د. نورالدين السد - الأسلوبية التأويلية وتحليل الخطاب

الأسلوبية التأويلية فرع من فروع اللسانيات التي تدرس الأساليب اللغوية المستخدمة في الخطابات بأنواعها، وأجناسها، وتحدد أثرها في تكوين المعنى، وتعتمد الأسلوبية التأويلية دراسة الوظائف اللغوية، وأبعادها، وتنوعها، وكيفية تنظيمها، وتوظيفها حسب الأسيقة.
والأسلوبية التأويلية منظومة فكرية نظرية وإجرائية تطبيقية، أساسها اللغة بنية ووظيفة، وهي ذات إمكانية شاملة لفهم كيفية استخدام اللغة بشكل فعّال في الخطابات، وهي تدرس اللغة باللغة، وتنتج خطابا على خطاب باللغة، ولا شيء خارج اللغة، وتتأتى كفايتها مما توظف من آليات لدراسة الأساليب اللغوية، وتحليلها وتأويلها وإنتاج معانيها وضبط مقاصدها؛ إذ يمكن من خلال تحليل مكونات الخطاب أسلوبيا، وتأويله تأويلا احترافيا؛ فهم كيف يمكن للأصوات والكلمات والتراكيب أن تسهم في تكوين الدلالة وإنتاج المعنى، وإدراك الأثر النفسي للخطاب على المتلقي، سواء كان الخطاب دينيا أو أدبيا، أو فلسفيا، أو علميًا، أو سياسيًا، أو غير ذلك..
- معايير التحليل الأسلوبي للخطاب:
تتنوع معايير الأسلوبية حسب اتجاهاتها وحسب استعمال هذه الاتجاهات لآلياتها وإجراءاتها، غير أنه من أبرز استراتجيات ومعايير اتجاه الأسلوبية التأويلية في تحليل الخطاب العناية والتركيز على:
1- المكون اللغوي للخطاب:
تهتم الأسلوبية التأويلية بدراسة العناصر اللغوية المكونة للخطاب، ودوافع اختيار الأصوات والكلمات والجمل، وتبحث في طرائق نظم الأساليب اللغوية، وتستخرج أنماط تركيبها، وتفكك مكونات الأساليب وتحدد كيفيات صياغتها وتشكيلها، وتسعى إلى تفسير تأثير هذه المكونات اللغوية مجتمعة في إنتاج المعنى، وإنجاز التفاعل، وتحقيق الفهم...
2- التوظيف الإبداعي للغة:
تدرس الأسلوبية التأويلية كيفية استخدام الكاتب للغة، وتظهر الجانب الإبداعي في الخطاب، وسبل إيصال الأفكار، وإبلاغ القصود، وخلق تأثير ما في المتلقي، والتأثير يكون بإحداث التفاعل إلى حد التماهي بين القارئ والخطاب المتلقى، فالخطاب الذي يملك مؤهلات التأثير وإحداث التفاعل له تشكيل أسلوبي مخصوص، والتأثير يكون باعتماد التنوع في بناء الأساليب، وفق قدرات المؤلف منشئ الخطاب، والخيارات اللغوية المتاحة.
3- التنوع الأسلوبي:
تبحث الأسلوبية التأويلية في تنوع استخدام الأساليب في الخطاب، ويعتبر تنوع الأساليب واختلافها، من اختلاف الأفراد منتجي هذه الأساليب حسب أنواع الخطابات وغاياتها، وحسب أختلاف مرجعيات المنتجين الثقافية، والأيديولوجية وحسب السياقات الاجتماعية. فكل خطاب له خصوصيته في استعمال الأسلوب الذي يميزه من غيره.
4- الترابط بين الشكل والمحتوى:
تربط الأسلوبية التأويلية بين الشكل اللغوي في تركيب الجملة واختيار الكلمات، والتراكيب والانزياحات، وتبدأ في التحليل من كيفية هندسة الأصوات، ثم طريقة التعبير عن المحتوى والقصد الذي يُراد التعبير عنه، ولذلك نهتم الأسلوبية التأويلية بالعلاقة بين الشكل والمحتوى وترى ذلك ضرورة لفهم التأثيرات الدلالية في المتلقي.
5. تحليل المكونات الإيقاعية والجمالية:
تهتم الأسلوبية التأويلية بتحليل مكون الإيقاع و الهندسة الصوتية وتحلل كيفية توزيع الأصوات، وأبعادها الجمالية، والصور الإبلاغية في الخطابات الأدبية، وغير الأدبية، وتكتشف كيفية استخدام التكرار، والتوازي، والصور، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، وأساليب النداء، والاستفهام، والشرط، وما يستعمل من الأساليب لتحفيز الخيال، وتوظيف الإداراك، وإيصال المعنى..
6- التكرار:
دراسة التكرار في الخطابات مثل تكرار الأصوات، وتكرار الكلمات، وتكرار الجمل، والبحث في كيفية إسهام التكرار بأنواعه الفرد والمركب في تعزيز الإيقاع، وبناء المعنى.
7- التباين:
يشمل التباين في الأساليب اللغوية المقارنات بين الأسلوب الرسمي، والأسلوب غير الرسمي، وكيف يساعد ذلك في التعبير عن المواقف أو الشخصيات داخل بنية الخطاب.
8- الابتكار اللغوي:
دراسة استخدام الكاتب للغة بشكل مبتكر، سواء من خلال الاختيارات اللغوية أو الأساليب النحوية التي تكسر القواعد التقليدية، وذلك من أجل خلق تأثيرات معينة على المتلقي.
9- التناسق والانسجام:
تركز الأسلوبية التأويلية على التناسق بين العناصر اللغوية في النص. كيف أن التراكيب اللغوية والتسلسل الزمني للأحداث يعززان الفهم والتفسير السليم للنص.
10- الوظيفة التعبيرية:
تتعامل الأسلوبية التأويلية مع الخطاب من حيث أنه إنجاز تعبيري، واللغة فيه بصياغتها الأسلوبية مرجع محقق الوظيفة التعبيرية، ولذا تهدف الأسلوبية التأويلية إلى إظهار المشاعر المضمنة في الخطاب، وتظهر بذلك حمولة الخطاب التعبيرية من خلال صياغة أسلوبه، وموقفه من القضايا التي يعبر عنها..
11- الوظيفة التواصلية:
تحلل الأسلوبية التأويلية الأسلوب في الخطاب وتؤوله، وتظهر الوظيفة التواصلية فيه عبر معطى التفاعل الحاصل بين الأسلوب في ذاته ومنتجه ومتلقيه، إذ اليقين هو تأثر أسلوب الخطاب في متلقيه ومؤوله بشكل مباشر، عند تحقيق الوظيفة التواصلية، ويتم إنجازها عبر مراعاة المقام ومقتضى الحال، ومن خلال بناء الخطاب ملفوظا أو مكتوبا يتم نقل المعلومات، وتنفذ عملية التواصل بفعالية، وتحقق الوظيفة التواصلية.
12- الأساليب الشعرية والسردية:
تدرس الأسلوبية التأويلية الأساليب المحققة للوظيفة الشعرية والوظيفية السردية في الخطاب، وتدرس الخصائص التي تحقق التفاعل بين النص والقارئ، كما تركز الأسلوبية التأويلية على كيفية تأثير أسلوب الخطاب في القارئ، وتدرس كيف يمكن للأسلوب أن يشكل تجربة خاصة للمتلقي، وفي كل ذلك تبحث الأسلوبية التأويلية في كيفية تفسير وتأويل وإنتاج المعاني وبنائها على أساس صياغة الأساليب في الخطابات بأنواعها.
13- أثر الأسيقة في تشكيل الأساليب وتفسيرها:
يُعتبر السياق مهمًا جدًا في تشكيل الأسلوب في الخطاب وتفسيره وتأويله، ويعتمد تحليل الأسلوب وفهمه على إدراك خواص الأسيقة التي تنتج فيها الخطابات، فالسياق الثقافي، والأنساق الظاهرة والخفية، والظروف الاجتماعية، والأوضاع السياسية، والمعطيات الاقتصادية كلها لها أثرها المباشر وغير المباشر في تشكيل الأساليب، وتفسيرها، حيث يحدد السياق كيف يتم اختيار الأسلوب الموظف في الخطاب، وبالإضافة إلى ما سبق هناك عناصر ومكوناته أخرى لابد من عدم إغفالها في تحليل مكونات أساليب الخطاب وتأويلها، مع الإشارة إلى أن قدرات محللي الخطاب، ومهاراتهم تختلف باختلاف إمكانياتهم الثقافية والمعرفية، وكفاءاتهم العلمية، ومرجعياتهم الإيديولوجية، وقناعاتهم الفكرية، ومستويات وعيهم، ومراتب إدراكهم..

- نورالدين السد - الجزائر
( من كتاب: الأسلوبية التأويلية وتحليل الخطاب، بتصرف)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى