حسَن الرّحيبي - مُعلّمُون في الذّاكرة...

كان معلّمون عيّنتهم الوزارَة بالبوَادي دون أن يكونوا مُهيّئين نفسياً أو مستعدّين تربوياً للتعامل مع أطفال فقراء حفاةً عراةً ..يأتون من دوَاوير بعيدة وقد تزوّدوا بقوَارير شاي أغلقوها بإحكام بعظم ذرة ، وبعض كسَر خبز محرَاش حَاف متيبّس بفعل لفحَات فقر وبؤس الآباء ، فضُلت عن عَشاء أو غذاء الأمس المتوَاضع ، ثم تصَدّوا للطريق المُوحلة والمتعرّجة قبل الفجر ، تعوّدوا علىٰ السّير في جنح الظلام ، وسط سَديم الضّباب الكثيف ، يصلون مدرسة اثنين الغربية وقد علقت قطرات الندى بشعورهم المشَعثة المتّسخة ، أو بالأحرىٰ ما فضُل منها عن لهيب الشّمعة التي أحرقت بعض خصلاتها وهم ينجزون الفروض ويذاكرون بسرعة قبل أن تداهمهم أمهاتهم أو جدّاتهم لتخنقنها آمرَات إيّاهم بالنهوض للنوم ، مقتصدين الضّوء رغم رُخص ثمن الشمع آنذاك والذي لم يكن يتجاوَز الرّيال الواحد
نوضُوا ترݣدوا ليكم على روسكم خللّيوا لينا القُرطة علاش نضَوّيوا ! غادين تقرَاوا لينا الدّمياطي !
يأتي المعلم المرَاهق ال...شّومي من الجَديدة صَباحاً مع حَافلة بوشريط التي تصل اثنين الغربية على السّاعة السّابعة ، لم يكن عمره يتجاوز ال 18 سنة ، ذكي ومَوهوب لكنه قلق متبرّم من العمل في البَادية ..بدون مَراحيض بالقرية ولا مرافق للنظافة أو تجهيزات من وسَائل الحَياة خاصّةً المَاء الشّروب ..الماء متوفّر فقط بطوني العبدي المَجلوب من الضّيا والبرَك المجَاورة وهَرتَك غُدّة ، أو من مَطفية المخزَن المليئة بالضّفادع والزّغلال وحنيشات المَا(شْنيولة ) وزَوَاحف السّمندَل salamandres الخضراء ، وبُوليلَة (بّارَك الجّوهَالي المنقط شَبيه رَضّاعَة البَݣرَات) ..فتكون النّتيجة أخذ مسطرة حَديدية متينة والانتقام النفسي العدوَاني من الرّبّوج الجَائع البئيس ، دون حَسيب أو رَقيب ، يأمرهم ببسط أكفّهم الممشّݣة ويضرب على رؤوس الأصَابع المتجمّدة المحمَرّة ، بفعل صَقيع برد الشّتاء القاسي ، بعنف واستمتاع بآلام الأطفال البؤساء بكل سَادية وقسوَة منقطعة النّظير .. إلى أن انتقم التلاميذ الكبار باولاد بوعشّة لأنفسهم ، شَنقوه في يوم رمضَاني قائظ وأرعبوه حتى أوهَنوا قوَاه فخارَت وقد أشرف على المَوت ..واجتمع تلاميذ العساعسة أو اولاد بوعَشة من كل القرى في موكب للدراجات المهترئة ، ليصعدوا نحو الوليدية عبر عݣبة سيدي بنعباس الكأداء ، كي يذهبوا للقيادة محتجين على عُنف المعلم ، في تظاهرة أثارت استغراب الإدارة ، إذ كيف لتلاميذ القرى أن يبتدعوا حركة احتجاجية رَاقية ، بدون عنف للتعبير عن رفضهم التعلم بطريقة غير تربوية ، لأن من بين رسائل التعليم التكوين والتربية ، وليس هز نفسية الأطفال وترعيبهم ..وبالفعل استجاب القايد في تنسيق مع المدير لتغيير المعلم ، والإتيان بمعلم مربي وليس قامع للحريات ، وناشر للرعب والترهيب لأسبابه النفسية الخاصّة .. وتسبب في هدر مدرسي لاَ مثيل له وغير مسبوق ، حين بعضُهم غادر المدرسة وسَاق قطيع مَواشيه نحو السّاحل للتّعزَاب ، مرّ من وسط الفيلاج وأخذ يلوّح بالزلّاط في اتّجاه المعلمين ، كان يسمى الدّيش ، تجاوز عمره ال 20 سنة ولا زال في قسم التّحضيري ، رغم شاربه الكثيف والمخيف ..بينما استمرّ المعلم المشؤوم يمنحني محفظته لأطوّح بها وسط فناء المنزل العشوَائي وهو يسرع الخطىٰ ليلحق بأية وسيلة نقل كي يعود للجَديدة قبل حُلول الظلام ، ويعود في الصّباح مرةً أخرىٰ ليخبط رُؤوسنا على السّبورة الخشَبية المُهترئة ، كان ذلك في سنة 1964..أما المدير العملاَق أسمر اللّون ، فكان يُحكم إغلاَق أظرفة المرَاسَلات للإدارَة بضُربَان أشوَاك الضّرَݣ الرّومي الطّويلة الحَادّة ..التي تلسَع أصَابع أي مَسؤول بالنّيابة يروم فتحها ..وعندما يرَاسلونه يردّ عليهم بثقة وصَراحة غير معهودَة :
هذه تجهيزَاتكم ! لاَ نملك سوى الضّرَݣ المحيط بالمَدرسَة !
رَحم اللّه سي ال...شّومي وسي بن ال...روَالية وجَميع من علّمنا بعنف وانتقام عدوَاني سَادي sadique لحَاله وحَالنا البئيس ..
حين غرّدنا بأسَف وأسىٰ وحُزن شَديد ..
آدَابَاني آمسْخوطي
آش بلَايْني بَكْ تَا بْليتيني ؟
آوْݣفْ اللّيمّاكْ صوَيّف
طوكيو يا لعزيزة
مَن التّفرقيزَة
تقديش ؟
زيدنا يا اخُونا لاَ بَاقيش !
عَن جَميع تلاميذ الرّعيل الثّاني باثنين الغربية الصّامدَة ..

حسَن الرّحيبي.. الصّديݣات ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى