د. علي زين العابدين الحسيني - وهج الأصالة!

حدثني أحد مشايخ البادية من بني “مرة”، تلك القبيلة المشهورة، أنه كان في رحلة برية مع والده، يقرأ بصوت مرتفع نصًا شعريًا مضمخًا بروح الصحراء، متبوعًا بشرح للأستاذ الكبير الشريف محمود شاكر الحسيني. وكان البيت يصور أمرًا لا يدرك غوره إلا مَن عاش بين الأعراب، وتشرب عاداتهم، وعرف مسالكهم.

فلما سمع والده شرح الأستاذ محمود شاكر علاه الذهول وقال مستنكرًا: “هذا رجل سكن بين البدو وعاشرهم! وإلا فمن أين له هذا الفهم العميق؟” فلما أخبره ابنه أن الأستاذ محمود شاكر مصريّ النشأة، لم تزده الإجابة إلا عجبًا، ولم يزل في حيرته حتى قيل له: “لقد نشأ على دواوين شعراء الجاهلية، فوعاها وحفظها، حتى غدا كأنه واحد منهم، وإن لم تطأ قدمه ديارهم".

وقد كان في أخلاق أستاذي الأكبر #محمد_رجب_البيومي صفات أهل البادية التي نقرأ عنها في أشعار العرب من الرجولة والكرم والوفاء والشهامة وإباء الضيم وغيرها من الشمائل التي يروق لكل شخص أن يحرص عليها أو يتصف بها، وكانت آثار هذه الأخلاق بادية في معاملاته رغم أنه لم يكن له عهد بصحراء أو بادية؛ إذ عاش في مدينة "المنصورة" حاضرة الثقافة والرقيّ، وتنقل بين دمياط والزقازيق والقاهرة والفيوم وغيرها من المدن.

ويظهر لي أنّ تعلقه بالشعر العربي القديم هو سبب ذلك، فليس بلازم أن يكون المتصف بصفات أهل البادية أن يكون ساكناً في صحراء؛ لأنّ العواطف الوجدانية تلحق بالشخص من كثرة القراءة والتعلق بمثل هذه البيئات، ويمكن أن تكون فترة إقامته بالرياض إبان عمله بجامعة الإمام محمد بن سعود قد صقلت هذه العواطف، ووقف على حقيقة حياة البادية كما قرأها في أشعار الجاهلية.

وقد كتب تلميذه عبدالله الجعيثن مقالًا بعنوان "بين محمد البيومي ومحمد بن مسلم في رثاء الزوجة" في "جريدة الرياض" بتاريخ 13 يوليو2009م، وفيه يقول:

"أما الدكتور محمد رجب البيومي فقد كان أستاذاً لنا في كلية اللغة العربية (أستاذ الأدب العربي) وكان رقيقاً حساساً كريم الشمائل، ونشأت بيني وبينه صداقة، رغم أنه أستاذ وأنا تلميذ، وكان يسكن في شقة في دخنة ومعه زوجته التي يحبها جداً، وأطفاله الصغار.

كنت أحياناً أمرُّ عليه بسيارتي (الأوبل) وقتها فيطلب مني أن أخرج به إلى صحراء نجد التي أحبها قبل أن يراها، لكثرة ما قال الشعراء فيها من غزل وهيام.

وخرجت به مرة إلى صحراء الصُّمَّان فكان يعرف مرابعها أكثر مني وينشد الأشعار التي قيلت فيها بصوته الجميل".


د. علي زين العابدين الحسيني - كاتب أزهري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى