أحمد كفافي - رمضانيات 2025 (4) سبحان الله.. الحشرات دليل جنائى...

قد لا يتبادر إلى ذهن الجانى أن حشرة من الحشرات قد تكون الدليل القاطع على ارتكابه للجريمة..لكن مع نشوء (علم الحشرات الجنائى) منذ أكثر من ثلاثين عاما فى الغرب ساعدت تقنيات العلم فى حل كثير من الغموض الذى أحاط بالعديد من الجرائم...
الله لا يخلق أى شىء باطلا..فحتى الحشرات التى تزعجنا ونستهين بها لها فوائد لا تعد ولا تحصى..تلك فائدة منها والله أعلم ..ما خفى دائما أعظم...
أحمد كفافى
وقعت الجريمة فى إحدى ضواحى مدينة أمستردام عندما وجد رجل مقتولا داخل سيارته..لم يسفر الكشف الجنائى عن المشتبه فيهم عن شىء بسبب غياب الأدلة..لكن وقعت العين الفاحصة للمحقق المسؤول عن الجريمة على بعوضة كانت قد استقرت فى ركن من سقف السيارة..تماما فوق مقعد السائق..كانت الحشرة متخمة بدم طازج حتى أنها بقيت بلا حراك لساعات حتى تستطيع أن تهضمه..ببطء شديد أوقع البعوضة فى صندوق بلاستيكى صغير وحملها إلى المعمل الجنائئ.
فى قضية أخرى تظاهر رجل بالمفاجأة بعد أن أبلغ الشرطة أن زوجته التى اختفت للأربع وعشرين ساعة الماضية قد وُجدت مدفونة فى حديقة منزله بكاليفورنيا ولكن أثبت البحث الجنائى أن يرقات الذباب التى وجدت على جثتها تجاوز عمرها الأربعة أيام!
فى حالة أخرى أغرب من سابقتها أعتقد المحققون فى البداية أن الجثة التى قذفتها الأمواج إلى أحد شواطىء أستراليا كانت نتيجة لحادثة غرق
..إلا أن بعض بيضات الذباب التى وجدت فى ركن من إحدى أذنيها غيرت مجرى التحقيق.
الأخبار السارة أن كل مرتكبى تلك الجرائم قد وقعوا فى فخ العدالة بفضل دليل واحد:
حشرة
لقد أسفرت التقارير الجنائية أن دم البعوضة كان لأحد المشتبه فيهم..وأن بيض الذباب برهن على أن الرجل الذى ادعى أن زوجته أختفت منذ يوم واحد كان قد قتلها من أربعة أيام مضت ودفنها فى حديقة المنزل..وأن جثة المرأة التى قذفتها الأمواج كانت قد قتلت على الأرض قبل أن تقذف إلى البحر..والدليل: أنه لا يمكن أن تضع الذبابة بيضها وسط الماء.
العنصر المشوق فى كل تلك الجرائم أنها كشفت عن طريق (علم الحشرات الجنائى) -Ontomolgy -وهو علم استخدام الحشرة كدليل جنائى فى أقسام البحوث الجنائية فى الغرب والذى تم اعتماده منذ عقود مضت فى حين لم تعتمده المعامل الجنائية المصرية أو العربية حتى وقتنا هذا باستثناء دولة الإمارات.
فى الواقع بدأت رحلتى فى التعرف على علم الحشرات الجنائى عام 2012 عندما التقيت الدكتور على رسمى الأستاذ الباحث بالمركز القومى للبحوث وحدثنى أنه تعرف على الموضوع خلال رحلة علمية قام بها إلى أستراليا منذ عشر سنوات مضت وكان أول من نادى بتطبيق العلم فى معامل البحوث الجنائية فى المنطقة العربية...
واليوم وبعد مضى أكثر من اثنتى عشرعاما لم يتغير الوضع..دخلت على الإنترنت فوجدت أن علم الحشرات الجنائى مطروحا فى كليات العلوم ومراكز البحوث الاجتماعية والجنائية ولكنه لم يتم اعتماده حتى الآن.
يعزى الدكتور رسمى هذا القصور إلى نقص الإخصائيين المؤهلين لهذا العمل وإرتفاع تكلفته وضرورة التأهيل له بالدراسة فى الخارج وقلة الرواتب الممنوحة نظير هذا العمل..فلو فقد الأخصائى عمله فلا يمكن أن يعمل بعيدا عن أجهزة البحث الجنائى والتى تكون دائما مملوكة لقطاعات الأمن بالدولة.
تبدأ الدراسة بالتعرف على طبيعة الحشرات وأنواعها والتى تتواجد على الجثة، طبقا لما قاله رسمى..فعلى سبيل المثال الذباب الذى ينتشر فى منطقة الدلتا والساحل يختلف عن نظيره فى الصعيد وكل نوع يتأثر بدرجة حرارة المنطقة ومعدل الرطوبة بها. وقد جاء هذا العلم ليصحح التصور الخاطىء بأن الديدان تخرج من الجثة عقب تحللها ولكن فى الحقيقة ما هى إلا حشرات وصراصير وعناكب فى طور اليرقات والتى تتغذى على الجثة.
لكن يعتبر الذباب أهم نوع من تلك الحشرات التى تمد المحقق الجنائى بالملعومات عن الضحية المقتولة، خاصة وإن بقيت لعدة أيام فى الهواء الطلق..فالذبابة أسرع حشرة فى وضع البيض وبيضها الأسرع فى الفقس وإخراج الديدان التى تمد المحقق بالكثير من المعلومات كتحديد وقت وقوع الوفاة وإذا كانت قد حدثت نتيجة رميا بالرصاص أو بالطعن، فإن اليرقات يمكن أن تبين إذا كانت الوفاة تسببت بفعل جرعة زائدة من المخدرات أوحالة تسمم، هذا لأنها تتغذى على لحم الجثة الذى يحمل المواد التى تجرعها المتوفى قبيل موته..زذ على هذا فإنها تفصح إذا كانت الجثة قد نقلت من مسرح الجريمة الأصلى إلى غيره فى منطقة أخرى لأنه كما أسلفنا كل نوع من الذباب يختلف باختلاف الأقليم المميز له.
كما تشير اليرقات إذا كانت الضحية قد تعرضت إلى أى نوع من التعذيب، فإذا ظل محبوسا لوقت طويل ومحروما من قضاء حاجاته الأساسية كالاستحمام والذهاب إلى المرحاض، فإن الذباب الصغير ينفد إلى الأجزاء الدقيقة للعين والأذن ليتغذى على أنسجتها..كل تلك الدلائل تشير إلى أن الضحية كانت عاجزة عن المقاومة أو رد الفعل. كما أن اليرقات دليل قاطع فى حالات قتل النساء بعد اغتصابهن لانها تحتفظ بالمنى الذى من شأنه أن يفصح عن هوية المغتصب.
أصبحت التقنية مفيدة، خاصة فى أوقات الحروب والغزو، وذلك فى تحديد هويات المغتصبين..كما أنها استخدمت مع العناكب التى تصنف أيضا طبقا للمنطقة ونوع البيض واليرقات وكان لها عظيم الأثر فى حل كثير من الجرائم الغامضة. ولكن الفرق بينها وبين الذباب فى أن الأولى لا تظهر إلا فى مرحلة لاحقة بعد أن تكون الجثة قد تحللت، فعلى عكس الذباب، لا تتغذى العناكب على لحم الجثة الطازج، بل على النفايات التى يخلفها تحلل الجثث، ومن هنا تكمن فائدتها فى حالات الجرائم التى لا يبلغ عنها إلا فى وقت متأخر.
تاريخيا ترجع نشأة مفهوم علم الحشرات الجنائى إلى القرن الرابع عشر..ولكن لم يطبق إلا منذ ثلاثين عاما فقط فى مجال التحقيقات البوليسية..فى عام 1668 مهد عالم الفيزياء الإيطالى (فرانسيسكو ريدى) الطريق لبزوغ هذا العلم عندما ترك قطعة من اللحم تتعفن فى مكان سىء التهوية فتراكمت فوقها الديدان نتيجة للتعفن..ثم أتى بقطعة أخرى وتركها فى الهواء الطلق فتحولت الديدان إلى حشرات صغيرة طائرة.
ثم جاء تطور أهم فى النظرية على يد العالم الفرنسى جان بيير مينين ( 1828-1905) وكان طبيبا بيطريا، حيث تابع تعاقب الحشرات على الجثث بأن راح يحسب أرقام الديدان الحية والأخرى الميتة كل 15 يوم، ثم قارن العدد بنظيراتها المتراكمة فوق جثة رضيع متوفى فى تاريخ غير معلوم ومن هنا نجح فى أن يقدر الوقت الذى مات فيه الرضيع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى