شريف محيي الدين إبراهيم - الأستاذ عبد الحميد

ضبط الأستاذ عبد الحميد نفسه، متعجبا وهو يسير، في تلك الساعة المتأخرة من الليل، في شارعهم ممتلئا بالفخر،متخلصا من كل مشاعر الخوف والقلق، لعله يشعر لأول مرة في حياته بكل هذا الأمان والغبطة.
إنه يمضي دون أن يشعر بأن ثمة شخص يترصده، ذلك الشخص الخفي الذي كان يشعر بفحيح أنفاسه، ويسمع وقع أقدامه خلفه ،يكاد يكون ملاصقا له ،متحينا لأي فرصة لطعنة في ظهرة، أو نحر عنقه، أو حتى شج رأسه.
عندما يلتفت فجأة لا يراه، ولكنه يسمع صوت دقات قلبه المتسارعة!!
في بدء الأمر كان هذا الكائن المرعب يترصده، وهو وحيد في شارعهم ليلا، ثم تطور الأمر،فبات يشعر به ، وهو حتى وسط جموع الناس....
إنه كائن ماكر،ماهر سريع جدا في التخفي!!
***
عبد الحميد يقطن في منطقة شعبية، تمتلئ بمعلمين سوق الخضار الكبار، وفتواتهم، كما أن تلك المنطقة ملاصقة لحكر كبير ، يمتلئ باللصوص، والمشردين، ومدمني المخدرات.

وهو رجل مسالم، هادئ الطباع ، يشغل وظيفة المدير العام في مصلحة حكومية كبري ، منضبط متحفظ في كل تصرفاته أو معاملاته،يتجنب دوما المشاحنات، وينأي بنفسه دوما عن أي صراعات، حياته تمضي بصورة روتينية بين عمله وبيته،
وهو نادرا ما يجتمع مع بعض من أقاربه، في مناسبة عائلية ما ، أو يقوم بزيارة أحد زملاء العمل ، أو الجيران لتأدية واجب ما.
وعلى الرغم من أن
أخاه الكبير ،حازم باشا يشغل وظيفة أمنية كبيرة ، بيد أن إحساسه المرعب، بالقلق وعدم الأمان، لم يغادره إلا فقط بعد حادثة سرقة سيارة جاره المهندس على

***
ياسين هو ابن الأستاذ عبد الحميد الوحيد ،وقد فشل في الحصول على شهادة الثانوية العامة، بعدما رسب بها عدة مرات،وهذا على الرغم من اعتراف جميع مدرسيه بذكائه الشديد، الذي يصل إلى حد العبقرية.
هو لا يدري ماذا حدث لابنه، وكيف ساءت أحواله إلى هذه الدرجة، إنه يتساءل كثيرا عن سر تحوله من طالب مثالي مهذب ، إلى شخص مشاغب منحرف،
، محاط بشلة فاسدة ، يرتاد المراقص ،والأماكن المشبوهة، يشرب الخمر، ويتعاطي المخدرات.
إن عائلة الأستاذ عبد الحميد هي عائلة محترمة من عائلات الطبقة الوسطى ،منهم الطبيب، والمهندس ، والضابط ...
جلهم يشغلون مناصب مرموقة ولا أحد من إخوانه إلا وقد تعلم تعليما عاليا.
.
وهو قد فعل مع ابنه كل شئ بين الترهيب، والترغيب،منحه الكثير من المال، والهدايا القيمة، و وعده بشراء سيارة إذا نجح والتحق بالجامعة.... ولكن بلا جدوى.
الأمر الذي حير عبد الحميد ،هو توقف ياسين عن طلب المال منه!!
بل إنه كثيرا ما لمح محفظة ابنه، وقد امتلأت بالنقود، وعندما كان يسأله متعجبا عن مصدرها كان يكتفي بقوله : نقود عمل.
دون أن يوضح له طبيعة أو مهام ذلك العمل!!
***
فوجئ عبدالحميد باتصال تليفوني ، من جاره المهندس علي...
،طلب منه في توتر
زيارته في منزله؟!
المهندس على، هو جارهم، و والد عبير زميلة ابنه السابقة ،التى أتمت دراستها بتفوق، ، وصارت طبيبة ناجحة يشار إليها بالبنان.
.
تساءل عبدالحميد في دهشة، وقلق: ترى ماذا يريد مني؟!
ثم تمتم في ضيق:
،. بالتأكيد هو آت بسبب مصيبة من مصائب ياسين
عبدالحميد لا ينسي، يوم تشاجر معه بسبب قصيدة حب كتبها ياسين لابنته.
يومها واجه عبدالحميد ياسين ابنه قائلا في غضب ؛
مالك أنت وعبير ؟!

نظر ياسين إلى أبيه في ضيق دون أن ينبس بكلمة، وهو يستطرد قائلا في عصبية :
ابتعد عن تلك الفتاة ،على الأقل ابعد مشاكلك وانحرافاتك عن أهل بيتك، وجيرانك.
ثم تساءل ساخرا :هل تظن أن فتاة ناجحة مثلها،من الممكن أن تربط مصيرها بشخص مثلك ،
قال ياسين في تحدي : ولم لا؟!
ابتسم عبدالحميد، ابتسامة ساخرة، مشبعة بالمرارة، ثم قال في استهانة:
لعلك تريد مني، أن أطلب لك يدها ؟!
قال ياسين بصوت خافت ولكن بثقة شديدة : يوما ما ستفعل ذلك..
***

تذكر عبدالحميد
تلك الأيام التي كان فيها ياسين يرتاد العديد من المنتديات الأدبية.
، وهو لم يعترف بموهبة ابنه الأدبية قط حتى بعدما قرأ اسمه منشورا في دوريات ثقافية عريقة،
وكأنه يخشى أن تعطله تلك الموهبة عن دراسته. كانت
الكتب الثقافية، والأدبية المتنوعة، تملأ حجرة ابنه
، إلا أنه لا ينسى يوم قام بجمعها كلها ، ثم حرقها على سطح عمارتهم، وكيف أن عبد الحميد عندما لمح الدخان المتصاعد، صعد إليه وسأله متعجبا : ماذا تفعل ؟
نظر إليه ياسين بعيون متحجرة ثم همس
: هي أشياء لا قيمة لها.

***
جلس عبد الحميد في مواجهة المهندس علي في حرج ، متوقعا مصيبة من مصائب ابنه ياسين، إلا أن الرجل
باغته بطلب توصية!!
ظن عبدالحميد أنه يطلب توصية لأخيه حازم باشا صاحب المنصب الأمني الرفيع، إلا أن المهندس على صاح به :
. أنا أقصد ابنك
دهش عبد الحميد ، وقطب جبينه، وهمس متعجبا :
ياسين ؟!

قال المهندس علي في ثقة :
هو وحده هو من يستطيع إعادة،سيارتي المسروقة.
***

انتحي عبدالحميد بزوجته،وابنة عمه زينب ، قال في دهشة :
لماذا لم يذهب المهندس علي إلى المعلم كرم،وهو قد يستطيع الوصول إلى سارقها في مقابل تضحيته ببعض المال ؟!
قالت زينب في انفعال: أعوذ بالله، ، كرم هذا ربما يكون هو نفسه سارقها، هذا الرجل لم يسلم من أذاه،أحد من أفراد الحي، هو أو رجاله.
هل نسيت يوم ألقى أحد سكان العمارة، في الشارع مستوليا علي شقته، بحجة عدم سداده لدين وهمي قديم.
قال عبد الحميد في قهر : يا ابنة عمي ، إن مثله مثل غالبية أباطرة السوق، فهم يأخذون ما يحلو لهم قهرا ، و غصبا معتمدين على مالهم وفتَواتهم.
تساءلت زينب في ضيق : ألا يوجد رجل يقف لهم؟!
قال عبد الحميد في حزن :
من يحتج أو يعترض
يوسعونه ضربا،و يخلعون عنه كل ملابسه ، ثم يلقون به في عرض الطريق، ويفعلون به أمام أهله، وجيرانه َأسوأ، وأحط الأشياء، إمعانا في إهانته، واهدارا لكرامته ،و إرهابا و عبرة لكل الناس.
قالت زينب في ضيق : ربما المهندس علي يريد تدخل ياسين لعلمه بعلاقته الجيدة بذلك الشيطان كرم
نظر عبد الحميد إلى زوجته في تعجب ثم قال ؛
كيف يكون ابنك على علاقة جيدة بذلك الرجل ؟

***
عندما قابل ياسين عبير، صدفة في مدخل العمارة، إذ بها توقفه معاتبة إياه، لعدم مساعدة والدها ، واستعادة سيارته المسروقة.
نظر إليها في دهشة، وقد تعالت ضربات قلبه، إنها
المرة الأولى التي تحادثه فيها منذ عدة سنوات!!

، أخبرها ياسين، أنه لم يعلم بأمر سرقة السيارة، إلا الآن، ومنها شخصيا ، غير أنه طمئنها في ثقة قائلا أنه لا يستطيع رفض أي طلب لها.
***
عاد ياسين إلى منزله متزمرا ،إلا أنه تحاشي الحديث مع أبيه ،سأل أمه في ضيق : لماذا لم يخبرني أبي بأمر سرقة سيارة المهندس علي جارنا ، وطلبه مساعدتي ؟!
نظرت زينب إليه في لا مبالاة ثم قالت :
لقد أخبر عمك ، حازم باشا.
قاطع ياسين أمه قائلا في قوة : مر أكثر من شهر على سرقة السيارة...
حازم باشا
بكل ما له من نفوذ ، وسلطة لن يستطيع فعل أي شئ.!
ثم أردف في ثقة غريبة : بلغي أبي أن سيارة المهندس علي ستكون أمام العمارة غدا.

***
الأمر
العجيب أن السيارة فعلا كانت تقف أمام العمارة قبل أذان العشاء بلحظات قصار.
انطلق المهندس على خارجا من منزله، وهو يكاد يبكي فرحا
هبط من السيارة ثلاثة من الفتوات الأشداء، تراجع على للخلف مفزوعا، إلا أن ياسين اتجه إليه مطمئنا إياه :
صاح على غير مصدق لنفسه : أشكرك يا ياسين باشا كيف أكافئ هؤلاء الرجال؟!
ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود
قال ياسين في حزم : ضع نقودك في جيبك.
قال أحد الفتوات بصوت أجش، مستفسرا : السيارة سليمة ؟!
قال المهندس علي وهو يتفحص سيارته : نعم.. نعم كل شئ بحالة جيدة.
لم ينصرف الفتوات الثلاثة، إلا بعد أن أن أذن لهم ياسين بالرحيل.
زينب والدة ياسين ، وعبير ابنة المهندس علي ، و المعلم كرم نفسه، ورجاله، وجل سكان المنطقة كانوا يشاهدون ما يحدث في انبهار و دهشة ، بينما الأستاد عبد الحميد واقف في شرفة شقته، يتابع في ذهول، غير مصدق أن من يقف أمامه بكل هذه القوة والشموخ، هو ابنه ياسين!!
ولأول مرة يتأمل
وجوه الناس، ويرى كيف
يهابه الكبير قبل الصغير!!
وعلى حين غرة غادر عبد الحميد شعوره أن ثمة من يراقبه، او يترصد به.
لقد ذهب إلى غير رجعة ذلك الكائن الخفي. المرعب
إنه الآن فقط يستطيع أن يمضي .
في شارعهم، متخلصا من كل مشاعر الخوف والقلق، عبد الحميد يكاد لا يصدق نفسه،
لا يصدق أن الكائن الخفي قد غادره للأبد!!
بيد أنه حقا، كان يشعر لأول مرة في حياته بالأمان والغبطة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى