخزيًا؛ فيلاتها المميزة التي كانت تجذبني والتي بناها الطليان واليونان والأرمن ومبانيها الأثرية اختفت، قضيت سنوات مع عمتي بشارع فرنسا كنت أطالع البحارة الرومان والنساء الأجنبيات بملابسهم الراقية نصف العارية يقفون أمام محلات الذهب وفتارين الفضة والتحف الآن تحول الشارع إلى سوق شعبية، لم يعد شارع فرنسا أصبح سويقة الكانتو والملابس المهربة.. تشوه الكورنيش.. العمارات الشاهقة تبدو لي كسكين يشق قلب التاريخ.. اختفت الإسكندرية الجميلة.. حتى البحر اختفى وراء كافيهات وأندية طبقية ومهنية جُلها بُني من دون ترخيص تحت حماية الجهات التابعة لها وزُرع على كورنيشها كوبرى ومدت اليابسة في الماء أصبح كندبة في وجه امرأة حسناء شديدة الجمال ضربها سارق بسكين وهو يخطف قرطها أو عقد اللؤلؤ الذي يزين صدرها، مضت الحادثة لكن ستظل الندبة تشوه جمالها.. وما زال الخطيب يردد في المسجد «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار».
لعنة المكان تطاردني، تجعلني أكره الزمن الذي أحيا فيه، أتمنى لو أفر منه لزمن ليس فيه فساد المكان، نفس الشعور ليس في المدينة وحدها بل أيضًا القرية أصبحت أكثر تشوهًا، الترعة الصغيرة التي كنا نسميها «الجنّابية» أصبحت مرتعًا للزبالة، قيل إنهم سيمدونها في مواسير، بدأ المشروع ورُدمت الترعة ابتدأ الردم من ناحية الأسفلت فرحت ولكن حينما عدت إلى القرية استغربت لقد أقيمت محلات وكافيهات على مجرى الترعة وأطلق الناس إشاعة غير صادقة إنها ستؤجر لحساب الدولة بينما الحقيقة أنها كانت تعديات، شلت يد الدولة الغائبة عن إزالتها.. أين أذهب والمكان يطاردني والزمان يدفعني إلى الغربة، أيام حانقة وتفاصيل متعبة وقلبي يدق بشدة وعقلي يضرب كلما فكرت في ذلك وتذكرت أنني أخذت حبوب الضغط اليوم بفضل الله بعد أن ارتفع ثمنها من خمسة وسبعين جنيهًا إلى مائة وخمسة، لعنت صديقي محمود وشعرت أني أبغضه كلما رأيته يدعي معرفته بالسياسة والاقتصاد ويدافع عن تعويم الجنيه.
بعد ثورة يناير تآكلت الأرض بشدة.. أكثر شيء يمكن رصده هو تحول الأرض الخضراء إلى أعمدة خرسانية، تغير الجغرافيا بفعل الزمن، بفعل الحدث، ثورة قامت من أجل محاربة الجوع فكان من أهم آثارها القضاء على الأخضر، شعرت أن القرية تصرخ حقولها الخضراء غاضبة من انتهاك شرفها ليلاً ونهارًا حتى الحجر يوشك أن يئن حزنًا على الخضرة والنباتات التي أبيدت ودُفنت تحته، الأرض الخضراء بدت لي كفتاة يانعة اغتصبها وحش كاسر انتهك عذريتها اختفت أنوثتها تحولت إلى وجه صادم لا حياء فيه، أصبحت كغانية في ملهى ليلي ساقطة تبيع حكايتها للموسرين من الرجال على فراش الخطيئة، أين طهارة الأرض أسمعها تبكي بحرقة على النباتات التي وُئدت وهي لا تدري بأيّ ذنب قُتلت.
لم تكن الأرض وحدها هي التي تبكي أو تتكلم، نعم يتكلم الحجر ويصرخ.. سبق أن سمعته.. أصغيت إليه.. عقب الثورة.. أدركت أن الحجر أبجدية المكان.. حروفه أرقامه.. منه تتشكل العبارات تكتمل معادلاته.. يعبر بقوة، بصدق، الحجر لا يعرف الرياء.. لا يعرف النفاق، ينقل الخبر يؤكد الحدث.. فما بالك إذا تجسد مع الزمن.. حين سقط مبنى مباحث أمن الدولة بمدينة دمنهور لم أشاهد تلك اللحظات كنت في قريتي كما رويت.. زُرته كغيري ممن ذهبوا لدوافع متعددة.. الشماتة؟.. لِمَ لا.. تسجيل الواقع.. رؤية مكان لم يكن بشر يتصور أن يُهاجَم بل أن يقترب منه أحد.. أن يحترق، أن يغزوه من كانوا مكبلين داخله.. لو قال ذلك أعقل العقلاء يوم 27 يناير 2011 لرُمِيَ بالجنون.. ضحك عليه الناس.. تندروا لقوله.. وصفوا قوله بأنه هو المستحيل بعينه.. لكن آثار دخان الحريق كانت واضحة ناطقة بصوت عالٍ.. ربما أفصحت عن أنات المعذبين.. صرخات المعلقين من أرجلهم.. من تصل الكهرباء إلى أجسادهم.. نعم، لا أحب تجار الدين.. أكره أدعياء تملك العبادة، شيوخ اللحى والجلابيب القصيرة، تجار الدولار في المساء.. الساعين إلى السلطة باسم الدين.. لكن لا وألف لا أن يُضرب بشر على وجهه.. أن تُدمى أنفه بصفعة من يد جسد متجمد لا مشاعر فيه.. مَن كرَّمه الرب يجب ألّا يهان ولو إساء لسانه.. مهما جنت يداه.. ولو زلت قدمه وانحرفت عن الطريق الصواب.. لا يجوز تعذيب أسرى الحرب من المشركين ولا العبث بحرماتهم أو كشف عوراتهم فما بالك بالمسلمين وإن ضلوا أو أضلوا.. تظل الحرمة قائمة.. افعل ما شئت فيهم بالقانون.. بالحق، بالمحكمة.. ألقِ السوط من يدك.. رب السماء لا يغفل عما يعمل الظالمون.
صور مداهمة المبنى كانت ولا تزال على اليوتيوب، الدكتور قسمت الإخواني الشهير يتقدم الصفوف، انطلقت الأعيرة النارية، تبادل الجانبان الطلقات وكان القتلى والمصابون عشرة وفيما بعد قضت المحكمة بالبراءة، اعتبرته دفاعًا شرعيًّا.. وأغرب ما مر بي أني التقيت برقم اثنين في هذا المبنى في عيادة طبيب صديق كان ضابطًا مهيبًا رأى أنه أفضل من كل من بالعيادة دخل علينا حجرة الكشف كنت أدردش مع الطبيب الدكتور إبراهيم منصور طبيب أمراض الباطنة الشهير تبين فيما بعد أنه من الإخوان حصل على مقعد رئاسة النقابة الفرعية قيل إنه خلايا نائمة والحقيقة أن الدولة هي التي كانت نائمة في سُبات عميق، أحيانًا أشعر أن الجهاز مهم وله دور على الأقل في حصر من يصلحون لبعض المهن دون البعض، أتذكّر حين عاد ابني من المدرسة يخبر أمه ألا تضع ولو في البيت عطرها الفرنسي فالمُدرسة المنقبة قالت لهم من فعلت أمه ذلك فهي زانية.
لكن كرامة الإنسان جزء من أمن الدولة.. هناك على الحوائط الناطقة عبارات كُتبت تسب الدولة، تلعن السلطة، تشمت في احتراق المبنى.. حجارة المبنى متناثرة أشعر أنها تئن، لا أدري إن كانت تبكي زمانها الذي ولى.. تبكي ما آل إليه.. أم تبكي فرحًا من تحررها من الرق، من العبودية، من أن تصبح أبدًا ودائمًا حجارة للسجن.. للتعذيب.. للإقصاء.. رأيت أحد الأشخاص تعمد أن يبول في المبنى، ورأيت بعيني حجرة خشبية مُدت عليها أسلاك كهربائية طولها لا يزيد على متر ونصف متر وعرضها لا يزيد أيضًا عن متر ونصف متر لا منفذ فيها ولا طاقة من نور، لا أدري كيف يعذب فيها البشر وما هي الوسيلة أو الطريقة.. الرعب يجتاحك رغم سقوط المبنى في أيدي العامة.. ألفاظ نابية هنا وألفاظ نابية هناك.. الموت ينظر إليك بعين زائغة ووجه شاحب.. تسمع أصواتًا خافتة تطلب منك شربة ماء تلتفت فلا تجد أحدًا.. ورائحة الدخان تجبر صدرك على أن يستدعي كحة مريضة مؤلمة أشد قسوة من كحة صدر أتعبته الحساسية.. النفس تتحسر.. أما خلف المبنى فكان هناك قبو يعلو عن الأرض عشرة سنتيمترات تقريبًا له فتحة كفتحة القبور أقسم الجميع أنه قبر دُفن فيه أحياء عُذبوا بالموت البطيء بظلمته ربما، قابلوا ربهم أحياء يرزقون، لم أعلق، لم أعارض، لم أوافق، بقيت أتأمل في صمت، ما أراه لا يحتاج إلى كلام، أقوى من كل صوت، أعلى من كل صرخة، أما أنا فشككت في ذلك إنه يسمى مجرور بئر لصرف مياه المجاري إنه يشبه مجرور بيتنا في القرية كان على شكل قبو المقبرة لم تكن الخرسانة عُرفت بعد وحتى بعد معرفتها ظل البعض يستخدم طريقة القبو في المجاري وكذلك في قبور الموتى، مقتنعين أن غازات المجاري وتعفن الجثث يتلف الخرسانة وتتفاعل معها فيهوي سقف البئر أو المقبرة.. المصري بَنّاء قديم شيد الأهرامات وأبو الهول، يعرف لغة الحجر، يحس به، يشعر بقدراته، وهو أيضًا معذب من قديم الأزل، سياط السخرة على ظهره قبل حفر القناة منذ تشييد الهرم ربما قبل ذلك بكثير.. وأعلم أن المكان مر به الزمن، عبر منه تاريخ مصر الحديث كان فيلا لأحد أفراد عائلة انور الإقطاعية شهدت أحاديث سياسية ومناقشات فكرية من كل نوع.. استقبال قادة حزب الوفد، النحاس باشا خطب في السرادق الذي أقيم أمام الفيلا.. فؤاد باشا سراج الدين.. وبعد الثورة خضعت العائلة للتأميم.. وتحول إلى مقر للاتحاد الاشتراكي ثم كلية التجارة وحينما أصبح الأمن أهم من التعليم نُفي الطلبة إلى مكان بعيد خارج مدينة دمنهور وأصبح مكانًا لجهاز أمن الوطن.. عفوًا «أمن الدولة»، مر بذات مراحل نقطة الشرطة بقريتنا.. هل تلك مصادفة؟ هل توحد الزمن، هل تآمر على المكان؟ لا أدري كلاهما انتهى إلى مكان أمني إلا أن نقطة الشرطة لا تزال خرابًا في قريتنا بعد ان نقلت الى مكان قريب.. أما ذلك المبنى الشامخ فأصبح الآن مقرًّا لقلعة الحرية فمحاكم مجلس الدولة احتلته، ربضت فيه لتمحو آثام الماضي وآثار دماء لم تجف.. العدالة أسمى من كل شيء.. فقط هنا أشعر أن الثورة حقيقة وإن ضلت طريقها وإلا كيف أصبح هذا المبنى بيتًا للعدالة، قلعة للحقوق والحريات، الثورة على الطريق ولو ضلت الثورة طريقها وطال بها السير للوصول ربما تتجدد لو لم تكتمل أحلامها ولو فقدت بعض تفاصيلها.. غرف التعذيب أصبحت قاعات محاكم.. التاريخ يصعد.. الأحداث لا ترجع للخلف.. الخطوات للأمام ولو كانت متعثرة ولو بساق سليمة وأخرى عرجاء مهما كان الظلم والاستبداد.. كل يوم يخطو الحق خطوة للأمام ولو كانت غير مرئية غير محسوسة.

أسترد شيئًا من وعيي الغائب لأرى ذلك الكائن الذي يطاردني أشعر بنَفَسه في الحجرة ألتفت فلا أجده وأنا أخطو نحو مكتبي وأنا أتهيأ لارتداء الوشاح، في حجرة المداولة التي كانت مكتبًا للمفتش تعبير يطلق على أكبر قيادة في المكان.. زرته فيها لخدمة، كان دمث الخلق لم أكن أعلم أنني سأعمل معه بعد سنوات كان هو نفسه المسئول الكبير عارف بك حبيب الذي حاول إنهاء موضوع رجل الأعمال واستيلائه على الأرض بثمن بخس ربما غيّره الموقع، بدّله المنصب، تغير المكان وتغير أيضًا الزمن، هل لهما أثر بالتأكيد، يومها سمح لي باصطحاب ابن قريتي العائد من الأردن بعد فقد جواز سفره عند عودته بالطريق البري، لم يكن يملك تذكرة الطيران لم تنجح رحلته إلى الأردن، قيل إن بعض زملائه سطوا على حصاد شقائه في الغربة، لم أشأ أن أسأله.. تأكد مفتش أمن الدولة أنه لا صلة له بالتيارات الدينية.. الحقيقة أنه لا صلة له بأي تيار سوى تيار لقمة العيش والبحث عن زوجة يفرغ فيها شهوته ويقضي منها وطرًا كتب عليه.. المبنى الآن نتعارك فيه تعلو الأصوات حول أحقية موظف مفصول في العودة من عمله.. منح علاوة.. رصيد إجازات.. بطلان الانتخابات.. منع من السفر.. تعيين معيد بكلية.. كلماتنا أكيد محت ما علق بجدران المبنى وأخفق الطلاء في إزالته من أصوات صفعات على وجه بشر سالت دموع الكرامة فاهتزت لها السماء.. ولو كان من أُدمي وجهه وصُفع خده كافرًا برب السماء.. يقول كتاب الله «لقد كرمنا بني آدم».. أرى سيدنا محمد من بعيد يقف لمرور جنازة يهودي.. لم يخص رب السماء المسلمين ولا أصحاب اللحى ولا أصحاب الأموال ولا حتى العلماء بالكرامة الإنسانية، احترام بشريتهم.. المسيحيون واليهود والبوذيون والملحدون كلهم أبناء آدم.. وسعتهم رحمة الخالق ولم تسعهم سجون البشر.. الدين لله والكرامة للجميع.
استوقفتني عبارة ترددت في أنحاء جسدي أجبرت دموعي الجامدة على التتابع ببطء على وجهي الشاحب، عبارة كُتبت بلغة أقسى من لغة الدم.. بلاغة فاقت كل دواوين العرب.. مراثي كبار الشعراء.. الصدق أقوى تعبيرًا من كل قلم، الصدق يجعل الكلمة أحَدّ من السيف أحيانًا، وأرَقّ من نسيم الورد ورائحته العطرة أحيانًا أخرى.. عبارة كُتبت بلغة الألم والحسرة كتبها شاب أو شابة لكن من كتبها أكيد ابن لأب لم يسترد كرامته خرج من هذا المكان ميتًا ولو كان حيًّايمشى على قدميه.. تصلح أن تكون شطرة في قصيدة لأمل دنقل أو محمود درويش أو أنا.. أرى أنني شاعر كبير لست أقل منهم.. تأملت العبارة جيدًا ما زالت تدوي في صدري تدوي في كياني ما زالت أمام عيني لا تفارقها رغم مرور السنين.. شعرت للحظة أن أنين الحجر الذي أسمعه همسًا، أحسه بكل مشاعري، كأنه بكاء على بشر.. بصعوبة سيطرت على شتات نفسي.. تقول العبارة: «هنا كان يُعذَّب أبي ويُضرب صباحًا ومساءً».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى