ليلى تباني - شيء من عطر أمي...

شيء من عطر أمي .......

ولدت أمي في حي السويقة بدار عرب اسمها دار "العطرة" والعطرة سيدة أرملة كانت تملك تلك الدار التي ورثتها عن زوجها المتوفى ... أقيم حفل عقب

ميلاد أمي التي اقترحت اللاّ العطرة على جدتي أن تسميها "فلة" على اسم الفل... احتفت كل النسوة في الدار وحتى في الحواري المجاورة ... حارة المهارسي وحارة الرود لاكوط بميلاد أمي لأنها البكر التي صرخت فور خلاص جدتي بعد مخاض عسير على يد القابلة الماهرة زهور ...كل بطون جدتي كانت تكلل بالحزن والخيبة بعد وفاة الجنين فور خروجه الى الحياة ...اقترحت جارتهم اليهودية جورجيت على جدتي أن يقام سبوع أمي بالبنوتات وهي من تتكفل بمصاريف الفرقة والسماط (تحلية ما بعد الغداء ...تجمع طبق الفواكه الموسمية و صحون الطبيخ والمحللبي والشريك والخشاف) في يوم السبوع ...أقام جدي عمار عقيقة محترمة بها ذبيحتان احداهما للبيت والجيران والاحباب والثانية لدار سيدي امحمد لغراب ..دار الحدادين كصدقة للزائرين والمحرومين ....قامت النسوة بالدار وعلى رأسهن اللا العطرة باعداد الوليمة و بعد الزوال خرجت النسوة رفقة جدتي التي كانت تحمل أمي في لفافة بيضاء قطنية ...مشين على مهل وسط ازقة السويقة الضيقة يتداولن على حمل فلة حتى وصلن الى مقام الولي الصالح "سيدي راشد " وهناك تم استكمال "التدويرة" وهي بمثابة استبراك و اخذ البركة من الولي الصالح حسب معتقداتهم آنذاك ...كانت جورجيت هي من تتزعم النسوة وتقود تحركاتهن ...جلسن في باحة المقام الواسعة المحاطة بشجيرات الياسمين وزهر الديدي (الجيرانيوم) المتدلية على جدران من الحجر والطوب ... تحدثن ما تيسر حتى جاءت خادمة المقام وادخلتهن ... فوزعن الطعام على كل من كان حاضرا ... ىواشعلن شموعا حول الضريح وطلين حناء على حوافه ... ثم همت جورجيت بلف قطعة كبيرة من القماش الابيض ووضعت المولودة "فلة" وسطها ثم رشقت قطعة نقدية ذهبية (لويزة) على رأس فلة وغمغمت بكلام لم تسمع النسوة منه الا بعدما جهرت قائلة :
_. بعدا بعدا .... انا رشقت المزيودة بالذهب ... وأنا اللي نحنيلها في زواجها ونرشقها بالعقيق ونعمرلها الفنيق ونلبسها الخلخال والشاشية بالحبحب....
هيهات .... لكن الله توفاها وامي تدرس بمدرسة فرنسية Collège Montesquieu.. تزوجت أمي و لم يبق من جورجيت سوى الذكرى الجميلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى