د. ياسمين صلاح - ولدتني أمي في غرفةٍ دافئة...

ولدتني أمي في غرفةٍ دافئة
على فراشٍ وثير
لم أولدْ في الصحراء
لكن جلدي يتحمل العطش
لهجتي البدوية تفترشُ السماء
والمسافةُ بين ذراعيّ تكفي للطواف سبع مرات
في الليلِ يصادقني الفراغُ ويمتلئ بي
وتغلي الشمس على جمرة قلبي كل صباح
لم أولد على حافة النهر
لكن لا أحد يوقفُ تدفقي
هذه ليست عيني بل نبتة زرعها أبي
فدبت فيها الحياةُ بين يديه
وهذا ليس فمي بل ثمرة خجلى
تشتهي نفسَها إذا نظرت في صفحة الماء
لم أولد في بطن الحوت
لكنني دوما أخافُ أن يلتهمني البحر
أغرق لمجرد التفكير فيه
وأضرب بكلتا يدي إذا سمعت صوت الموج
وأشهق بالعةً الحياة إذا لاح أمامي أزرق
أحمل قبري داخلي على هيئة بحر!
لم أولد في الجنة
لكن ثماري لا يعرفها البشر
وبيني وبين شجرة الخلد..
عشرون قصيدة فاتنة
ولم أولد على باب النار
لكن روحي تنهش الوجود
كأنها شرارته الوحيدة
لم تلدني أمي في الجبانة
لكنني أحضنُ الشواهدَ، وأقبّل الصبار
ولا أخاف العفاريت كما أخافوني منها في صغري
وتضمني أيادي التراب من تحت رجلي
افتتح لي جسد أبي هنا
بابًا في كل بيت
لم تلدني أمي على سطح القمر
لكن رأسي تخبط سقفَ السماء كلما رفعتها
جسدي مدارٌ مضبوطٌ للكواكب
ويدي ترسم خيوطا بين النجوم كلما لوحت بها
وكلما تسللت سرًّا من نفسي
ابتلعني ثقبٌ أسودُ اسمه الحب
لم تلدني أمي
لم يلدني أبي
أنا فكرةٌ شهيةٌ في خيالهما
أقرؤني في خطاب حبٍّ عابر بينهما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى