من انتخابات التشريعي إلى توافق الوطني... من يبقى صاحب الحق؟
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
الهواتف تعمل.
اسم يدخل إلى القائمة، وآخر يعتذر، وثالث يطلب وقتًا للتفكير.
عزام أبو بكر يبحث عن أصحاب السمعة الوطنية واليد النظيفة. قدورة فارس يعمل على قائمة مستقلة. ناصر القدوة يجري اتصالات من أجل قائمة وطنية أوسع. وفي أماكن أخرى تتحرك شخصيات ومجموعات وتحالفات، بعضها بعيد عن الفصائل التقليدية، وبعضها خرج من داخلها ولم يعد يجد لنفسه مكانًا فيها.
لا أشك في النوايا الوطنية لكثيرين منهم.
بعضهم يريد أن يمنع إعادة إنتاج المجلس القديم بوجوه جديدة. وبعضهم يخشى أن يهندس المجلس القادم من هندس المرحلة وممثليها. وبعضهم يرى أن الفرصة، إن جاءت، قد لا تتكرر.
لكن الجميع تقريبًا يبحث عن شيء واحد.
عن تلك المساحة الواسعة التي ظهرت في استطلاعات الرأي ولم تمنح نفسها لأحد.
نحو أربعين في المئة قالوا: لا أحد،
أو لا نعرف.
وفجأة أصبح هؤلاء أغلى أرض انتخابية في فلسطين.
الجميع يريد أصواتهم.
لكن من يسمع أصواتهم؟
توقفت طويلًا أمام هذا السؤال.
قال لي صديق إنني أبحث عن مدينة أفلاطون الفاضلة عندما أقول إن المجتمع يجب أن يشارك في اختيار مرشحيه.
وقال آخر إن أعرق الديمقراطيات في العالم لم تصل إلى ما أطالب به.
ربما.
فالمال يدخل الانتخابات، والأحزاب تختار، ومراكز النفوذ تدفع، والإعلام يصنع صور المرشحين، والعائلة والمصلحة والانتماء كلها تدخل إلى الصندوق قبل أن تصل إليه الورقة.
لا توجد ديمقراطية نقية.
ولا أبحث عنها.
أنا أسأل عن شيء أبسط بكثير:
لماذا يكون المجتمع آخر من يدخل إلى عملية اختيار من سيمثله؟
عندما يتصل عزام بشخصية يثق بنظافة يدها، فهو يفعل ذلك بحسن نية. وعندما يجمع قدورة فارس أسماء يعتقد أنها قادرة على التغيير، أو يسعى ناصر القدوة إلى بناء قائمة وطنية، فهؤلاء يتحركون في مساحة سياسية مشروعة.
المشكلة ليست في عزام، ولا في قدورة، ولا في ناصر.
المشكلة في اتجاه الطريق نفسه.
نحن نختار الأسماء، ثم نذهب بها إلى المجتمع ونقول له: اختر.
فهل اختار فعلًا؟
أم اختار ممن اخترناهم له؟
ربما لا تحتاج الإجابة إلى مدينة فاضلة.
تحتاج فقط إلى أن نعكس اتجاه الطريق.
أن تسأل الجامعة من تثق به قبل أن يضع الحزب اسم الأكاديمي في قائمته. أن يقول العمال من يمثلهم، والمزارعون من يعرف أرضهم، وأن تتحدث النقابات والاتحادات والقرى والمخيمات والقطاعات الثقافية والنسوية والشبابية والمهنية، وأن تكون هناك طرق تسمح للمجتمع بأن ينتج أسماءه، لا أن ينتظر حتى تصله القوائم جاهزة.
ليس المطلوب إلغاء الأحزاب.
فالمجتمع الذي بلا سياسة لا ينتج ديمقراطية، بل فراغًا.
وليس المطلوب إلغاء الفصائل من التاريخ الفلسطيني، أو مطالبتها بأن تتخلى عن حقها في تقديم برامجها ومرشحيها.
المطلوب ألا تكون هي بداية الطريق ونهايته معًا.
أن تصعد بعض الأسماء من المجتمع إلى السياسة، بدل أن تنزل جميع الأسماء من السياسة إلى المجتمع.
لكن بينما تنشغل الهواتف بالأسماء، يتحرك المشهد نفسه تحت أقدام الجميع.
جبريل الرجوب يرى أن الرئاسية ينبغي أن تسبق التشريعية، ويتحدث عن التوافق على شخصية وطنية للرئاسة، ويشكك في إمكان إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها.
حزب الشعب يضع سؤالًا مختلفًا: الانتخابات ليست صندوقًا فقط، بل لها وظيفة سياسية، ويجب أن ترتبط بوحدة الولاية السياسية في الضفة بما فيها القدس وقطاع غزة، وبحكومة واحدة، وبحماية منظمة التحرير وتطويرها.
والجهاد الإسلامي يقول إنه لن يقدم مرشحين، لكنه مستعد لدعم قائمة وطنية تحظى بتوافق الفصائل، ويريد أن تسبق الانتخابات تفاهمات على إصلاح منظمة التحرير وإعادة بنائها.
هذا يبحث عن قائمة.
وذاك يبحث عن رئيس.
وثالث يبحث عن توافق.
ورابع يريد إعادة بناء المنظمة.
وفي أماكن أخرى تُفتح أبواب كانت مغلقة، وتتحرك تيارات وقوى وشخصيات، ويعود الحديث عن الشراكة وعن جمع ما فرقته سنوات الخصومة.
المشهد يتحرك بسرعة.
لكن صاحب الشرعية ما زال في المكان نفسه.
المجتمع.
أثارت انتباهي خلال أحد النقاشات عبارة كتبها الصديق د. أمين كعابنة:
«فلسطين لا تحتاج إلى رجل ثان بقدر حاجتها إلى مشروع أول.»
العبارة تزيح الرجال قليلًا عن الكادر.
وهذا ما نحتاجه.
لكنها تفتح سؤالًا أصعب:
من يصنع المشروع الأول؟
يمكن لفتح أن تقدم مشروعها، ولحماس مشروعها، وللجهاد مشروعه، ولليسار والتيارات الإصلاحية والمستقلين أن يقول كل منهم إن لديه الطريق الأكثر قدرة على إنقاذ المرحلة.
وهذا حقهم.
لكن المشروع الوطني الجامع لا يصبح جامعًا لأن أصحابه كتبوا هذه العبارة على غلافه.
كما أن الحامل السياسي لا يصبح وطنيًا لأنه جمع أسماء من أكثر من فصيل ووضعها حول طاولة واحدة.
هنا تذكرت ما كتبته الصديقة د. غانية ملحيس في النقاش نفسه عن الانتقال من ثقافة تسأل: «مع من أنت؟» إلى ثقافة تسأل: «ماذا نستطيع أن نفعل معًا من أجل فلسطين؟».
هذه ليست مسألة أخلاقية فقط.
إنها مسألة سياسية.
فنحن لا نحتاج إلى متطابقين.
نحتاج إلى مختلفين يستطيعون حمل شيء مشترك.
الحامل السياسي ليس عشرين اسمًا نظيفًا في قائمة.
وليس خمسة فصائل في صورة جماعية.
وليس وثيقة يوقع عليها الأمناء العامون ثم تعود إلى الأدراج.
الحامل السياسي يبدأ عندما يجد المجتمع طريقه إلى القرار، ويجد المشروع قوة تحمله، ويعرف الممثل أن المقعد الذي وصل إليه ليس ملكه ولا ملك فصيله، وأن هناك من منحه الشرعية وهناك من يستطيع أن يحاسبه عليها.
ثم هناك احتمال لا يستطيع أحد تجاهله.
ماذا لو لم تجر الانتخابات التشريعية أصلًا؟
ماذا لو تأجلت؟
ماذا لو تقدم عليها المجلس الوطني؟
وماذا لو وجدنا أنفسنا، بعد كل هذه القوائم والاتصالات والتحالفات، أمام مجلس وطني يجري تشكيله بالتوافق؟
عندها ستتوقف بعض الهواتف.
وستذهب أوراق كثيرة إلى الأدراج.
وقد يجد الذين أمضوا وقتهم في البحث عن المرشحين أن الملعب الذي كانوا يستعدون لدخوله قد تغير.
لكن السؤال لن يتغير.
من يختار؟
فإذا تعذر أن ينتخب المجتمع ممثليه، لا يعني ذلك أن تستعيد الفصائل حق اختيارهم نيابة عنه.
وإذا كان لا بد من التوافق، فلماذا لا يكون المجتمع حاضرًا قبل التوافق؟
لتقدم الجامعات والنقابات والقطاعات المهنية والثقافية والشبابية والمخيمات والتجمعات الاجتماعية أسماءها.
وليكن للفصائل حقها في النقاش والتفاوض والتوافق.
لكن ليضع المجتمع الأسماء أمام الفصائل، لا أن تضع الفصائل أسماءها أمام المجتمع.
فالتوافق بين الفصائل لا يساوي تلقائيًا توافقًا وطنيًا.
الفصائل جزء من المجتمع الفلسطيني.
وليست بديلًا عنه.
ثم هناك من لا يظهر أصلًا في صورة الانتخابات التشريعية.
الفلسطيني الذي يعيش خارج فلسطين.
ليس كتلة واحدة، ولا يعيش ظرفًا واحدًا، ولا يحمل وثيقة واحدة، ولا يفكر بالطريقة نفسها.
بعضه يعيش في مخيم، وبعضه يحمل جنسية البلد الذي يقيم فيه، وبعضه ولد بعيدًا ولم ير فلسطين إلا في حكايات البيت، وبعضه ما زالت عائلته موزعة بين الوطن والمنفى، وما زالت له ذاكرة وقرابة وبيت وأرض وموقف في القضية التي حمل اسمها معه.
حين نتحدث عن المجلس التشريعي قد تحاصرنا الجغرافيا.
أما حين نتحدث عن المجلس الوطني، فلا يجوز أن تحاصرنا.
فهذا المجلس، إن بقي مجلسًا وطنيًا حقًا، لا يمثل من استطاع الوصول إلى صندوق في الضفة وغزة فقط.
إنه يفترض أن يمثل شعبًا فرّقته الجغرافيا ولم تُسقط عنه الغربة حقه في وطنه.
وهنا تدخل السياسة.
قد تكون مشاركة تجمع فلسطيني كبير حساسة في مكان، وصعبة في مكان آخر، وغير مرغوبة سياسيًا في مكان ثالث. وقد تكون بعض التجمعات أكثر نقدًا للسلطة أو أكثر قربًا من خيار سياسي لا يروق لهذا الطرف أو ذاك.
لكن هذه ليست أسبابًا لإخراجها من الشعب.
فالتمثيل الوطني لا يُفصّل على مقاس الموقف السياسي.
ولا يجوز أن نختار من المجتمع الجزء الذي تعجبنا خياراته، ثم نسمي الناتج مجلسًا يمثل الجميع.
وإذا تعذر الاقتراع في مكان، فهناك وسائل أخرى للتشاور والترشيح والتمثيل يمكن ابتكارها.
المشكلة ليست أن الظروف متباينة.
المشكلة أن تتحول الظروف إلى ذريعة لانتقاء من يشارك ومن يغيب.
فالهندسة السياسية للمجلس لا تبدأ دائمًا باختيار الأشخاص.
قد تبدأ قبل ذلك بكثير:
باختيار أي فلسطيني يُسمح له أن يكون حاضرًا عندما تُختار الأسماء.
حين نقول إن المجتمع يجب أن يشارك في اختيار ممثليه، فنحن لا نقصد مجتمع الضفة وحده، ولا غزة وحدها، ولا المخيم وحده، ولا المهاجر وحدها.
نقصد الفلسطيني حيث يكون.
لأن المجلس الذي يحمل اسم «الوطني» إما أن يرى الشعب كله، بتعدد أماكنه ومواقفه واجتهاداته، أو أن يتحول الاسم نفسه إلى أكبر من التمثيل الذي يحمله.
لكن حتى هذا لا يكفي.
لنفترض أننا فعلناها.
جاء أصحاب السمعة النظيفة.
ودخلت الكفاءات.
وشارك المجتمع في اختيار الأسماء.
وامتلأت قاعة المجلس الوطني بأفضل من نستطيع أن نقدم.
ثم ماذا؟
على ماذا سيجلس هؤلاء؟
وأي مشروع سيحملون؟
وأي منظمة تحرير يريدون إعادة بنائها؟
هنا يصبح السؤال أقدم من الانتخابات وأحدث منها في الوقت نفسه.
هناك الميثاق القومي الذي بدأت منه المنظمة، والميثاق الوطني الذي حمل مشروعها في مرحلة أخرى، ثم تحولات وبرامج وقرارات سياسية عبرت بنا من زمن الثورة إلى زمن التسوية، ومن المنظمة إلى السلطة، ومن أوسلو إلى الانقسام، ومن الانقسام إلى اللحظة التي نقف أمامها اليوم.
فإذا كنا أمام إعادة بناء المجلس الوطني، فلا يكفي أن نعرف عدد المقاعد.
نريد أن نعرف الطريق.
أي برنامج وطني سيجمع من سيجلسون فيها؟
ما العلاقة بين التحرر والدولة؟
بين المنظمة والسلطة؟
بين الوطن والشتات؟
بين غزة والضفة والقدس؟
وأي تفويض نريد من الفلسطيني أن يمنحه لمن سيمثله؟
هذه ليست أسئلة تاريخ.
إنها أسئلة صباح اليوم التالي لتشكيل المجلس.
لأن المجلس الوطني ليس قاعة فارغة تحتاج إلى أجساد كي تمتلئ.
ومنظمة التحرير ليست جدول حصص يحتاج إلى آلة حاسبة.
هنا أعود إلى نحو الأربعين في المئة.
وربما أخطئ أصلًا حين أسميهم كتلة.
فهم ليسوا حزبًا.
ولا يقفون في طابور واحد.
فيهم الغاضب والمحبط والمتردد. وفيهم من ترك فصيله ولم يترك فكرته. وفيهم الشاب الذي لم يجد نفسه في أي من الوجوه القديمة. وفيهم من يعرف تمامًا من لا يريد، لكنه لم يجد بعد من يريد.
الجميع ينظر إليهم باعتبارهم أصواتًا محتملة.
فتح تريد جزءًا منهم.
حماس تريدهم.
القوائم المستقلة تبحث عنهم.
والتحالفات الجديدة تراهن عليهم.
ومن يعمل على قوائم نظيفة اليد يعتقد، بحق ربما، أن هؤلاء يبحثون عن وجوه مختلفة.
لكن ماذا لو لم يكونوا يبحثون عن وجه جديد فقط؟
ماذا لو كان جزء منهم يبحث عن طريقة جديدة ليكون حاضرًا في السياسة نفسها؟
ماذا لو لم تكن المشكلة فقط في الأسماء المعروضة، بل في العرض السياسي كله؟
هنا يصبح السؤال أكبر من الانتخابات.
أنا لا أبحث عن مدينة أفلاطون.
فالمدينة التي أعيش فيها ليست فاضلة، ولا المجتمع الذي أنتمي إليه بلا أخطاء، ولا السياسة يمكن تنظيفها حتى تصبح بلا مصالح وصراعات.
وأعرف أن المجتمع نفسه قد يختار خطأ.
وقد ينتخب من لا يستحق.
وقد تؤثر فيه العائلة والمال والعاطفة والخوف.
لكن الديمقراطية لم تكن يومًا ضمانة أن يختار الناس الصحيح.
إنها ضمانة ألا يحتكر أحد حق الاختيار عنهم.
لهذا لا أطلب أن يكتب ملايين الفلسطينيين قائمة واحدة.
ولا أن يجتمعوا على برنامج واحد.
أنا أطلب شيئًا أقل مثالية وأكثر صعوبة:
أن نستعيد اتجاه الشرعية.
أن تبدأ من المجتمع وتصعد.
لا أن تبدأ من الغرفة وتنزل إليه.
قد تجري الانتخابات في موعدها.
وقد تؤجل.
وقد تبدأ بالرئاسة بدل التشريعي.
وقد نذهب إلى المجلس الوطني.
وقد يصبح التوافق هو المخرج الأخير.
كل ذلك ممكن.
لكن ما لا ينبغي أن يتغير مع تغير السيناريو هو صاحب الحق.
فإذا انتخبنا، يجب ألا يكون المجتمع مجرد ناخب لأسماء صنعها الآخرون.
وإذا توافقنا، يجب ألا يصبح المجتمع موضوعًا لتوافق الفصائل بدل أن يكون شريكًا فيه.
وإذا أعدنا بناء منظمة التحرير، فلا يكفي أن نغير من يجلس في مقاعدها قبل أن نعرف أي مشروع سيحملها.
نحن لا نفتقد الرجال.
ولا نفتقد الوثائق.
وربما لا نفتقد حتى النوايا الحسنة.
ما نفتقده هو الطريق الذي يصل المجتمع بالممثل، والممثل بالمشروع، والمشروع بحامل سياسي قادر على تحويله إلى فعل.
فالشرعية ليست اسمًا نظيفًا في مقعد.
وليست حصة عادلة لفصيل.
وليست توقيعًا في أسفل ورقة توافق.
الشرعية علاقة بين مجتمع يشارك في الاختيار، وممثل يعرف ممن أخذ تفويضه، ومشروع يعرف الاثنان إلى أين يريدان أن يأخذا فلسطين.
وإلا سنغيّر الوجوه.
ونرتب المقاعد.
ونرفع الستار.
ثم تضاء الشاشة...
فنكتشف أننا غيّرنا الممثلين،
وأبقينا الفيلم القديم.
يحيى بركات
رام الله – 29 آب / أغسطس 2026
-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
الهواتف تعمل.
اسم يدخل إلى القائمة، وآخر يعتذر، وثالث يطلب وقتًا للتفكير.
عزام أبو بكر يبحث عن أصحاب السمعة الوطنية واليد النظيفة. قدورة فارس يعمل على قائمة مستقلة. ناصر القدوة يجري اتصالات من أجل قائمة وطنية أوسع. وفي أماكن أخرى تتحرك شخصيات ومجموعات وتحالفات، بعضها بعيد عن الفصائل التقليدية، وبعضها خرج من داخلها ولم يعد يجد لنفسه مكانًا فيها.
لا أشك في النوايا الوطنية لكثيرين منهم.
بعضهم يريد أن يمنع إعادة إنتاج المجلس القديم بوجوه جديدة. وبعضهم يخشى أن يهندس المجلس القادم من هندس المرحلة وممثليها. وبعضهم يرى أن الفرصة، إن جاءت، قد لا تتكرر.
لكن الجميع تقريبًا يبحث عن شيء واحد.
عن تلك المساحة الواسعة التي ظهرت في استطلاعات الرأي ولم تمنح نفسها لأحد.
نحو أربعين في المئة قالوا: لا أحد،
أو لا نعرف.
وفجأة أصبح هؤلاء أغلى أرض انتخابية في فلسطين.
الجميع يريد أصواتهم.
لكن من يسمع أصواتهم؟
توقفت طويلًا أمام هذا السؤال.
قال لي صديق إنني أبحث عن مدينة أفلاطون الفاضلة عندما أقول إن المجتمع يجب أن يشارك في اختيار مرشحيه.
وقال آخر إن أعرق الديمقراطيات في العالم لم تصل إلى ما أطالب به.
ربما.
فالمال يدخل الانتخابات، والأحزاب تختار، ومراكز النفوذ تدفع، والإعلام يصنع صور المرشحين، والعائلة والمصلحة والانتماء كلها تدخل إلى الصندوق قبل أن تصل إليه الورقة.
لا توجد ديمقراطية نقية.
ولا أبحث عنها.
أنا أسأل عن شيء أبسط بكثير:
لماذا يكون المجتمع آخر من يدخل إلى عملية اختيار من سيمثله؟
عندما يتصل عزام بشخصية يثق بنظافة يدها، فهو يفعل ذلك بحسن نية. وعندما يجمع قدورة فارس أسماء يعتقد أنها قادرة على التغيير، أو يسعى ناصر القدوة إلى بناء قائمة وطنية، فهؤلاء يتحركون في مساحة سياسية مشروعة.
المشكلة ليست في عزام، ولا في قدورة، ولا في ناصر.
المشكلة في اتجاه الطريق نفسه.
نحن نختار الأسماء، ثم نذهب بها إلى المجتمع ونقول له: اختر.
فهل اختار فعلًا؟
أم اختار ممن اخترناهم له؟
ربما لا تحتاج الإجابة إلى مدينة فاضلة.
تحتاج فقط إلى أن نعكس اتجاه الطريق.
أن تسأل الجامعة من تثق به قبل أن يضع الحزب اسم الأكاديمي في قائمته. أن يقول العمال من يمثلهم، والمزارعون من يعرف أرضهم، وأن تتحدث النقابات والاتحادات والقرى والمخيمات والقطاعات الثقافية والنسوية والشبابية والمهنية، وأن تكون هناك طرق تسمح للمجتمع بأن ينتج أسماءه، لا أن ينتظر حتى تصله القوائم جاهزة.
ليس المطلوب إلغاء الأحزاب.
فالمجتمع الذي بلا سياسة لا ينتج ديمقراطية، بل فراغًا.
وليس المطلوب إلغاء الفصائل من التاريخ الفلسطيني، أو مطالبتها بأن تتخلى عن حقها في تقديم برامجها ومرشحيها.
المطلوب ألا تكون هي بداية الطريق ونهايته معًا.
أن تصعد بعض الأسماء من المجتمع إلى السياسة، بدل أن تنزل جميع الأسماء من السياسة إلى المجتمع.
لكن بينما تنشغل الهواتف بالأسماء، يتحرك المشهد نفسه تحت أقدام الجميع.
جبريل الرجوب يرى أن الرئاسية ينبغي أن تسبق التشريعية، ويتحدث عن التوافق على شخصية وطنية للرئاسة، ويشكك في إمكان إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها.
حزب الشعب يضع سؤالًا مختلفًا: الانتخابات ليست صندوقًا فقط، بل لها وظيفة سياسية، ويجب أن ترتبط بوحدة الولاية السياسية في الضفة بما فيها القدس وقطاع غزة، وبحكومة واحدة، وبحماية منظمة التحرير وتطويرها.
والجهاد الإسلامي يقول إنه لن يقدم مرشحين، لكنه مستعد لدعم قائمة وطنية تحظى بتوافق الفصائل، ويريد أن تسبق الانتخابات تفاهمات على إصلاح منظمة التحرير وإعادة بنائها.
هذا يبحث عن قائمة.
وذاك يبحث عن رئيس.
وثالث يبحث عن توافق.
ورابع يريد إعادة بناء المنظمة.
وفي أماكن أخرى تُفتح أبواب كانت مغلقة، وتتحرك تيارات وقوى وشخصيات، ويعود الحديث عن الشراكة وعن جمع ما فرقته سنوات الخصومة.
المشهد يتحرك بسرعة.
لكن صاحب الشرعية ما زال في المكان نفسه.
المجتمع.
أثارت انتباهي خلال أحد النقاشات عبارة كتبها الصديق د. أمين كعابنة:
«فلسطين لا تحتاج إلى رجل ثان بقدر حاجتها إلى مشروع أول.»
العبارة تزيح الرجال قليلًا عن الكادر.
وهذا ما نحتاجه.
لكنها تفتح سؤالًا أصعب:
من يصنع المشروع الأول؟
يمكن لفتح أن تقدم مشروعها، ولحماس مشروعها، وللجهاد مشروعه، ولليسار والتيارات الإصلاحية والمستقلين أن يقول كل منهم إن لديه الطريق الأكثر قدرة على إنقاذ المرحلة.
وهذا حقهم.
لكن المشروع الوطني الجامع لا يصبح جامعًا لأن أصحابه كتبوا هذه العبارة على غلافه.
كما أن الحامل السياسي لا يصبح وطنيًا لأنه جمع أسماء من أكثر من فصيل ووضعها حول طاولة واحدة.
هنا تذكرت ما كتبته الصديقة د. غانية ملحيس في النقاش نفسه عن الانتقال من ثقافة تسأل: «مع من أنت؟» إلى ثقافة تسأل: «ماذا نستطيع أن نفعل معًا من أجل فلسطين؟».
هذه ليست مسألة أخلاقية فقط.
إنها مسألة سياسية.
فنحن لا نحتاج إلى متطابقين.
نحتاج إلى مختلفين يستطيعون حمل شيء مشترك.
الحامل السياسي ليس عشرين اسمًا نظيفًا في قائمة.
وليس خمسة فصائل في صورة جماعية.
وليس وثيقة يوقع عليها الأمناء العامون ثم تعود إلى الأدراج.
الحامل السياسي يبدأ عندما يجد المجتمع طريقه إلى القرار، ويجد المشروع قوة تحمله، ويعرف الممثل أن المقعد الذي وصل إليه ليس ملكه ولا ملك فصيله، وأن هناك من منحه الشرعية وهناك من يستطيع أن يحاسبه عليها.
ثم هناك احتمال لا يستطيع أحد تجاهله.
ماذا لو لم تجر الانتخابات التشريعية أصلًا؟
ماذا لو تأجلت؟
ماذا لو تقدم عليها المجلس الوطني؟
وماذا لو وجدنا أنفسنا، بعد كل هذه القوائم والاتصالات والتحالفات، أمام مجلس وطني يجري تشكيله بالتوافق؟
عندها ستتوقف بعض الهواتف.
وستذهب أوراق كثيرة إلى الأدراج.
وقد يجد الذين أمضوا وقتهم في البحث عن المرشحين أن الملعب الذي كانوا يستعدون لدخوله قد تغير.
لكن السؤال لن يتغير.
من يختار؟
فإذا تعذر أن ينتخب المجتمع ممثليه، لا يعني ذلك أن تستعيد الفصائل حق اختيارهم نيابة عنه.
وإذا كان لا بد من التوافق، فلماذا لا يكون المجتمع حاضرًا قبل التوافق؟
لتقدم الجامعات والنقابات والقطاعات المهنية والثقافية والشبابية والمخيمات والتجمعات الاجتماعية أسماءها.
وليكن للفصائل حقها في النقاش والتفاوض والتوافق.
لكن ليضع المجتمع الأسماء أمام الفصائل، لا أن تضع الفصائل أسماءها أمام المجتمع.
فالتوافق بين الفصائل لا يساوي تلقائيًا توافقًا وطنيًا.
الفصائل جزء من المجتمع الفلسطيني.
وليست بديلًا عنه.
ثم هناك من لا يظهر أصلًا في صورة الانتخابات التشريعية.
الفلسطيني الذي يعيش خارج فلسطين.
ليس كتلة واحدة، ولا يعيش ظرفًا واحدًا، ولا يحمل وثيقة واحدة، ولا يفكر بالطريقة نفسها.
بعضه يعيش في مخيم، وبعضه يحمل جنسية البلد الذي يقيم فيه، وبعضه ولد بعيدًا ولم ير فلسطين إلا في حكايات البيت، وبعضه ما زالت عائلته موزعة بين الوطن والمنفى، وما زالت له ذاكرة وقرابة وبيت وأرض وموقف في القضية التي حمل اسمها معه.
حين نتحدث عن المجلس التشريعي قد تحاصرنا الجغرافيا.
أما حين نتحدث عن المجلس الوطني، فلا يجوز أن تحاصرنا.
فهذا المجلس، إن بقي مجلسًا وطنيًا حقًا، لا يمثل من استطاع الوصول إلى صندوق في الضفة وغزة فقط.
إنه يفترض أن يمثل شعبًا فرّقته الجغرافيا ولم تُسقط عنه الغربة حقه في وطنه.
وهنا تدخل السياسة.
قد تكون مشاركة تجمع فلسطيني كبير حساسة في مكان، وصعبة في مكان آخر، وغير مرغوبة سياسيًا في مكان ثالث. وقد تكون بعض التجمعات أكثر نقدًا للسلطة أو أكثر قربًا من خيار سياسي لا يروق لهذا الطرف أو ذاك.
لكن هذه ليست أسبابًا لإخراجها من الشعب.
فالتمثيل الوطني لا يُفصّل على مقاس الموقف السياسي.
ولا يجوز أن نختار من المجتمع الجزء الذي تعجبنا خياراته، ثم نسمي الناتج مجلسًا يمثل الجميع.
وإذا تعذر الاقتراع في مكان، فهناك وسائل أخرى للتشاور والترشيح والتمثيل يمكن ابتكارها.
المشكلة ليست أن الظروف متباينة.
المشكلة أن تتحول الظروف إلى ذريعة لانتقاء من يشارك ومن يغيب.
فالهندسة السياسية للمجلس لا تبدأ دائمًا باختيار الأشخاص.
قد تبدأ قبل ذلك بكثير:
باختيار أي فلسطيني يُسمح له أن يكون حاضرًا عندما تُختار الأسماء.
حين نقول إن المجتمع يجب أن يشارك في اختيار ممثليه، فنحن لا نقصد مجتمع الضفة وحده، ولا غزة وحدها، ولا المخيم وحده، ولا المهاجر وحدها.
نقصد الفلسطيني حيث يكون.
لأن المجلس الذي يحمل اسم «الوطني» إما أن يرى الشعب كله، بتعدد أماكنه ومواقفه واجتهاداته، أو أن يتحول الاسم نفسه إلى أكبر من التمثيل الذي يحمله.
لكن حتى هذا لا يكفي.
لنفترض أننا فعلناها.
جاء أصحاب السمعة النظيفة.
ودخلت الكفاءات.
وشارك المجتمع في اختيار الأسماء.
وامتلأت قاعة المجلس الوطني بأفضل من نستطيع أن نقدم.
ثم ماذا؟
على ماذا سيجلس هؤلاء؟
وأي مشروع سيحملون؟
وأي منظمة تحرير يريدون إعادة بنائها؟
هنا يصبح السؤال أقدم من الانتخابات وأحدث منها في الوقت نفسه.
هناك الميثاق القومي الذي بدأت منه المنظمة، والميثاق الوطني الذي حمل مشروعها في مرحلة أخرى، ثم تحولات وبرامج وقرارات سياسية عبرت بنا من زمن الثورة إلى زمن التسوية، ومن المنظمة إلى السلطة، ومن أوسلو إلى الانقسام، ومن الانقسام إلى اللحظة التي نقف أمامها اليوم.
فإذا كنا أمام إعادة بناء المجلس الوطني، فلا يكفي أن نعرف عدد المقاعد.
نريد أن نعرف الطريق.
أي برنامج وطني سيجمع من سيجلسون فيها؟
ما العلاقة بين التحرر والدولة؟
بين المنظمة والسلطة؟
بين الوطن والشتات؟
بين غزة والضفة والقدس؟
وأي تفويض نريد من الفلسطيني أن يمنحه لمن سيمثله؟
هذه ليست أسئلة تاريخ.
إنها أسئلة صباح اليوم التالي لتشكيل المجلس.
لأن المجلس الوطني ليس قاعة فارغة تحتاج إلى أجساد كي تمتلئ.
ومنظمة التحرير ليست جدول حصص يحتاج إلى آلة حاسبة.
هنا أعود إلى نحو الأربعين في المئة.
وربما أخطئ أصلًا حين أسميهم كتلة.
فهم ليسوا حزبًا.
ولا يقفون في طابور واحد.
فيهم الغاضب والمحبط والمتردد. وفيهم من ترك فصيله ولم يترك فكرته. وفيهم الشاب الذي لم يجد نفسه في أي من الوجوه القديمة. وفيهم من يعرف تمامًا من لا يريد، لكنه لم يجد بعد من يريد.
الجميع ينظر إليهم باعتبارهم أصواتًا محتملة.
فتح تريد جزءًا منهم.
حماس تريدهم.
القوائم المستقلة تبحث عنهم.
والتحالفات الجديدة تراهن عليهم.
ومن يعمل على قوائم نظيفة اليد يعتقد، بحق ربما، أن هؤلاء يبحثون عن وجوه مختلفة.
لكن ماذا لو لم يكونوا يبحثون عن وجه جديد فقط؟
ماذا لو كان جزء منهم يبحث عن طريقة جديدة ليكون حاضرًا في السياسة نفسها؟
ماذا لو لم تكن المشكلة فقط في الأسماء المعروضة، بل في العرض السياسي كله؟
هنا يصبح السؤال أكبر من الانتخابات.
أنا لا أبحث عن مدينة أفلاطون.
فالمدينة التي أعيش فيها ليست فاضلة، ولا المجتمع الذي أنتمي إليه بلا أخطاء، ولا السياسة يمكن تنظيفها حتى تصبح بلا مصالح وصراعات.
وأعرف أن المجتمع نفسه قد يختار خطأ.
وقد ينتخب من لا يستحق.
وقد تؤثر فيه العائلة والمال والعاطفة والخوف.
لكن الديمقراطية لم تكن يومًا ضمانة أن يختار الناس الصحيح.
إنها ضمانة ألا يحتكر أحد حق الاختيار عنهم.
لهذا لا أطلب أن يكتب ملايين الفلسطينيين قائمة واحدة.
ولا أن يجتمعوا على برنامج واحد.
أنا أطلب شيئًا أقل مثالية وأكثر صعوبة:
أن نستعيد اتجاه الشرعية.
أن تبدأ من المجتمع وتصعد.
لا أن تبدأ من الغرفة وتنزل إليه.
قد تجري الانتخابات في موعدها.
وقد تؤجل.
وقد تبدأ بالرئاسة بدل التشريعي.
وقد نذهب إلى المجلس الوطني.
وقد يصبح التوافق هو المخرج الأخير.
كل ذلك ممكن.
لكن ما لا ينبغي أن يتغير مع تغير السيناريو هو صاحب الحق.
فإذا انتخبنا، يجب ألا يكون المجتمع مجرد ناخب لأسماء صنعها الآخرون.
وإذا توافقنا، يجب ألا يصبح المجتمع موضوعًا لتوافق الفصائل بدل أن يكون شريكًا فيه.
وإذا أعدنا بناء منظمة التحرير، فلا يكفي أن نغير من يجلس في مقاعدها قبل أن نعرف أي مشروع سيحملها.
نحن لا نفتقد الرجال.
ولا نفتقد الوثائق.
وربما لا نفتقد حتى النوايا الحسنة.
ما نفتقده هو الطريق الذي يصل المجتمع بالممثل، والممثل بالمشروع، والمشروع بحامل سياسي قادر على تحويله إلى فعل.
فالشرعية ليست اسمًا نظيفًا في مقعد.
وليست حصة عادلة لفصيل.
وليست توقيعًا في أسفل ورقة توافق.
الشرعية علاقة بين مجتمع يشارك في الاختيار، وممثل يعرف ممن أخذ تفويضه، ومشروع يعرف الاثنان إلى أين يريدان أن يأخذا فلسطين.
وإلا سنغيّر الوجوه.
ونرتب المقاعد.
ونرفع الستار.
ثم تضاء الشاشة...
فنكتشف أننا غيّرنا الممثلين،
وأبقينا الفيلم القديم.
يحيى بركات
رام الله – 29 آب / أغسطس 2026