مراد ناجح عزيز - الملِكــــــة...

ألقمه جَدّه في يده ..
ورقة مالية فئة( الخمسون قرشًا) وطلب شِراء عُلبة دخان وباكو شاي, ثم عودته سريعًا بما تبقّى منها, طوى عليها كف يده ليؤكّد له قيمة ما يحمله, إضافة لكلمات لا تخلو من إشارة برجولته الآن, وأن زمانًا قد ولّى بطفولته, أنفاس جدِّه ونظرات عينيه وخشونة يديه التي ما إن تركت يده حتّى شَعُر ببعض ارتياح كأنّما أرخيت خيطًا لطير يُحلّق في السّماء, متقافزًا يخطو وقد ملكته فرحة كبيرة, فقد أصبح الآن رجلًا يعتمد عليه, والا ما كان جدّه أوكله بتلك المهّمة, مرتديّا جلباب كستور مقلّم وحِذاء رياضي خفيف, أرهق والده في شِرائه من احد محلات القِطاع العام وقتها( باتا) تتخطّفه من وقت لآخر على جانبي الطّريق, نظرات هُنا وأخرى هناك, حيث محل بيع اللُّعب والأحذية الرياضيّة غالية الثمن, إلا أن رغبته كانت لتك الكُرة التي تتصدر واجهة المحل كأنّها تفّاحة أشرقت بين غصون الشجر تناديه اقتطافها, ما لبث وأن وجدها بين يديه, وفي مساحة كانت هي مرتعهم للعب الكرة خلف احدي البنايات, راح يخطط حدودها ببعض الجير الأبيض, واضعًا علامات اقتسامها إلى نصفين, اختار هو إحدى الفرق ليكون معها دون أن يعارضه أحد, لا سيّما وهو يملك أهم أدوات اللُّعبة( الكُره) اذ يحق له أن يدير ساحة اللَّعب وفق مِزاجه الخاص, كما هو حال اليوم لمَن يمتلك السُّلطة والمال, مر الوقت سريعًا, مطأطأ الرّأس خرج من ساحة اللّعِب, يحمل بين يديه الكُرة وقد مُني بهزيمة ثقيلة لم يعهدها من قبل, وفي ذروة غضبه, راح يمزّقها بكسر زجاجة ألقيت في الطّريق, للتّو نظر إلى ما في قبضة يده, وإذا بالخمسين قرشًا وقد استحالت قطع صغيرة من الأوراق, جحظت عيناه, دق قلبه دون هوادة, تصبّب وجهه عرقًا, تخدّل جسده من هول الصّدمة, حتى كاد أن يسقط على الأرض.وأمام محل البقال, وقف يُطالع ما طلبه جدّه, وعودته فارغًا, يزحف متثاقًلا كمن يجرجر أقدامه على الأرض, انطفأت ساحة الأضواء من حوله, أظلمت السّماء,
لا يرى في الكون سوى ركل بأقدام, ولطمات على الوجه, وربّما استدعى الأمر ضربًا (بالملكة) عصا جدّه كما كان يُطلق عليها, نظرًا لجمالها وملمسها النّاعم وبريق لمعتها الأسود الدّاكن, في حين لها من القوّة والمتانة ما يجعلها تستطيع تهشيم رأس بضربة واحدة, تلك العصا التي داوم على مِزاحه بها, وكأنّما يُعيد مشهد تمثيلي على إخوته الصّغار وأمام والده ووالدته, مقلّدًا خطوات جدّه بها, بعد أن تأكّد من هندام جلبابه, وارتداء طربوشه الأحمر, لا سيّما بعض تنهُّدا ته وسُعال صدره بمزيد من الكّحة, إلى أن تتعالى ضحكاتهم لبراعته في التّمثيل.
وما بين ضحكات هُناك ولوعة وأسى هُنا, أطالع وجه ما تحمل يدي من أوراق مالية فئة (المائتين جنيه) أحاول جاهدًا استمالتها لشراء قليلًا من اللّحم وبعض الفاكهة, إلا أن استحال ذلك, في حين كان لها شأن آخر منذ زمن بعيد, قد لا أكون ساخرًا إذا قلت أنها كانت تفي لشراء محل البقالة كاملًا ومحل بيع اللُّعب وقطعة أرض فضاء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى