خصومة أدبية بين د. زكي مبارك والسباعي بيومي

الدكتور زكي مبارك - ليحكم رجال الأدب العربي
السباعي بيومي يستر جناية على المبرد بجناية على المرصفي

- 1 -

عرف قراء (الرسالة) أن الأستاذ السباعي توعدني بمقالتين خطيرتين: الأولى في تحديد ما قال في الشيخ المرصفي، والثانية في دفع النظرية التي نهبها من كتاب النثر الفني، وكان يرجو أن أنتظر إلى أن يفرغ من المقالتين المرتقَبتين، لعلني أعتبر فلا أجترئ عليه، وقد شاع أني من كبار المجترئين!

وقد نشر مقالته الأولى، فعرفنا أنه يصر على اتهام الشيخ سيد المرصفي بالغرور، ولم يبق إلا أن ينشر مقالته الثانية، وهي مقالة عرفنا مضمونها مقدماً، فهو سيُثبت أنه لم يَسرق من كتاب (النثر الفني) وإنما سَرَق منه مؤلف (النثر الفني) فكان حاله حال اللص الذي رأى صاحب الدار يمشي من بُعد فصاح: (مين اللي ماشي هناك!)

وأنا لن أنتظر إلى أن يفرغ الأستاذ من تحبير مقالته الثانية، فما كان أول باحث سَرَق من كتاب النثر الفني، ولن يكون آخر باحث يسرق من كتاب النثر الفني، فقد كتمتُ سرقته من كتابي أربع سنين، لأني أشعر بالارتياح كلما تذكرت أن عندي ذخائر يطلع إليها الناهبون من الفضلاء.

لن أنتظر، لن أنتظر، فليواجهني إن استطاع؛ وأنا ماضٍ إليه بقلمٍ أمضى من السيف وأعنف من القضاء، ولن أتركه بعافية أو يعترف بأنه يستر جنايته على المبرد بجنايته على المرصفي.

ولكن كيف جَنَى على المبرد وقد قضى شبابهُ في خدمة كتاب (الكامل)؟

تلك هي النقطة، كما يقول لافونتين!

اسمعوا كلمة الحق، أيها الناس:

المبرِّد دان اللغة والأدب والنحو والتصريف والتاريخ الإسلامي بكتابٍ نفيس اسمه (الكامل) وهذا الكتاب قد شرَّق وغرَّب فانتقل من يد إلى يد ومن بلد إلى بلد على اختلاف الأجيال، وبذلك تعرَّض للتصحيف والتحريف، وإذاً كان من الواجب ألا يتقدم لنشره من أبناء العرب غير من يملك القدرة على إصلاح ما أفسدت تلك الأجيال.

فهل يكون السباعي بيومي هو المصلح المنشود وما قال أحدٌ بأن الله وهبه نعمة الذوق الأدبي، وهي نعمةٌ سامية لا يظفر بها من كل جيل غير آحاد؟

كان المصلح المنشود لكتاب الكامل هو شيخنا العظيم (سيد بن علي المرصفي) الذي قضى من عمره عشرين سنة وهو يراوح المبرِّد ويغاديه بالنظر الثاقب والفهم العميق.

ولكن المرصفي مات وصار من حق كل باغٍ أن يتقوّل عليه كيف شاء، ولو كان في منزلة السباعي بيومي، وهو كما وصف نفسه أستاذ بدار العلوم!

هل سمعتم أشياء من أقوال الدكتور طه حسين؟

أتعب الدكتور طه نفسه في النَّيل من (دار العلوم) فكان يقول: هي مدرسةٌ عاقر، ومن الواجب أن تُغْلَق بدون تسويف!

فهل غضب السباعي بيومي وهو (أستاذ بدار العلوم) كما ذيَّل اسمه وهو يحاورني بمجلة الرسالة الغراء؟

وكيف يغضب والدكتور طه رجل يضر وينفع، وهو يملك المحو والإثبات في أعضاء بعض اللجان بوزارة المعارف، والسباعي يطمع في أن يعيَّن عضواً باللجنة التي تنقل كتاب (هانوتو) من الفرنسية إلى العربية؟!

أما الشيخ المرصفي فهو اليوم جسدٌ هامد لا يملك دفع الضر عن سمعته ولو صدر عن باغٍ في منزلة السباعي بيومي

الشيخ سيد المرصفي مات وشبع من الموت، وهو اليوم لا يملك دفع عادية الذباب

مات المرصفي ثم مات، ولكن تلاميذه أحياء، والويل كل الويل لمن يتعرض لشيخنا العظيم بكلمة سوء، ولو كان من أعز الأصدقاء.

أَيُشتَم المرصفي في مصر وهو قَريع الزمخشري والمبرِّد؟

ألم يكف المرصفي أن يعيش غريباً ويموت غريباً؟

لم يوجد في الأزهر من يدرك قيمة الشيخ سيد المرصفي غير الشيخ محمد عبده، وبموت (الأستاذ الإمام) أصبح المرصفي من الغرباء.

وقد عرف المصريون قيمة الشيخ محمد عبده بعد الموت، فكيف يجهلون قيمة الشيخ سيد المرصفي بعد الموت؟

السباعي بيومي هو الذي أراد الإعلان عن نفسه بالقدح في الشيخ المرصفي، فليدفع ثمن ذلك الإعلان بلا إمهال

ولكن كيف يدفع ذلك الثمن؟

إلى رجال الأدب العربي أسوق الحديث:

أخرج السباعي كتاباً سماه (تهذيب الكامل) في جزأين أولهما في المنثور ثانيهما في المنظوم، ومعنى ذلك أنه قدَّم وأخَّر في نصوص الكامل ليقع المنثور في جانب والمنظوم في جانب. فهل يرى القراء أن هذا عملٌ مطلوب؟ وهل يرون أن المبرد كان يعزّ عليه أن يصنف كتابه على هذا الوضع لو أراد؟

المبرد راوَحَ بين المنثور والمنظوم لحكمة تعليمية، هي نقل الذهن من فنّ إلى فنّ ليبعد عنه السآمة والملال، وقد أضاع السباعي تلك الحكمة التعليمية بصنيعه (الجميل)

والفرق بين الكامل وتهذيب الكامل هو الفرق بين روح المبرد وروح السباعي، فأنت حين تقرأ الكامل تواجه روحاً لطيفاً هو روح أبي العباس - طيب الله ثراه - وقد كان مثلاً رائعاً في صباحة الوجه ولطافة الروح، وحين تقرأ تهذيب الكامل تواجه روح السباعي بيومي، وهو روح السباعي بيومي بلا نزاع ولا جدال!

ومهما يكن من شيء فقد استطاع السباعي أن يطارد المرصفي، المرصفي شارح الكامل، المرصفي الذي أقام البراهين على أن مصر وُجِد فيها رجلٌ يصاول المبرد، ويمشي إليه مَشْيَ البازل إلى البازل في شراسة وكبرياء.

استطاع السباعي أن يحرِّم على شرح المرصفي دخول (دار العلوم) ليجهل طلبة تلك (الدار) أسرار كتاب الكامل، وليجهلوا مبلغ أستاذهم السباعي من (العلم) بما وقع في (الكامل) من تحريف وتصحيف.

أنا أعرف أن دار العلوم مدرسة عالية لا يزورها أحدٌ من المفتشين، إلا إن ظمئ إلى فنجان من القهوة يحتسيه في مكتب العميد أو مكتب الوكيل، وإذاً فمن العسير أن تسنح الفرصة لمحاسبة الأستاذ السباعي بيومي على ما يصنع في تكوين الطلبة بتلك الدار، وهم الجيل المقبل من رجال التربية والتعليم.

أعرف ذلك، وأعرف أن الذوق نهاني عن زيارة دروس الأستاذ السباعي بالجامعة الأمريكية، وأنا عن تفتيشها مسئول، لأنه لا يجوز ذوقاً أن أفتش على مدرس رأته وزارة المعارف صالحاً للمشاركة في إعداد المدرسين.

ولكن يظهر أن الأستاذ السباعي محتاج إلى من يعاونه على إعداد دروسه بدار العلوم، فقد رأيت أنه لم يفطن إلى ما في كتاب (تهذيب الكامل) من تصحيف وتحريف قضى بهما انتقال (الكامل) من يد إلى يد ومن بلد إلى بلد على اختلاف الأجيال!

يضاف إلى ذلك أن كتاب (تهذيب الكامل) تسرَّب إلى (كلية اللغة العربية) وقد يتسرب إلى (كلية الآداب) بحجة أن الدكتور طه حسين قَرَنه بكتاب (مدامع العشاق) في أحد فصول (حديث الأربعاء)

ماذا أريد أن أقول؟

أنا أريد النص على الأغلاط التي عجز عن إدراكها ذهن السباعي، وفطن لها عقل المرصفي، وهي أغلاطٌ ستؤذي السباعي أعنف الإيذاء، لأنها ستقنعه بأن ثناء الدكتور طه حسين على صنيعه في كتاب خدمة الكامل لن ينجيه من عذاب النقد الأدبي، وهو عذابٌ أليم

سأقوم بهذا الواجب خدمة لأبناء دار العلوم وخدمة لجميع طلاب الأدب العربي، وعلى الأستاذ السباعي أن يناقشني إن استطاع، وهو لن يستطيع، ولو ظاهره ألوف من المعجبين بقدرته على الاستهانة بفضائل التدقيق والتحقيق

والأستاذ السباعي قد شتمني بمجلة الرسالة مرتين، فليكف عن شتمي - غير مأمور - فإن الألسنة والأقلام لم تبقِ في شتمي مزيداً لمستزيد، ولو حاسبَ الله أعدائي وخصومي على ما اجترحوا آثمين في إيذائي لسلط عليهم شآبيب البلاء.

لا تشتمني، يا سيد سباعي، فحسبي ما أعاني من البلوى بمحنة النقد الأدبي. ألا تراني أحاور أناساً لا أرتضيهم نساخاً لمقالاتي ومؤلفاتي؟

لقد لامني الناصحون على ما اقترفت من التنازل إلى مساجلة بعض الناس، فهل تعرف كيف كان جوابي؟

لقد أجبت بأن الأدب كالعلم، والعالم يشرِّح جسم الضفدعة كما يشرِّح جسم الإنسان، فمن واجب الأديب أن يفهم أنْ لا عيب في أن يهتم بتشريح ما يضاف إلى الأدب ولو صدر عن نكرات

لا تشتمني، يا سيد سباعي، ولا تصفني بالغرور والاجتراء، فلو أنك رأيت الدنيا بعينيّ لطاب لك أن تتخلّق مثل أخلاقي، فما اغتررت وما اجترأت إلا وأنا أعرف أن في الدنيا ناساً أخف وزناً من الهباء

لا تشتمني، يا سيد سباعي، فأنا رجلٌ (شَقيم) وذلك حرف لا يخفى عليك

لا تشتمني، يا سيد سباعي، فما أملك محاسبتك لو أردت الانتصاف لنفسي، وماذا أقول في تجريحك ولستَ بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب؟

ليس لك غير نقل نصوص (الكامل) من مكان إلى مكان، فهل فهمت أسرار (الكامل)؟ وهل (هذبت) أو (شذبت) تلك الغابة الشجراء؟

ما أنت و (الكامل) أيها المفضال؟!

الأمر في ذلك لشيخنا العظيم سيد بن علي المرصفي، الشيخ الذي ربانا على الصراحة والصدق والاخلاص، وهو المنافس الأعظم للأساتذة الاماجد: محمد المهدي ومحمد الخضري وإسماعيل رأفت ومنصور فهمي وأحمد ضيف وطه حسين.

أما بعد فقد آن للأستاذ السباعي أن يقرأ ما يرضيه، وعليه أن يجيب، إن كان يملك الجواب، وهيهات ثم هيهات!!

1 - في تهذيب الكامل ج2 ص 262 قال الأخطل:

نازعتهم طيّب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري

ولم يلتفت السباعي إلى التحريف في (نازعتهم) وقد التفت إليه المرصفي، فنص على أن الصواب (نازعته) لأن الأخطل يقول قبل هذا البيت:

وشاربٍ مزيجٍ بالكأس نادمني ... لا بالحَصوُر ولا فيها بسوّار

2 - في تهذيب الكامل ج1 ص38 ورد قول الشاعر:

إذا ما حقبٌ جالَ ... شددناه بتصدير وهنا أتعب السباعي نفسه فأثبت في الهامش نقلاً عن المضاف إلى المتن أن هذا الشاعر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهذا خطأ ظاهر، وإنما الشعر ليزيد بن ضبة الثقفي يمدح الوليد بن يزيد، وقد أفضت إليه الخلافة (انظر تحقيق الشيخ المرصفي ج1 ص101 من رغبة الآمل في شرح الكامل)

وعذر الأستاذ السباعي أنه غير مسئول عن التحقيق، لأنه أستاذ بدار العلوم!!

3 - في تهذيب الكامل ج2 ص307 قال المبرد: روُي لنا أن رجلاً من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام فأنشد إبراهيم قول الشاعر:

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيةٌ ... وإذ أجرّ إليكم سادرًا رسني

فقام ذلك الرجل فرمى بشق ردائه وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع على تلك الحال فجلس، فقال له هشامٌ: ما بك؟ فقال: إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته فآليت أن لا أسمعه إلا جررت ردائي كما سحب هذا الرجل رَسَنه

والشاهد في كلمة (رجل من الصالحين) فقد أشقى الأستاذ السباعي نفسه بالنص في الهامش على أنه ابن أبي عتيق، نقلاً عما أضيف إلى متن الكامل، فهل سمع أحد أن ابن أبي عتيق كان يُعَد في الصالحين ومساعداته لعمر بن أبي ربيعة تشهد بأنه كان من أهل الخلاعة والمجون؟ لا يُطلَب من السباعي فهم هذه الدقائق، فلنرض تحقيق الشيخ المرصفي وقد نقل أن ذلك الرجل الصالح هو أبو عبيدة بن عمار بن ياسر (رغبة الآمل ج1 ص155)

4 - في تهذيب الكامل ج2 ص308 قال الشاعر:

فقلت له تجنّبْ كل شيء ... يعاب عليك إن الحرّ حرّ

ثم قال المبرد في التعقيب على هذا البيت: فهذا كلام ليس فيه فضلٌ عن معناه، وقوله (إن الحرّ حرّ) إنما تأويله أن الحرّ على الأخلاق التي عهدنَ في الأحرار، ومثل ذلك (أنا أبو النجم وشعري شعري) أي شعري كما بلغك وكم كنت تعهد، وكذلك قولهم (الناس الناس) أي الناس كما كنت تعهدهم.

وتعقيب المبرد سديد، ولكن الأستاذ السباعي ينقل في الهامش أن من هذا قول الله عز وجل: (فغشيهم من اليّم ما غشيهم) بدون أن يدرك أن الأخفش الذي نقل عنه قد أخطأ الفهم، فالآية ليست مما اتحد فيه المبتدأ والخبر لفظاً، وإنما هو موصول أسند إليه فعلٌ جُعل مثله صلة، للمبالغة في التهويل (رغبة الآمل ج1 ص155). وكان المأمول أن لا تغيب هذه المسألة البسيطة عن ذهن أستاذ بدار العلوم.

5 - في تهذيب الكامل ج2 ص309 تكلم المبرد عن الخيل المحبوكة الأصلاب فقال: (المحبوك الذي فيه طرائق، يقال لطرائق الماء حُبك واحدها حِباك). وبهذا سها المبرد سهواً لم يفطن له السباعي، فقد فسر الكلمة بما لا يراد منها في تركيبها، والصواب أن يقول: فالمحبوك الذي أُحكم خَلقه، من حبكت الثوب إذا أحكمت نسجه، يريد أن أصلاب الخيل موثقة مدمجة. ثم يقول: والمحبوك أيضاً الذي فيه طرائق (رغبة الآمل ج1 ص161) وهو كتاب المرصفي المحكوم عليه بالغرور والادعاء!!

6 - في تهذيب الكامل ج2 ص212، أنشد المبرد قول حاتم الطائي:

إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أقودُ

وقد غيرّ المبرد لفظ البيت وروايته، بدون أن يتنبه السباعي لذلك، والصواب:

فمنهم جوادٌ قد تلفّت حوله ... ومنهم لئيم دائم الطرف أقود

لأن حاتماً يقول قبل هذا البيت:

كذاك أمور الناس راض دنية ... وسامٍ إلى فرع العلا متورد

(راجع رغبة الآمل ج1 ص177)

7 - في تهذيب الكامل ج2 ص312 ورد قول الأشهب ابن رُمَيْلَة:

أُسود شرًى لاقتْ أسود خفية ... تساَقوا على حرد دماء الأساود

وقد تفضا الأستاذ السباعي فأثبت في الهامش أن رميلة هي أم الشاعر، ولم يتعب الأستاذ في هذا التحقيق، فقد نقله عما أضاف أبو الحسن إلى متن الكامل، فكيف يجيب لو سأله أحد طلبة دار العلوم عن أبي هذا الشاعر وهو قد عرف أمه وجهل أباه؟

الجواب عند الشيخ المرصفي (المغرور) فقد جاء في رغبة الآمل ج1 ص179 أن أبا هذا الشاعر وهو ثور بن أبي حارثة ابن عبد الدار.

8 - وفي تهذيب الكامل ج2 ص 92 ورد قول ابن الإطنانة

وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المُشيح

وسكت السباعي عن (الإطنابة) فلم نعرف أهو اسم أم الشاعر أم اسم أبيه، وإنما سكت السباعي لأنه لم يجد ما ينقله عن أبي الحسن، فليعرف إن شاء إن الإطنابة هي أم الشاعر، أما أبوه فهو عامر بن زيد مناة أحد أشراف الخزرج (رغبة الآمل ج2 ص23)

9 - في تهذيب الكامل ج2 ص315 قال رجل من بني عبس يخاطب عروة بن الورد:

لا تشتمني يا ابن ورد فإنني ... تعود على مالي الحقوق العوائد

ومن يؤثر الحق النؤوب تكن به ... خصاصة جسم وهو طيان ماجد

وإني امرؤٌ عافى إنائي شِركةٌ ... وأنت أمرؤ عافي إنائك واحد

أقسِّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قَراح الماء والماء بارد

والسياق الذي أورده الأخفش وغفل عنه السباعي يوهم أن الأبيات الأربعة من شعر ذلك العبسي، والصواب أن العبسي لم يقل غير البيتين الأولين، أما البيتان الأخيران فهما جواب عروة بن الورد، وقد نقل الشيخ المرصفي (ج1 ص195) أن عبد الملك بن مروان كان يحفظ لعروة الأبيات الأخيرة، وثانيها هذا البيت:

أتهزأ مني أنْ سمنتَ وأن ترى ... بجسمي شحوب الحق والحق جاهدُ

فإن ارتاب الأستاذ السباعي في تصحيح الشيخ المرصفي فليرجع إلى ديوان الحماسة في باب الأضياف والمديح ليرى هذه الأبيات الأخيرة منسوبة إلى عروة بن الورد، والمفهوم أن ديوان الحماسة مما يحفظه الطلبة بمدرسة دار العلوم!

ثم أما بعد، فهذا هو المنهاج الذي سنسلكه في بيان فضل المرصفي على السباعي وعلى جميع من يقرأون الكامل للمبرد، وسنرى فيما بعد غرائب وأعاجيب من غفلة السباعي عن فهم أغراض المبرد، فكيف ترونه يصنع؟ هل يصر على القول بأن المرصفي كان رجلاً مغروراً، وأن من الجريمة أن يدخل كتابه (دار العلوم) ليخلو الجوّ لمن تفوتهم البسائط من الأغلاط؟

لقد أنذرني الأستاذ السباعي، فهل يجيب عن هذه المؤاخذات قبل أن ينفذ ذلك الإنذار الفظيع؟

المهمّ هو أن ينظر أبناء دار العلوم في هذه المؤاخذات الموَّجهة برفق إلى نسخة (تهذيب الكامل) لا إلى الأستاذ السباعي، فما أجرؤ على الهجوم عليه، وهو أديبٌ يراني ويرى أستاذي من المغرورين المجترئين! المهمّ هو الصدق في خدمة اللغة العربية، وأنا بهذه الدراسات أخدم لغة العرب خدمةً يعجز عنها السباعي بيومي. وإن طال الشوط وسيطول فسيندم السباعي على ما اجترح من ستر جنايته على المبرد بجنايته على المرصفي.

إن قلبي ليكتحل بالغُبار الذي يثيره قلمي، فمن طاب له أن يلقاني في ميدان النقد الأدبي فليوطّن نفسه على مكاره لا يصبر على لأوائها غير الخناذيد.

وإلى اللقاء، فللحديث شجون وشجون

زكي مبارك


***






الدكتور زكي مبارك - السباعي بيومي - يستر جنايته على المبرد بجنايته على المرصفي


- 2 -

ما الذي يوجب أن تشعر يا سيد سباعي بمثل لسع العقرب كلما لوّحتُ لك باسم الشيخ المرصفي؟

ما الموجب لهذا الفزع وقد مات المرصفي ومات ثم مات؟

السبب أوضح من أن يحتاج إلى من ينبّه إليه القراء، وهو عرفانك بأني سأقهرك على الاعتراف بأن كتابك (تهذيب الكامل) لن يظهر سليماً من الأغلاط يوم تطبعه للمرة الثانية إلا وأنت مدينٌ أثقل الديَّن لكتاب (رغبة الأمل في شرح الكامل) وهو الكتاب الذي دعوتَ الناس إلى الصدوف عنه ليخفي عليهم فضل مؤلفه عليك

وشبح الشيخ المرصفي سيلاحقك في يقظتك ومنامك، لأن كتابك لن يطبع بعد اليوم قبل أن تشهد كل صفحة من صفحاته بأنك استعنت بتحقيقات الشيخ المرصفي، وقبل أن تعترف علانيةً بأنك خضعت لجبروت الحق، بعد أن طال جدالك فيه

ولو كان الله منحك نعمة الذوق لقدرت قيمة التعصب لرجل ميت لا أنصار له ولا أشياع، ولا ينتظر أن يكون للتعصب له بارقة من بوارق الثواب، وقد عاش ما عاش وهو معدوم السناد من العصبيات، فما استهانتك بالوفاء وهو معنى لا يقيم له الميزان غير أحرار الرجال

ثم ماذا؟ ثم وجدتَ الفرصة للتخلص من تهمة السرقة من كتاب النثر الفني فيما يتصل بنشأة فن المقامات في الأدب العربي، لأن كتاب النثر الفني ظهر في سنة 1934 وأنت فيما تزعم أعلنت هذا الرأي في سنة 1933 فهل تصدق في سريرة نفسك أنك نجوت من صولة الحق؟

وهل تضن أن الأسانيد المدونة في مقالاتي ومؤلفاتي غير قديرة على إلقاء تهمة السرقة فوق منكبيك بصورة لا تُبقي لك فرصة من فرص المكابرة والروغان؟

إليك أسوق البراهين التي تقطع بأن الشيخ الإسكندري نقل عني، والتي تجزم بأنك سرقت من كتابي

والحمد لله الذي أتاح هذه الفرصة، ليعرف تلاميذك بدار العلوم أنك تقدم إليهم معارف أدبية لم تشقَ في تحصيلها لحظة أو لحظتين، وإنما نهبتها في الخلفاء، ولم تكن تعلم لسوء حظك أن الحقوق تردّ إلى أصحابها، ولو بعد حين

أنت قلت في كلمتك الثانية إني التفتّ إلى نص زهر الآداب مصادفة حين قمت بتصحيحه في سنة 1925، وهذا حق، فالمصادفة هي التي هدتني إلى النص الذي يجعل بديع الزمان متأثراً بابن دريد في إنشاء المقامات، ولكن كيف رأيتُ لهذا النص قيمة تستحق التسجيل؟ إنما كان ذلك لأن الدكتور (أحمد ضيف) كان حدثنا في محاضراته بالجامعة المصرية أن فن بديع الزمان في المقامات مستوحى من الآداب الفارسية، ولولا ذلك لكان من الجائز أن يمرّ نص زهر الآداب بدون أن التفت إلى قيمته في تاريخ الفنون الأدبية

وقد حدثت الدكتور أحمد ضيف عن هذا النص فأجاب بأنه لا يزال عند رأيه الأول، ثم حدثت الدكتور طه حسين عن هذا النص فجادلني فيه وانتهينا إلى رأي سجلته فيما بعد بالتفصيل

وفي سنة 1927 شرعت في تأليف كتاب النثر الفني باللغة الفرنسية وأثبتّ فيه النص الذي اهتديتُ إلى قيمته في زهر الآداب، ومعنى ذلك أني حررت هذه المسألة قبل أن يلتفت إليها الشيخ الإسكندري في سنة 1930

ولكن كتاب النثر الفني لم يظهر في مكاتب باريس إلا في سنة 1931 فكيف يصح القول بأن الشيخ الإسكندري نقل عني؟

لم ينقل الشيخ الإسكندري في سنة 1930 عن كتاب ظهر بالفرنسية في سنة 1931 فذلك غير معقول، وإنما نقل الشيخ الإسكندري عن كتاب نشره زكي مبارك في سنة 1929 وهو الطبعة الثانية من زهر الآداب، ففي هامش الصفحة 307 قال زكي مبارك في التعليق على عبارة الحصري ما نصه بالحرف: (مؤدَّي هذا الكلام أن بديع الزمان ليس مبتكر فن المقامات، وأنه حاكى ابن دريد في أحاديثه، وقد استغللتُ هذا النص في كتابي الذي وضعته بالفرنسية عن النثر الفني في القرن الرابع، وقد دهش المسيو (مرسيه) لهذه الفكرة وعجب كيف اتفق الناس على إن البديع هو منشئ فن المقامات، ولكني من جانب آخر أذكر أني لم أر مثل هذا الكلام في غير زهر الآداب، ولا أزال أتلمس له مصدراً آخر، ولم أعثر على شيء إلى اليوم، ويزيد في الدهشة أن صاحب زهر الآداب يروي المسألة على أنها مقبولة معروفة لم تُمسَّ بنقض ولا تكذيب، وقد نقلها عنه ياقوت في معجم الأدباء).

ذلك ما جاء في هامش الجزء الأول من كتاب زهر الآداب وقد ظهرتْ طبعتُه الثانية سنة 1929 وكان الشيخ الإسكندري يقتني جميع الطبعات كما حدثني غير مرة، رحمه الله

ومع ذلك لم تقف المسألة عند كلام أحدِّث به أساتذة الأدب العربي ثم أثبته في هامش كتاب يظهر في سنة 1929 فقد نشرتُ مقالاً رنّاناً في مجلة المقتطف (عدد أبريل سنة 1930) نشرته وأنا مزهوٌّ زهو الطاووس تحت عنوان: (إصلاح خطأ قديم مرَّت عليه قرون في نشأة فن المقامات)

وكان من أثر ذلك المقال الرنّان أن تثور بيني وبين المرحوم مصطفى صادق الرافعي معركة قلميه على صفحات المقتطف

فهل من المعقول أن تثور معركة قلميه بين زكي مبارك ومصطفى الرافعي ولا يصل صداها إلى الشيخ الإسكندري (وكان من المشتركين في المقتطف) وهي في موضوع يتصل بدروسه في دار العلوم؟!

من الكلام الذي نشرته في سنة 1929 بهامش الطبعة الثانية من زهر الآداب، والمقال الذي نشرته في المقتطف سنة 1930 أخذ الشيخ الإسكندري فكرة القول بأن بديع الزمان نقل فن المقامات عن ابن دريد، وإلا فكيف سكت الشيخ الإسكندري عن هذه المسألة في كتابه: (تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي) الذي ظهر سنة 1913 وكتابه الموسوم بالوسيط الذي شاركه في تأليفه الشيخ مصطفى عناني وقد ظهر قبل سنة 1925؟

لماذا أجّل الشيخ الإسكندري هذه المسألة إلى المذكرات التي ظهرت في سنة 1930 وهي المذكرات التي حدثتَنا أنها (طبعة أخيرة)؟!

إنما اهتدى الشيخ الإسكندري في (الطبعة الأخيرة) بما قرأ لزكي مبارك في هامش زهر الآداب سنة 1929 وبما نشر زكي مبارك في لمقتطف سنة 1930 ولك أن تغيَّر هذه الوقائع، إن استطعت، ولن تستطيع

ثم أذكر أن الأستاذ أحمد الزين أرسل إليّ خطاب ثناء بعد قراءة مقالي في المقتطف، وأحمد الزين كان يسمُر كل ليلة مع الشيخ محمد عبد المطلب، فلو كان من الصحيح أن أبناء دار العلوم كانوا يعرفون جلية هذا الأمر منذ بداية القرن العشرين لكان من الواضح أن يفهم الأستاذ الزين أن مقالي في المقتطف لم يأت بجديد حتى يستوجب خطاب ثناء

وأنا أتحداك أن تثبت أن شخصاً واحداً من أبناء دار العلوم تحدث عن هذه المسألة في كتاب مطبوع أو مخطوط قبل أن أتحدث عنها في هامش زهر الآداب سنة 1929

انتهت قصة الشيخ الإسكندري، فما قصتك أنت؟

لا تقل إنك قرأت مذكرات الشيخ الإسكندري في طبعتها الأخيرة سنة 1930، ولكن قل إنك كنت ناضراً لإحدى مدارس المعلمين الأولية، وهي مدرسة يدخلها في كل شهر ثلاث نسخ من أعداد المقتطف، فهل يكون من الممكن أن تثور معركة قلميه بين زكي مبارك ومصطفى الرافعي على صفحات تلك المجلة ولا يلفتك إليها أحد من الأساتذة أو الطلاب؟

اسمع أيها الأستاذ المفضال:

أنت لم تقدم نصاً يشهد بأنك سجلت كلمتك في عبارة زهر الآداب قبل ظهور الطبعة العربية من كتاب النثر الفني سنة 1934 فلم يبق إلا النص المسجّل عليك في مجلة السراج سنة 1937 وهو قاطع بأنك سرقت من كتاب النثر الفني وإليك القرائن:

أولاً - من المفهوم عند جميع الباحثين أن الباحث يشير إلى الطبعة الأخيرة من الكتاب الذي ينقل فقرة من فقراته، فكيف تشير أنت إلى طبعة زهر الآداب القائمة على هامش العقد الفريد وقد انقرضتْ من الأسواق، ولا تشير إلى طبعة زكي مبارك التي ظهرت في سنة 1929؟ أليس ذلك شاهداً على أنك تخشى أن يفطن القراء إلى أنك انتهبت عبارة زكي مبارك؟

ثانياً - أنا لم أعيِّن النظرية التي انتهبتها من كتاب النثر الفني حين هددتك بكشفها أمام قراء الرسالة، فكيف عرفتَ أن هذه النظرية هي المقصودة بالذات؟ ومن أدراك أيها الأستاذ، إنها سِكين؟!

ثالثاً - أشقيت نفسك في التهوين من هذه النظرية، فما الموجب لذلك التهوين لو كانت من مبتكراتك أو مبتكرات أحد أساتذتك بدار العلوم؟

إنك تهوّن من شأن هذه النظرية لأنها من مبتكرات زكي مبارك، فهي عندك شيء عديم القيمة لا يستوجب أن يُزَهى به الرجل زهو الطاووس!!

هذه القرائن هي حجتي عليك، وهي البرهان القاطع على صحة العبارة التي تقول:

(يكاد المريب يقول خذوني)

ما الموجب لأن تقول إن كشف هذه النظرية لا يساوي كشف مقبرة توت عنخ آمون؟

إنما مَثَلُكَ مَثَل اللص الذي يهوَّن شأن ما سَرَقَ لينجو من العقاب وأنت تدرك الخطر الملفوف في هذا الملحظ الدقيق!!

وهناك نظرية أخرى متصلة بالمقامات، وهي نظرية فاتني النص عليها في النسخة الفرنسية التي ظهرت سنة 1931 ولم تفتني في النسخة العربية التي ظهرت سنة 1934 فهل ترى لها (خبراً) في (الطبعة الأخيرة) من مذكرات الشيخ الإسكندري؟ وهل تراك حدثت بها قراء مجلة السراج في سنة 1937؟

وهناك نظرية ثالثة متصلة بالمقامات وفيها ردٌّ على المرحوم الشيخ محمد عبدة وهي مثبتة في كتاب (ليلى المريضة في العراق) فهل تعرف هذه النظرية؟

وهنالك تحقيق متصل بالمقامات، وهو موضوع مقال حدثت به صاحب (الرسالة) منذ أكثر من عامين ولم أقدمه لمجلة الرسالة إلى اليوم، لأنه يفرض الرجوع إلى عادات بعضها في النجف، وبعضها في بغداد، فهل تعرف موضوع ذلك التحقيق؟ وهل تعرف ما بقي مطويّاً من أسرار المقامات؟

أترك هذا الجدال لأوجه الكلام إلى الدكتور عبد الوهاب عزام وكان ألقى محاضرتين عن بديع الزمان في سنة 1934 فقد حدثني أمام جماعة من أساتذة الجامعة المصرية أنه اعتمد على كتاب النثر الفني في النظرية التي تقول بأن بديع الزمان نقل فن المقامات عن ابن دريد، فكيف غاب عن الدكتور عزام أن أبناء دار العلوم نشروا هذه النظرية قبل عشرات السنين؟

أما بعد فقد ظهر أن الأستاذ السباعي بيومي سَرَق من كتاب النثر الفني ما سرق، وتبيَّن للجمهور أنه يقدم لتلاميذه زاداً نهبه من كتابي بدون استئذان، ولست من الملائكة حتى أسكت عمن يسرق مني أكثر من أربع سنين

والأستاذ السباعي يبالغ في شتمي عامداً متعمداً ليقهر أصدقائنا على وقف هذه الخصومة الأدبية، عساه ينجو من بطش قلمي

وأقول إني لم أكن أعرف أن اللغة العربية غنيّة بألفاظ الهجاء قبل أن أقرأ كلمته الثانية، وأنا من الذين يدينون بوجوب طلب العلم من المهد إلى اللحد، فمن واجبي أن أرحب بمن يعلمني طرائق السباب، ومن أجل هذا أرفض كل الرفض أن ينتهي ما بيني وبينه بالصلح، ولو صدر عن الرجل الكريم الذي أسرَّ في أذني عبارات ونحن بوزارة المعارف

لقد شتمني هذا الرجل ليصرفني عن تسجيل ما سَرَق مني، فهل نجا من تطويقه بتلك السرقة البلقاء؟

لو كان يعقل لعرف أن السرقة من كتاب النثر الفني لا تغض من أقدار الرجال، لأن كتاب النثر الفني كالشمس يعيش في ضيائها أرباب الوفاء، كما يعيش أصحاب العقوق

السباعي يهدد ويهدد بنقد مؤلفاتي، وهو من فضلها يعيش، فهل رأيتم أقبح وأشنع من هذا الكفران؟

والسباعي يكاثرني بأبناء دار العلوم، فأين كان يوم دفعت عنها طغيان كلية الآداب وأنا مدرِّس بكلية الآداب؟

وكيف يُنكَر جميلي في حماية تلك الدار من البغي والعدوان؟ وفي الأسبوع المقبل يسمع الأستاذ السباعي كلاماً لم يخطر له في بال!

زكي مبارك


مجلة الرسالة - العدد 401 المؤلف زكي مبارك
10 - 03 - 1941


===========


خصومة أدبية
للأستاذ السباعي بيومي - أولى الكلمتين


إلى الدكتور زكي مبارك

وعدت حضرات القراء في عدد الرسالة الأخير أني سأنشر في عدديها المقبلين كلمتين اثنتين، أتوجه فيهما بالحديث إلى صديقي الدكتور زكي مبارك. وهذي أولى الكلمتين، وهي كما رسمت حين وعدت، ترمي إلى تقرير الموضوع الأصيل الذي من أجله كتب الدكتور.
ألقيت محاضرة بمدرج على مبارك باشا في دار العلوم عن (أسلوب المبرد في كامله) وعقب انتهائي منها طلب أحد مستمعيها من طلاب كلية اللغة العربية السماح له بكلمة، فأجبته إلى ما طلب، وكانت كلمته أربعة أسئلة ألقاها، رمي المبرد في رابعها بالغرور والادعاء، وأنه كان لا يتحرى إذا أجاب. فرأيت الموقف يقضي عليّ أن أرد عليه، وفعلاً رددت، وكانت إجابتي عن السؤال الأخير تتلخص في نفي تلك الصفات الذميمة عن المبرد نفياً قاطعاً، استدللت عليه بامور، منها أن من شأن من لا يتحرز في إجابته إلا يمسك إذا لم يتثبت، وإنما يرمي بالقول جزافاً، ويخترع الإجابات اختراعاً، وعهدنا بالمبرد انه غير ذلك، فقد رأيناه في كامله إذا عرض له ما لا يعرفه اعترف بذلك، خضوعاً لتلك الكلمة الجامعة التي لا ينزل على حكمها إلا الثقات الأعلام، وهي (من قال لا أدري فقد أجاب) ثم أخرجت من الكامل شاهداً على ذلك أسمعته الحاضرين، ومنها أن من خالط قلبه الغرور وتملكه الادعاء لم يك في مقدوره أن يخفي ذلك في مصنفاته، بل لا بد أن يفضحه أسلوبه.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفي على الناس تعلم
وليس في كامل المبرد على كثرة كسبه فيه ونسجه حول أصوله، ما ينفي عنه صفة التواضع العلمي، أو يلقي على أبحاثه ولو ظلاً صغيراً من الكبرياء والادعاء.
ودعماً لهذا الاستدلال الأخير في أن أسلوب الكاتب يشف عن خلائقه، قلت للسائل - وقد ذكر أنه استقى ذلك من شرح الشيخ المرصفي على الكامل - إن مؤلفات المرصفي هي التي تنم عن خلق الغرور والادعاء فيه، كما يعلم ذلك من أطلع على هذا الشرح ومقدمته؛ وكذلك من أطلع مثلهما فيما عمله بديوان الحماسة. وقلت: وإنه لتأصل هذا الخلق فيه كان شديد التحامل على المبرد والتشهير به فيما يظن أن المبرد أخطأ فيه؛ ثم قلت: وكم كنا نتمنى للشيخ المرصفي أن يجرد علمه من غروره، ويسبل على تأليفه ثوباً ضافياً من التواضع والاعتدال، حتى يكون ذلك أبين لفضله وأدل على نبله.
وأخيراً قلت: ولا يبعد أن تكون البيئة العلمية التي عاش فيها المبرد قد تقولت عليه ما تقولت حسداً وبغياً، فإن علماء عهده ما كانوا يعهدون من علمائهم إمامة في اللغة إلا في ناحية واحدة منها، كناحية قواعدها، أو ناحية مفرداتها، أو ناحية آدابها، ولكن المبرد كان إماماً ذا آراء في هذه النواحي الثلاث جميعاً، فهم بما كانوا يتقولون عليه إنما يريدون انتقاصه شفاء لما دب في صدورهم عليه من حقد وحسد.
ولقد خفت أن يهجس في نفوس السامعين تنزيه قلوب هؤلاء العلماء من رذيلة الحسد فأتبعت ما سبق بقولي لحضراتهم: ولا تستبعدون الحسد على العلماء، فإن من طبيعته أن تكون أقرب إلى الأدنين منه إلى الأباعد، وأسرع إلى قلوب العلماء منه إلى قلوب الجهال، وإذا ما شئتم مزيداً في معرفة هذه الطبيعة - طبيعة الحسد - فاقرءوا رسالة الجاحظ فيه، وهي اكثر من اثنتي عشرة صفحة.
ذلك ما قررته في إجابتي عن السؤال الأخير، بعد الذي قررته في الإجابة عن الثلاثة قبله. وما كان أشده عجباً وأبعده غرابة أن تطوى صحيفة الإجابات الثلاث وقد سلخت فيها نحو الساعة، تم تشوه هذه الإجابة الأخيرة تشويهاً يمسخها مسخاً، وإذا أنا أمام الواصل إلى منها كالذي يستمع إلى الآية (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة) دون ذكر هذه الجملة الحالية بعدها (وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فقد كان هذا الواصل أنني وصفت الشيخ المرصفي (بكثير من الأخلاق الذميمة كالغل والحقد والحسد والسطحية البحث والتطاول الذميم) وأنني تعديت ذلك إلى (تجريح طوائف العلماء على اختلاف مهنهم وحكمت بأن طباع الحسد والحقد لا تجد لها مراحاً خصيباً كالذي تجد من قلوب العلماء)
وا رحمتا للأخبار من رواتها! فما كان مني عن الشيخ المرصفي علم الله إلا أسفي على ما خالط مؤلفاته من غرور وادعاء وتطاول على المبرد في أسلوب غير حميد؛ وما زلت معتقداً هذا رضى الدكتور أم سخط، وواثقاً أن كثيراً من أهل العصر يعلمونه علمي، ويعرفون كيف يستدلون عليه استدلالي. وكم كنت كما قلت في إجابتي أتمنى خلوّ مؤلفات المرصفي من غروره، حتى لا يذهب هذا الغرور بفضله، وما كان مني عن العلماء شهد الله إلا أنهم في بيئة المبرد حسدوه تنوع ثقافته وتعدد إمامته، وأن هذا الحسد لم يك من شأن علمهم أن يبعده عنهم، لأن الحسد كما يقولون مُوكَل بالأدنى، وهو كما ذكر الجاحظ في رسالة الحسد: (قد صار العلماء أكثر منه في الجهال، ودب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين). وأنا بهذا الرأي لا زلت ولن أزال أدين، وافق الدكتور أم خالف.
هذا يا صديقي الدكتور هو الأمر الأصيل على جليته، قد بسطته موضوعاً في نصابه مقرراً على وجهه، لا كما تطايرت به الإشاعات بل الإشاعات المغرضة، وأنت بما تدخله روايات السوء على الأخبار جد خبير. وقديماً قالوا: وما آفة الأخبار إلا رواتها. ولعلك يا صديقي عتبت عليّ أني لم أجبك أول ما سئلت، وما كان لك أن تعتب، فتلك عادة الناس فيك وموقفهم منك. على أني أخالف تلك العادة وأجيبك عسى أن تستريح.
تعلمْ يا صديقي أن إغفال إجابتك ما كان إلا استبعاداً عليك أن تفهم ما فهمت، وإلا أملاً أن يردك هذا الاستبعاد إلى الحقيقة تستقيها بعيداً عني، من غير كاذب فيها أو مشوه لها، وشهود المحاضرة كانوا بحمد الله كثيرين. ولا أكتمك سبباً آخر قوى هذا الإغفال في نفسي، ذاك هو أمرك لي أن أسارع إلى نفي ما سمعت إن كان لم يقع، وإلى الاعتذار منه إن كان قد وقع، وإسرافك في هذا الإسراع تطلبه في أول عدد يصدر من الرسالة، وثالثة الأثافي أن تقول لي: (إلى أن يثبت الراوي افتري عليك، أعلن غضبي على ما بدر منك). سبحانك اللهم وتعاليت! فما كان لأحد أن يقول: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) إلا أنت.
تلك الثلاث يا صديقي وغيرهن كن محرضاتي على ترك أول عدد من الرسالة يصدر خلواً من نفيي واعتذاري، لأقف على ما في كنانتك من سهام، ولأتذوق ما قد يصبه غضبك في الجام. وهأنت قد اغتررت فكتبت كلمة ثانية تؤذنني فيها بخصومة تريدها أدبية، والله أعلم بما تريد، وترميني فيها بفرية السرقة منك، جاهلاً كما ستعلم في كلمتي الثانية أنك أنت الذي افتريت وسرقت.
وبعد فإن وصاتي لك يا صديقي أن نتريث، فإن في العجلة وبالاً عليك، وألا تعود تغتر بسكوتي عنك، فما مثلي ومثلك فيه إلا كما قال الأول:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من تطاوله كسري
أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركب وعر
وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر

السباعي بيومي



17 - 02 - 1941
مجلة الرسالة/العدد 398


***



السباعي بيومي - إلى الدكتور زكي مبارك

معذرة يا صديقي الدكتور، فقد حملني ما ظهر في كلمتك السالفة من مخالفة الرفق الذي تطلبه قولاً وتنبذه عملا أن أقسو عليك في عبارة هذه الكلمة بعض القسوة، ولدينا مزيد. . .
كلمتي الثانية أينا الذي نهب وادعى؟
وجه إليَّ صديقي الدكتور زكي مبارك كلمة بعدد (الرسالة) رقم 396 كان مما ذكره فيها قوله:
(وقد زعم الأستاذ السباعي أن الشيخ المرصفي سرق بعض أفكاره، فليستعد للدفاع عن النظرية التي نهبها نهباً من كتاب (النثر الفني) ونشرها في مجلة السراج)
فهالني من صديقي أن يهفو تلك الهفوة، بل أن يسقط تلك السقطة، لأنه بنى هذا الزعم الفاسد على شيء سطحي ظاهري لا يأخذ به محقق ولا يغتر فيه باحث، ذلكم هو أنه رأى تاريخ العدد الذي نشرت فيه تلك النظرية بمجلة السراج، لاحقاً لتاريخ نشر كتابه المذكور - ناسياً أنها ثابتة لي قبل تاريخ هذا النشر بزمن طويل - فادعى أني نهبت وسرقت؛ وهأنذا باسط هذه المسألة للقارئين بسطاً يجعلهم يوقنون أن صديقي هو الذي نهب وسرق؛ ثم أبى إلا أن يصحب ذلك بجاه عريض من الادعاء والتطاول على رجالات الأدب قدماء ومحدثين، وإلى حضراتهم البيان:
قال الدكتور في كتابه (النثر الفني) من كلامه على نشأة المقامات: (وكان المعروف أن بديع الزمان الهمذاني هو أول من أنشأ المقامات، ولم أجد فيمن عرفت من رجال النقد من ارتاب في سبق بديع الزمان)؛ ثم قال: (وقد وصلت إلى أن بديع الزمان ليس مبتكر فن المقامات، وإنما ابتكره ابن دريد المتوفى سنة 321، وإلى القارئ النص الذي اعتمدت عليه ف تحرير هذه المسألة)؛ وهنا ساق النص الآتي:
(قال أبو إسحاق الحصري حين عرض لكلام بديع الزمان: - كلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفاً، والهوى يعشقه ظرفاً؛ ولما رأى أبا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض عجمية وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسع فيها إذ صرف ألفاظها ومعانيها في وجوه مختلفة وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفاً وتقطر حسناً؛ ولا مناسبة بين المقامتين لفظاً ولا معنى، وعطف مساجلتها ووقف مناقلتها بين رجلين، سمى أحدهما عيسى ابن هشام، والآخر أبا الفتح الإسكندري؛ وجعلهما يتهاديان الدر ويتنافثان السحر، في معان تضحك الحزين وتحرك الرصين، يتطلع منها كل طريفة، ويوقف فيها على كل لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية، وخص أحدهما بالرواية). أنتهي النص
وأنا أؤكد لحضرات القارئين أن قول الدكتور (وكان المعروف أن بديع الزمان الهمذاني هو أول من أنشأ المقامات) لم يكن المعروف وإنما كان المنكر الذي ينكره التاريخ ويبرأ منه الأدب قديماً وحديثاً، وإنما هي مقدمة ساقها الدكتور باطلة ليبني عليها تلك النظرية التي طنطن بها وعج. وليسمح لي صديقي أن أعيد على مسمعه ما سبق أن رميته به من قلة الاطلاع، فإن ذلك النص التاريخي لم يكن هو الذي كشف عنه. وكيف وقد كان نصاً معروفاً متداولاً نقله كثير من الأقدمين تدليلاً على أن البديع لم يكن المنشئ الأول للمقامات، كابن خلكان وياقوت في كتابيهما وفيات الأعيان ومعجم الأدباء، وكالشريشي في شرحه لمقامات الحريري. ولولا ضيق (الرسالة) في هذى الظروف لنقلت نصوص هؤلاء الأعلام، ثم لذكرت غيرهم وأتيت على نصوصهم، في سبيل نقض الدعوى التي ادعاها الدكتور، تلك التي أخجل أن أسميها دعوى بالمعنى المعروف لأنها ظاهرة الفساد والبطلان، وليس للخصومة بشأنها أي مجال، ولكن صديقي حين صادفه هذا النص وهو يقوم بما يقوم به في زهر الآداب - بتكليف من طابعه الحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية ولولاه ما كان عثر - أعتقد أنه عثر على ما لم يعثر عليه إنسان، وأنه بهذا الكشف عن ذلك الكنز: كنز توت عنخ آمون قد أصبح فارس ميدان أو فارس الميدان، وإذن فليجل ويصل وليمش في الأرض مرحاً حتى يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولاً؛ ثم ليستمع الناس له مرغمين ساكتين وهو يقول بعد القول الذي فندناه: (ولم أجد فيمن عرفت من رجال النقد من ارتاب في سبق بديع الزمان إلى هذا الفن، وإنما رأيت من يعلل سبقه بنزعته الفارسية) جاهلاً أن رجال النقد يأبون عليه ذلك إن كان قد عرفهم؛ فإن تلك النظرية التي يزعم كشفها بيده وتقديمها للأدباء مخترعة ببحثه، معروفة للأدباء الحديثين، ومدروسة منهم للمتأدبين. وها نحن أولاء أبناء دار العلوم فتحنا عيوننا أول ما درسنا الأدب بتلك الدار على هذه النظرية المزعوم كشفها وتلقيناها على أيدي أساتذتها في العُشر الأول من هذا القرن الذي أوشك أن ينتصف، أي منذ أربعين من السنوات.
هذه هي الحقيقة ناصعة، ولكن ليس لي أن أتركها من غير دليل أقدمه لصديقي الدكتور، بعد الذي قدمه عن نفسه من أنه لا ثقة للناس في اطلاعه ولا علم لهم باتساع أفقه، وإذن فليتلق هذا الدليل من إحدى مذكرات المرحوم الشيخ أحمد الإسكندري، فقد كان يدرس تلك النظرية لطلبة دار العلوم قبل أن يكون الدكتور شيئاً. قال رحمه الله في الصفحة 310 من مذكرة مطبوعة في الأدب العباسي لطلاب السنة المكتبية 1929 - 1930 طبعة أخيرة، وهو يتكلم على المقامات في ترجمة البديع ما نصه: (وكان ممن أعجبته هذه الطريقة - يعني طريقة المقامات - ابن دريد، فأراد أن يلقن نابتة زمانه اللغة والأدب في هذا النوع من الكلام. قال أبو إسحاق الحصري في كتابه (زهر الآداب): وقد ذكر أبا الفضل الهمذاني بديع الزمان - وهذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، كلام غض المكاسر، أنيق الجواهر) إلى آخر هذا النص الذي ادعى كشفه الدكتور ثم نقله في نثره معجباً به أيما إعجاب.
أصدقت إذن يا صديقي أنك كنت في قولك: (ولم أجد فيمن عرفت من رجال النقد من ارتاب في سبق بديع الزمان إلى هذا الفن) أجرأ منك في قولك السابق: (وكان المعروف أن بديع الزمان هو أول من أنشأ المقامات)
صدق صدق يا دكتور ثم أخل إلى نفسك واحسب عدد من درسوا في دار العلوم على هذا العالم الجليل حقبة تقرب من ثلث القرن؛ وما كان متوسط عدد كل فرقة على سنيه ينقص عن الستين؛ فإذا ما حسبت علمت أن من يعرفون تلك النظرية من خريجي دار العلوم وحدهم، فما بالك بغيرهم، يناهزون الألفين بل يزيدون. ثم اذكر يا صديقي أن هؤلاء الخريجين يدرسون ذلك لتلاميذهم في مختلفات المدارس، وفيهم من درسوها لطلاب دار العلوم وطلاب كلية اللغة العربية؛ ودونوا هذا في مذكراتهم مفصلاً مبسوطاً، قبل أن تدونه أنت في كتابك موسوماً بسمة الاختراع؛ وأنا أحد من فعل ذلك لطلابي في المعهدين المذكورين منذ أن بدأت دراسة الأدب فيها سنة 32 - 33 وكتابك لم يطبع إلا سنة 34؛ وكذلك فعل زميلي وابن دار العلوم الأستاذ محمود مصطفى في كلية اللغة العربية التي لا يزال فيها إلى الآن.
الحق يا صديقي أنك كنت جريئاً إن صح أن يسمى جراءة هذا الادعاء؛ والحق أن الخجل كان قد رفع حينما زهوت بهذا الكشف المزعوم زهو الطاووس، فقلت أنك حين اطلعت عليه المسيو مرسيه بباريس دهش وعجب كيف اتفق الناس مع هذا على أن بديع الزمان هو منشئ فن المقامات، وأنه أتحفك بهذه العبارة بقولها لك من باب الإطراء وهي: (يظهر أنه ضاع علينا من تاريخ الأدب العربي شيء كثير)؛ ثم زدت في الزهو فنسبت إلى الدكتور طه حسين من العجب والدهش مثل ما نسبت إلى المسيو مرسيه، وأنه جال معك في حديث ألهمه إياه نبأ هذا الاختراع، ولم يك باقياً عليك إلا أن تذيع أخبار هذا الكشف على تيارات البرق وموجات الأثير.
والآن، أفما كان الأجدر والأولى بالأستاذ الإسكندري وأمثاله من المحدثين الذين سبقوا إلى هذا الكشف بسنين أن يدعوه لأنفسهم إن كان هناك اختراع؟ ولكن حاشا لهم وهم ممن يحترمون الحقيقة ولا يتغفلون السواد أن بدعوا دعواك. وأما كان لي أن أرميك - إذ رميتني بالسرقة والنهب - أنك أنت الذي افتريت ومني نهبت؟ ولكن حاشا ونحن كأساتذتنا نحترم الحقائق ولا نتغفل السواد، أن نفعل ما فعلت؛ فإنما الأمر مفهوم معروف، وأنت فيه المتأخر المسبوق. والذي لا شك فيه بعد هذا البيان أنك كذبت على القدماء، واغتصبت جهود المحدثين، ثم لم تتسلل لواذاً ولم تخلص نجياً كما يفعل السارقون، ولكن أبيت إلا أن تهلل وتكبر، وتتعالى وتتجبر، ثم تغالي بالزهو بنفسك، واجتذاب الإعجاب بك من غيرك، وإذا بالحق يصرعك وينتقم للأدب والجماهير منك. . . وأني أستحلفك بالله يا صديقي صادقاً، كيف وصفت نفسك إزاء ما سميتها نظرية وهي من البدهيات بما وصفت؟ أكان ذلك عن جهل منك إلى هذا الحد، أم هو تغرير وادعاء ليس من بعده بعد؟
وبعد فقد آن لي أن أكر راجعاً على كلمتك التي رميتني فيها بالسرقة منك بعد أن قبضت عليك متلبساً بالسرقة التي ادعيت، فأعلق على باقي ما ذكرت فيها بعبارات خاطفة؛ إن شئت بسطت كل عبارة منها في مقال كالذي سمعت:
1 - جعلت عنوان كلمتك (الهجوم الآثم على الشيخ سيد المرصفي) وهذا أمر غبت عنه ولم تشهده فكيف أقدمت عليه قبل أن ينجلي لك؟ وإذا سوغك تطاولك أن تسميه هجوماً فكيف وصفته متسرعاً بالآثم فكنت الآثم بما وصفت؟
2 - تزعم أن الخطابات قد كثرت عليك في تحقيق ما ادعيته علي في حق الشيخ المرصفي، وأنا أجزم قاطعاً، وأحلف غير حانث، أنه لا خطابات؛ وإذا كانت فإنها لا تعدو ركب النميري الذي قال فيه:
فلما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات
فلما سئل فيما كنت؟ قال والله إن كنت إلا على حمار هزيل ولي رفيق على أتان مثله
3 - تقول: (وكنت - أي لولا تلك الخطابات - أغفلت هذا الموضوع عن عمد، لأن الأستاذ السباعي له علي حقوق) وما كنت أفهم إلا أن تلك الحقوق إنما هي حقوق الصداقة، فإني لا زلت بها حفياً وعليها حريصاً، ولكنك جعلتها يا صديقي: (أنني كنت دائماً من أنصارك) وليس لمثلي أن ينخدع بخدعة الصبي هذه تسوقها إليه، فالحقيقة المرة التي أسمعك إياها الآن بعد أن طغيت زماناً ولم ترد، أنك ما كنت في يوم زعيما في الأدب حتى يصح أن يكون لك أنصار، وإنما زعامتك نسج عنكبوت حكته من حولك، وتركك الناس تلهو به وتلعب، ثم زدت هذه العلة أخرى تقول فيها: (ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يهدم بكلمة جارحة تساق إليه في إحدى المحاضرات). وإني أحذرك جريئاً على تحذيرك إن كنت تريدها خصومة أدبية بيني وبينك أن تترك الآن الشيخ المرصفي، فإن التحكك به لن يغني عنك بالموضوع شيئاً؛ وإذا ما صفي الحساب بيننا عدت أبين لك أن مكانة الشيخ المرصفي لا تعلو على النقد؛ وأن الذي يصفه ببعض ما وصف به المبرد لا يكون قد عدا الحقيقة، ولا تعدي على السلف الصالح، فإن المبرد على أية حال أعلم من المرصفي علماً، وآدب منه أدباً، ثم هو أدخل منه في السلفية الصالحة دخولاً يقوم شاهداً عليه عدد وافر من القرون.
4 - ورابعاً تقول: (ولكن سكوت الأزهريين عن الانتصار للشيخ المرصفي أزعجني وكنت أرجو أن يكونوا درعاً واقية لذلك الشيخ الجليل وهو رجل لم ير مثله الأزهر منذ أجيال طوال). وأنا أصدقك القول يا صديقي بغض النظر عن نصيب هذا التفضيل الذي أسبغته على الشيخ من الحقيقة والواقع، بأن عبارتك هذه من باب الاستعداء الذليل والملق الرخيص الذي ينقص منك ولا يزيد فيك، فقد فاتك أن الأزهريين يقدسون حرية البحث في دراساتهم أول ما يقدسون، وأنهم يرثون المبرد قبل أن يرثوا المرصفي، وأن ديدنهم في ماضيهم وحاضرهم يأبى عليهم إجابتك إلى ما تطلب، لما يحسونه في طلبتك من غرض وهوى، ولأنه إذا كانت هناك حقيقة اعتدى عليها كان من شأن هذا الاعتداء أن يحفزهم على نصرتها من دون صراخ لك فيها ولا استعداء منك بشأنها.
5 - وخامساً تعتبر مضايقتي بلاء لصداقتي، والسكوت عن المرصفي بلاء لأستاذيته، ثم تخرج من هذه الحيرة بنقل القضية من وضع إلى وضع، لتصيرها أدبية بعد أن كانت شخصية، ثم تعلن عن هذه الخصومة فإذا هي أمران، أحدهما زعمك أني زعمت الشيخ المرصفي قد سرق بعض أفكاري، وإهابتك بي أن أستعد للدفاع عن النظرية التي نهبتها من كتابك النثر الفني ونشرتها في مجلة السراج، والآخر أنني أستر جنايتي على المبرد بجنايتي على المرصفي، وأنك ستعرفني أن تهذيبي للكامل لم يكن إلا جناية أدبية، وأن التطاول على مقام الشيخ المرصفي لا يذهب بلا عقاب.
ورأيي لك يا صديقي في الأمر الأول، أمر سرقتي من نثرك إلى مجلة السراج قد سمعت فيه كلمتي الثانية هذه التي سقتها إليك بشأنه، واثقاً أن لك فيها دواء ناجعاً من الادعاء وشفاء شافياً من الغرور، وراجياً أن تكون أهلاً لثقتي هذه فيك.
أما رأيي لك عن الأمر الثاني فقد أنبأتك آنفاً بإرجائه إلى ما بعد كلمتي هذه والسابقة، لأنه موضع الخصومة وفيه سيكون النزال. وأني بهذه الخصومة لجد مسرور، أتدري لماذا؟ لأني سأعرضك فيها للجمهور على حقيقتك التي غشيتها ما غشيتها، وتسامح الناس فيها معك ما تسامحوا. وسيكون أول كشف لك فيما عملت، واقعاً على زهر الآداب إن شاء الله، لأنه دون سائر أعمالك أشبه بما عملت في تهذيب الكامل الذي عددته جناية أدبية، حتى إذا ما أخرجتك بمقالاتي فيه، معترفاً لي ببراءتي من هذه الجناية، ومعترفاً على نفسك بإجرامك على الزهر وصاحبه وعلى الأدب، انبريت إلى تصانيفك - التي لا شبه لها عندي إلا أفراخ البغاث كثرة عدد وقلة غناء - أرد ما ليس لك فيها وهو أكثرها إلى مآخذه ذاكراً ما أوقعت فيه من تحريف، وأبين زيف ما هو من صنع يدك وهو القليل، بما لا مخرج لك منه أمام الناس لا أمام نفسك.
6 - بقي قولك في نهاية كلمتك إنك تكره البغي على أصدقائك وإن أمرك معهم لم يكن إلا شبيهاً بأمر أكثم بن صيفي (إن قول الحق لم يدع لي صديقاً) وما كان أكثم لك بشبيه، فإن الذي لم يدع لك صديقاً إنما هو دأبك على الباطل في كثير مما تبحث، وبغيك على حق الصديق في جل ما تنقد، حتى لقد أمللت ومللت. ولقد حدثتني نفسي أن أكون فيما بغيت عليّ عاملاً بالآية (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) كما فعل كثير، ولكني رأيت في بعض وجوه الحزم - وأنت عالم بالوجه الذي رأيت - أن أحيد في معاملتك عن تلك الآية السمحة إلى هذه الآية العادلة (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) وحقاً لا تثريب عليّ ولا سبيل (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)
وإليك يا صديقي سلامي حتى ألقاك في مقالي المقبل بالدفع العنيف لما كتبت في العدد الماضي مصحوباً بالهجوم الأعنف على ما صنعت بزهر الآداب.

السباعي بيومي


مجلة الرسالة/العدد 399
بتاريخ: 24 - 02 - 1941


***

السباعي بيومي - زكي مبارك يكتب كثيراً ولا يقول شيئاً

- 3 -

ما كنت أحب لك يا دكتور أن تكتب شيئاً مما سودت به مقال العدد 398، ومعظم مقال العدد 399 - بل كله كما ستعلم - لأنه ليس من الخصومة ولا الخصومة منه وليس بذي فائدة للقارئين. وما كنت أحب أن أجول معك في هذا الخروج لضيق الصفحات الأربع - المحدودة في الرسالة - عن أن تتسع له ولما أوعدت به من الهجوم عليك في زهر الآداب، لولا ما تعتقده من أنه في صميم الخصومة، وما أخشاه من أن تزين لك نفسك أنك به قد انتصرت

ولقد كان واجباً عليك وخيراً لك أن تنتظر كلمتي السابقتين ثم تكتب في الموضوع، ولكنك تعجلت ولم تستطع معي صبراً. والآن فالق جزاء تسرعك في الرد على ما ذكرت بمقاليك مما لم تتناوله كلمتاي، مشفوعاً بطلبي منك ألا تعود إلى هذا الخروج، حتى نفرغ للخصومة الأدبية بالمعنى الذي تحمل ويريده الجمهور

تدعي أن صديقاً عزيزاً قال لك: (لم يرضني تحديك للأستاذ السباعي فقد كان يتفق في أحيان كثيرة أن يجعل مقالاتك من موضوعات الدروس بدار العلوم وذلك من شواهد الإعجاب).

وأنك حفظت لي هذا الفضل وآثرت الصمت لولا أن أديباً أثارك بما كتب إليك. ويظهر يا دكتور أن هذا الصديق من الخبثاء الظرفاء الذين عرفوا فيك ما قرره ابن المقفع من أن عجب المرء بنفسه أرحب باب يدخل عليه منه الضاحك عليه والمظلل له. فهو قد أضللت وضحك عليك بما تخيل فتحققت، وما كان لشيء من مقالاتك أن يكون من موضوعات الدروس في دار العلوم، ولو حدث لما سميت دار العلوم

وتدعي أنك مع هذا كنت على نية السكوت لصداقتي ولأن هجومي لن يقلقل مركز الش المرصفي، ثم لأني من زملاء الأستاذين هاشم وصفوت ولهما عليك حقوق؛ فأما الصداقة فما ينبغي أن تحول دون محاورة الصديقين فيما يفيدهما ويفيد الناس، وأما أن هجومي لن يقلقل من مركز الشيخ المرصفي فعما قريب ستعلم أثره

وتذكر أنك في سبيل دفع الشر عن الشيخ المرصفي ستقدم لي خدمة أدبية بجذبي إلى الجدل على صَفحات الرسالة، وأنا مرحب بدفع هذا الشر عن الشيخ، ولكن فيما صوبت أنا إليه؛ ثم إني لشاكر لك جذبي إلى التحرير وغير طامع في رفق أسلوبك، بل راغب ملِّح في أن تريني ما تزعمه لقلمك من أنه تطير عن أسلاته شظايا الشدة والعنف، حتى أعلمك - إن لم تكن علمت - أن مثل قلمك أمامي مثل بنادق الأطفال تسمع لطلقاتها دوياً ولا ترى لها كلماً.

أما القلم الذي ستواجه مني فهو مسدس ذو طلقات تميت في غير جلبة ولا ضوضاء، وهاأنت ذا قدحت زنده فاصّلَ شرره

وتقول إن المرصفي قضى شبابه في خدمة الكامل، وأنني قضيت شبابي في خدمته كذلك، وإني لأكاد أكذبك في الأولى لأنك غير صادق في الثانية قطعاً. فما قضيت في تهذيب الكامل إلا ثلاث سنوات لا تستغرق شباباً ولا بعض شباب، ثم تتظرف وتحكم بأن الفرق بين الرغبة والتهذيب كالفرق بين المرصفي والسباعي. وإنه لحكم أعاد إلى ذاكرتي هذا البيت:

كأننا والماء من حولنا ... قومٌ جلوسٌ حولهم ماء

ثم تكذّب ما قاله الطالب أيوب من أن كتاب المرصفي ظهر سنة 1930 وتقول إنه ظهر سنة 1927، فتكون سطحياً أمام طالب، لأنك أخذت تاريخك من غلاف أول جزء في الكتاب والطالب أخذه من غلاف آخر جزء منه، فارجع إلى هذا الجزء رجوع الغافل الذي دل على أنه لم ير الكتاب، تجد عليه سنة1930 وهو التاريخ الحق الذي لا يعتبر في مجال الاحتجاج سواه. على انك شعرت بتفاهة ما لحظت لأن كتابي ظهر سنة 1923 فقلت: (وليس لهذا التاريخ أهمية) ولكنك عدت فوقعت إذ زعمت أن شرح المرصفي يرجع إلى أكثر من أربعين سنة، وأنه كان كاملاً من جميع الجوانب حتى الفهارس قبل سنة 1915 وأنك رأيته بعيني رأسك ورآه معك الشيخ الزنكلوني. وما رأيك يا دكتور أن المرصفي نفسه يكذبك في ذلك بعبارته المدونة في آخر جزء من أجزاء الرغبة عن إتمامه الشرح فما بالك بالفهارس، وهي بنصها: (وقد انتهى شرح كتاب الكامل والحمد لله ليلة 11 رجب سنة 1340 من الهجرة) وهذه توافق سنة 1923، أي أن الشرح وحده دون الفهارس لم ينته إلا سنة 1923 لا قبل سنة 1915. أليست هذه العبارة تفهم بصريح العبارة أنك كذبت على عيني رأسك، وإذا كان لنا أن نتركك حراً تكذب على نفسك، أفلا نؤاخذك أن تكذب على غيرك. ولكنك يا دكتور كنت لبقاً إذ تخيرت هذا الغير ممن انتقلوا إلى جوار ربهم، وأنا جد واثق أن الشيخ الزنكلوني لو أمتد به الأجل إلى حيث كتبت ما كتبت لأشهدت غيره من الأموات سامحك الله

ثم لك هذه النقطة حشوة لا علاقة لها بالتواريخ، ولا هي من العبارات الشعرية كما تقول: تلك هي قولتك (ولن أنسى ما حييت تلك العبارة الشعرية التي صرخ بها الشيخ المرصفي وهو يقدم إلينا شرحه على كتاب المبرد - لن أنساها أبداً - فقد قال شيخنا العظيم وهو يخاطب المبرد (الله على أيامك يا بطل)) وبعد ذلك تقول: (والكتاب الذي كمل من جميع نواحيه حتى الفهارس قبل سنة 1915 هو الكتاب الذي سرقت بعض فهارسه من كتاب ظهر في أواخر سنة 1923) فلتسمح لي يا دكتور أن أتركك وأخاطب الناس. أيها الناس يعجب الدكتور من أن الطالب أيوب لا يستبعد على المرصفي أن يكون قد استعان في كتابه الذي ظهر سنة 1930 بكتابي الذي ظهر سنة 1923 زاعماً أن كتاب المرصفي كان كاملاً من جميع نواحيه حتى الفهارس قبل سنة 1915 بالرغم من تكذيب المرصفي له كما سبق ومؤيداً هذا الزعم بآخر حاط من قدر المرصفي إن كان حقاً، هو أن المرصفي لم يكن يطلع على شيء من مؤلفات المعاصرين فكيف اختص الأستاذ السباعي بتلك العناية. هذا ما يقوله الدكتور أيها الناس، وليس لي من تعليق عليه إلا الجملة التي ختم بها ما قال وهي (تلك والله إحدى الأعاجيب)

ويقول الدكتور عني بعد جعله المرصفي أوحد عصره بلا جدال (إنني الرابع أو الخامس بين أساتذة دار العلوم مع التسامح الشديد) ونحن أساتذة اللغة العربية بهذا العدد تقريباً في الدار فكأنه جعلني الأخير. والحقيقة يا دكتور أنك في تدخلك هذا غريب؛ فما أنت فينا والفاضل والمفضول والأول والأخير أولئك إخوان فضلهم فضلي ومكانهم مكاني وكلنا أعرف بحق صاحبه منه بحق نفسه.

وتقول إن الشيخ المرصفي أثر في عصره وتعدد له ذخائر كثيرة، وليس لي رد على الشيء تعرفه أنت ويجهله غيرك. إني لا أعرف للمرصفي إلا ما عرف الناس ولا أدعي لنفسي من آثار إلا ما لمسوه. فسلهم لتعلم منهم أن عمري لم يكن موقوفاً على التهذيب، ثم سل تلاميذي الذين تتحدث عنهم يخبروك بما يفحمك مخلصين صادقين وفخورين بتلمذتهم لي فخري بأستاذيتي لهم في غير زهو ولا إعجاب

ذاك ما جعلته طلائع غزوة وبه تباهى. فهل لازلت على هذه المباهاة بعد تفسيقي لما ذكرت وردي على ما سودت ومع هذا فإليك رأي في تلك المباهاة نفسها

تقول إنك لن تصفح عني أو أشتغل محرراً متطوعاً بالرسالة ثلاث سنين، وما هذا لي بالتهديد فما أنا ممن يضيرهم التحرير ولا ممن تعودوا أخذ أجر على ما يكتبون، لأني أكتب للكتابة لا طمعاً في مال، ولذلك يصدر ما أكتب في غير كلفة ولا إكراه.

وتقول إن خصومتك لي محنة صبت على من شاهق وتطلب مني أن أتحملها صابراً، وإنها لا تنتهي قبل بداية مايو، وليس مثلك معي في هذا التهديد إلا مثل القبرة التي وقعت على رأس فيل؛ فلما أرادت أن تطير قالت له إني مخففة عنك وطائرة فقال والله ما علمت بك نازلة حتى أشعر بتخفيفك طائرة. أما الموعد الذي ضربته فهو أمنية تتمناها وتشفق ألا تكون، ولست أدري أؤوافقك عليها مطمئناً أم أتجاوزها إلى ما بعدها مزعجاً، لن أبين لك حتى أتركك حيناً تتعزى بالأجل إشفاقاً عليك وآخر تجزع لطول الأمد تهديداً لك. وسأعلمك في حاضري ومستقبلي أن ماضي لم يكن قائماً على خدمة الكامل وحده وأن تهذيبي له لم يكن عملاً يقوم به أحد النساخين بدراهم معدودات وذلك بما أقفك عليه من أنه كان خدمة يعرفها العارفون

وتزعم أنك قضيت دهرك ممتحناً بعداوات الرجال. ورجائي أن تكون رجلاً فيما أصبت به من عدائي وأن تغالي في عدم العطف على، ذلك الذي أزمعت تركه لأني ترديت لك ثوب العقوق، والحقيقة يا دكتور أنه لا عطف منك على ولا عقوق مني إليك وإنما هو نقاش وحساب يتطلب منك أن تكون الجلد الصبور.

ثم تقول إنك حكمت على بترك دروسي في دار العلوم لأشغل نفسي بمخاطرتك. ويلوح لي يا دكتور أنك ما قلت ذلك إلا لعقيدتك أن مخاطرتي لك تشغلني كما تشغلك مخاطرتك لي، ولكن عقيدتك هذه وهم باطل وظن خاطئ، فإن هجومي عليك وصدى لك لا يشغل مني كل أسبوع إلا الوقت يجري فيه القلم غير متوقف إلى حيث ينتهي المقال وهو وقت يسير في زمن اليوم لا الأسبوع، ثم هو لذيذ الوقع ترتاح لصريره النفوس.

وبعد فهاأنذا مرقل نحو مقالك الأخير فماذا أرى؟ رأيتك قد سودت أكثر من نصفه بأشياء خرجت فيها عن الجادة وجمعت بينها على الإكراه والقسوة، فبينا تبدؤه بالرد على كلمتي الثانية قبل ظهورها بهذه الجملة التي لا تقدم ولا تؤخر في الموضوع فتقول عني في تبرئة نفسك من السرقة التي ألبستك طوقها: (فكان حاله حال اللص الذي رأى صاحب الدار يمشي من بعد فصاح: مين اللي ماشي هناك)، ثم تعقب هذه بقولك: (إني أشعر بالارتياح كلما تذكرت أن عندي ذخائر يتطلع إليها الناهبون من الفضلاء) سبحان المنان الوهاب! وعلى هذا الغرار من قرع طبلك تقول عني (فليواجهني إن استطاع وأنا ماض إليه بقلم أمضى من السيف وأعنف من القضاء)، وستعرف أينا الذي يستطيع، وأينا الذي سيكون قلمه أمضى من السيف. أما أن قلمك أعنف من القضاء فمعاذ الله أن أشاركك هذا الكفران وقد علمت عن ابن دريد الذي تحدثت عنه في نظريتك المزعومة، أن تلميذه أبا علي القالي قال: (لما أصيب بالفالج كنت أدخل عليه فيتألم من دخولي فأقول: إن الله تعالى لم يبتله بذلك إلا عقاباً على قوله يخاطب الدهر وليس الدهر إلا الله:

مارست من لو هَوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا

إذا بك تنتقل إلى أن كامل المبرد على ما به من فضل قد حرف وصحف وصار في حاجة إلى إصلاح، وإني لن أكون المصلح المنشود لأني لم أوهب نعمة الذوق الأدبي التي لا يظفر بها من كل جيل إلا آحاد، وأنت طبعاً من هؤلاء الآحاد إن لم تكن أوحدهم. ثم تقول كان المصلح المنشود له شيخنا العظيم سيد بن علي المرصفي وهو طبعاً من الآحاد الذين رزقوا نعمة الذوق الأدبي

والآن أقدم للجمهور شيئاً من أشياء أعرفها للشيخ المرصفي برهاناً واضحاً على أن الذوق الأدبي كثيراً ما خانه في أبسط مظاهره، ذلك الشيء هو أبيات جاء بها المبرد في الهجاء الموجع فجعلها المرصفي في شرحه من المدح البالغ. ولو كان المبرد يعلم أن ذوقه إلى هذا الحد لأنقذه وصرح بأنها هجاء. وهاهي الأبيات وتحتها شرح الشيخ من غير تعليق (صفحة 132 ج 4)

قال أبو العباس المبرد: ومما يستحسن من شعر إسحاق هذا - يريد ابن خلف - قوله في الحسن بن سهل:

باب الأمير عراء ما به أحد ... إلا امرؤُ واضع كفاً على ذقن

قالت وقد أملت ما كنت آمله ... هذا الأمير ابن سهل حاتم اليمن

كفيتك الناس لا تلقي أخا طلب ... بفيء دارك يستعدي على الزمن

إن الرجاء الذي قد كنت آمله ... وضعته ورجاء الناس في كفن

في الله منه وجدوى كفه خلف ... ليس السدى والندى في راحة الحسن

وإلى القارئين كل ما قال الشيخ المرصفي في شرحها بنصه وصورته، قال - وقاه الله شر تلميذه الدكتور زكي مبارك -: (في الحسن بن سهل) بن عبد الله السرخسي وزير المأمون بعد أخيه الفضل بن سهل (باب الأمير) كأنه يريد أميراً غير الحسن (لا تلقي أخا طلب الخ. . .). تريد إن استجديته أغناك، فلا تجد غريماً يطلبك (ليس السدى) يريد إلا رجاء السدى، وهو ندى الليل، (والندى): ندى النهار ضربهما مثلاً لجوده، وقد أخر هذا الاستثناء عن موضعه فثقل. . . انتهى شرح الشيخ، فما رأيك فيه يا دكتور، إن كنت ممن وهبوا نعمة الذوق الأدبي؟ وهل لا تزال مصرَّا على أن المرصفي قضى حياته يراوح المبرد ويغاديه بالنظر الثاقب والفهم العميق؟ أما أني أتقوّل على المرصفي لأنه مات وشبع من الموت وهذا لا ينبغي، فهي دعوى لو عمل بها في الأدب، لمات الأدب وشبع من الموت كما تقول؟

وإذا بك تقحم الدكتور طه حسين في الموضوع بأنه أتعب نفسه في النيل من دار العلوم، ولم أغضب، مع أني أستاذ بها، وهذا غير ما كان يا دكتور، فقد كتبت في الصحف والمجلات،

ولكنك لم تقرأ، كما لم تعرف ما ضحيته ومازلت مستعداً لتضحيته في سبيل الدفاع عن دار العلوم؛ ثم توغل في الإقحام فتدعى أن علة سكوتي هي أن الدكتور طه يضر وينفع، ويملك المحو والإثبات في أعضاء بعض اللجان، وردي على هذه الأكذوبة عني وعن الدكتور أني لم أسكت، ومع هذا كنت عضواً في اللجان، وما ذنبي إذا كنت أُدعى وتترك، وأعرف وتنكر؟

فإذا بك تغادر الدكتور طه إلى الأزهريين، تحبط من قدرهم إذا لم ينصروك، وتسلبهم - كاذباً في الاثنتين - أبسط ما يعرف العلماء من أقدار الرجال فتقول: (لم يوجد في الأزهريين من يدرك قيمة الشيخ المرصفي غير الشيخ محمد عبده، وبموت الأستاذ الإمام أصبح المرصفي من الغرباء)؛ ثم تعود إلىَّ تتهمني بأني أريد الإعلان عن نفسي بالقدح في المرصفي، وتطالبني بدفع ثمن هذا الإعلان بلا إمهال، وما كان هذا القدح ولا ذاك الإعلان لي بمراد؛ أما الثمن، فأنا على نقده لك عاجلاً - كما تقول - ولكن فيما يبصر الناس بقدرك

ثم تشرد يا دكتور فتقول: (أنا أعرف أن دار العلوم مدرسة عالية، لا يزورها أحد من المفتشين إلا إن ظمئ إلى فنجان من القهوة يحتسيه في مكتب العميد أو مكتب الوكيل)؛ وتخرج منه إلى أن محاسبتي لذلك من العسير، والحق أني لست فاهماً ما تعني بهذا الشرود. أتريد أن يغير نظام التعليم، فيدخل التفتيش إلى التعليم العالي قلباً لأبسط مبادئ التعليم؟ أم تأمل إذا انقلبت الأوضاع أن تكون المفتش لدار العلوم؟ وإذا كورت الشمس وكان ما تريد، فهل تحملك رجلاك لتقوم بهذا الحساب؟ أضنك على علم في كل هذه الأسئلة بالجواب، كما أنك على جهل بأن الدرس الذي أعطيه في الجامعة الأمريكية، إنما هو في قسم من أقسامها العالية - ولولا ذلك لم أعطه - هو قسم الصحافة والأدب، وشأنه في ذلك شأن دار العلوم وسائر المعاهد العالية التي يشرف على الدراسة فيها: ضمير الأساتذة ورقابة الطلاب، وهما أدق تفتيش

وأخيراً تكثر من هذه الجملة (لا تشتمني يا سيد سباعي) معقباً إياها بتعاليل هي الأباطيل. فالشتائم أنت وأنا عن الشتم بعيد، وإذا كنت تلحن لي في ذلك بأنك (شتيم)، فأنا ألحن لك (بأني بشر ابن عوانة). وهاك تعليلاً منها ليس من الشتم، ولكن الشتم منه هو قولك لي: (فما أملك محاسبتك لو أردت الانتصاف لنفسي، وماذا أقول في تجريحك ولست بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب)؛ وأنا أقول إن لك في هذا أن تجاب:

فأما الشعر، فلو رضيت لنفسي ما قلته كما رضيت أنت ما قلت، لسويته ديواناً كما سويت، ولوقعت في الشرك كما وقعت، فقد اغتررت في طبع ديوانك بضحك من غرّروا بك، وخالفت قول من نصحوا لك، وما ديوانك بشعر شاعر، ولكنّه تجميع ناظم

وأما الكتابة، فها نحن في ميدانها على صفحات (الرسالة) نجول، وسيصدر الجمهور - إن لم يكن أصدر - حكمه فيها عما قريب

وأما التأليف، فقد عرفت من عملي فيه تهذيب الكامل، وستعرف غيره من مؤلفاتي متى انتهيت منه، وناقشنا فيه الآن، فاثبت ولا تفر من الميدان

أما الخطابة، فرأيي لك فيها يا دكتور أن نتلاقى في حلبتها أمام جمع من الأدباء وجمهرة من السامعين ويقترح على كلينا التكلم بداهة وارتجالاً في موضوع عام من أدب أو اجتماع، فهنالك وهنالك فقط - ولست مزكياً نفسي ولكني مدافع عنها - تجد بحراً يغمرك، وأمواجاً تقطعك وتبهرك، فتندم طالباً النجاة ولات حين مناص

إلى هنا أقف، وقد طال الكلام، مرجئاً الرد على ما وازنت فيه بين (الرغبة والتهذيب) وكل ما يتعلق بهما في المقال، وذلك لأن دفعه - كما ستعرف - لابد أن يسبق بكلمة مني عن الكتابين، تريك سوء ما زينت، وهنيئاً لك الآن نفاد الصفحات دون بقية الرد والهجوم.

السباعي بيومي



مجلة الرسالة - العدد 401
10 - 03 - 1941

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى