د. إبراهيم مصري النهر - عند ماكينة الصراف الآلي...

في نهاية شهر أغسطس، والشمس في منتصف السماء، تسلط أشعتها على الأرصفة كأنها تكاد تذيبها. عند ماكينة الصراف الآلي، وقف رجل أنيق، في الأربعينيات من عمره، يرتدي نظارة سوداء رفعها على جبهته، ولعينيه بريق بدا فيهما من الذكاء ما يكفي ليشد الانتباه.
يبدو عليه الهدوء والثقة، يحمل بطاقة الصراف في يده ويتأهب لوضعها في الماكينة حين اقتربت منه سيدة تبدو في أواخر الثلاثينيات. ملامحها شاحبة ومتعبة، لكن وجهها أشرق للحظة بنظرة أمل. ارتبكت قليلاً، ثم استجمعت شجاعتها وتقدمت بخطوات متسارعة نحو الماكينة.

الرجل، بلطفٍ اعتاده على ما يبدو، تقهقر خطوة للخلف وأفسح لها الطريق، مشيرًا بيده بأن تتقدم قبله. بادرته بشكرٍ سريع وهمّهمة عابرة، وتوجهت نحو الماكينة. وقفت أمامها مرتبكة، وأخذت تنظر يمينًا ويسارًا كأنها تبحث عن إشارة ما. لاحظ الرجل ارتباكها وعرض عليها مساعدته بعبارة هادئة. أومأت برأسها سريعًا، شاكرةً عرضه.

قال بلطف:
"لا عليكِ، المسألة بسيطة. فقط أدخلي البطاقة ثم كلمة المرور."
ناولتْه البطاقة وهي تبتسم ابتسامة باهتة تخفي وراءها خوفًا وعجزًا. أدخل البطاقة في الماكينة، سألها عن كلمة المرور، فأخبرته بها على استحياء. ضغط الأرقام سريعًا، وانتظر للحظة.

"للأسف، الراتب لم يُصرف بعد!" قال وهو يتنهد بنبرة بدت متأثرة. أخرج البطاقة ومدّها إليها قائلاً:
"حقًا، هذا حال الحكومة دائمًا. يؤخرون الرواتب كأننا لا نحتاجها بشدة!"

هزت رأسها موافقة، لكن وجهها شُحب أكثر، وكأن روحه أُزهقت معها. تمتمت بشكرٍ سريع وانسحبت بهدوء، تحمل على كاهلها ثقلًا أضاف إلى كدرها.

السيدة، التي تعمل ممرضة، توجهت بخطوات ثقيلة نحو المستشفى. في عقلها أفكار تتشابك كخيوط عنكبوت: الإيجار المتأخر، ديون متراكمة، طفلها الذي يحتاج دواءً للصرع لم تعد تملك ثمنه. الطبيب أخبرها أن انقطاع العلاج سيعيد حالته إلى نقطة الصفر، وهي تعلم أن الانتكاسة قد تكون قاتلة هذه المرة.

ما أن دخلت إلى قاعة الاستقبال حتى سألتها زميلتها بنبرة قلقة:
"ما بكِ؟ تبدين كأنك تحملين همّ العالم بأسره."

لم تستطع الممرضة تمالك نفسها. انفرط عقد دموعها وهي تروي الحكاية بصوت مختنق:
"لا أستطيع أن أوفي كل هذه الالتزامات. الإيجار، الديون، ودواء ابني... الأسوأ أنني ذهبت إلى ماكينة الصراف الآن ولم أجد الراتب قد نزل. كيف لي أن أواجه أصحاب الديون؟"

زميلتها، بعد أن هدأت من روعها قليلاً، لاحظت البطاقة التي ألقتها على الطاولة. مدت يدها وتفحصتها بتمعن للحظات، ثم قالت بدهشة:
"هذه ليست بطاقتكِ! هذا اسم شخص آخر!"

نظرت إليها الممرضة بصدمة شلتها لثوانٍ، ثم صاحت مذعورة:
"يا إلهي! لقد سرقني... ذلك الرجل! لقد خدعني وسرق بطاقتي!"

هرعت زميلتها لتهدئتها وأمسكت بالهاتف للاتصال بالبنك، محاولة إيقاف البطاقة قبل أن تُستخدم. لكن الرد جاء مخيبًا:
"عذرًا، البطاقة استُخدمت منذ نصف ساعة تقريبًا، وتم سحب المبلغ بالكامل."

لم تمضِ دقائق حتى دخلت الشرطة إلى قاعة الاستقبال تحمل معهم رجلاً غارقًا في دمه، مصابًا إصابات بالغة، وكأن القدر نفسه تدخل ليضع نهاية للمسرحية. ما أن رأته الممرضة حتى شهقت وصاحت بأعلى صوتها:
"هذا هو! هذا اللص الذي سرقني!"

نظر إليها رجال الشرطة باستغراب، وأحدهم قال:
"هذا الشخص سرق أكثر من بطاقة اليوم. آخر ضحية اكتشف أمره وتتبعه، لكنه أثناء محاولته الهرب صدمته سيارة. يبدو أن العدالة لم تنتظر طويلًا."

وقف الرجل الآخر، ضحية السرقة الأخيرة، وهو يهز رأسه بأسف، قائلاً:
"كلما ظننا أن الخداع يتضاءل، يظهر أحدهم ليبتكر حيلة جديدة!"

في تلك اللحظة، وقفت الممرضة صامتة وهي تنظر إلى اللص المحطّم أمامها. كانت تتمنى أن تصرخ، أن تُوبخه، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن الشعور سوى بالفراغ. بدا لها أن مصيره كان حتميًا، وكأن أفعاله كانت تقود إلى هذه اللحظة منذ البداية.

د. إبراهيم مصري النهر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى