عائشة أبو ليل - عيون تتحدث...

في قصر شامخ تحيط به حدائق خضراء، تعيش لوسي، كلبة من سلالة راقية، بلونها الأبيض الناصع وفروها الحريري الذي يلمع تحت أشعة الشمس. كانت مدللة، ترتدي طوقًا من المخمل الأزرق المرصع باللآلئ، وتتجول كل يوم برفقة صاحبها عبر شوارع المدينة الراقية.

وفي إحدى نزهاتها اليومية، بينما كانت تمشي بخطوات واثقة، يشدها الحبل الناعم المرتبط بمعصم صاحبها، التقت عيناها بعينين مختلفتين تمامًا... عينين عميقتين، متوحشتين بعض الشيء، لكنهما تحملان دفئًا غريبًا.

إنه ريكو، كلب الشوارع، بمعطفه الأصفر الداكن الخشن الذي تعبث به الرياح، وجسده النحيل الذي شهد ليالي البرد الطويلة ونهشَه الجوع. كان يجلس عند زاوية الطريق، يراقب المارة بعينين تتلهفان على لقمة طعام قد تسقط أو لمسة حانية قد تأتي من أحدهم.

تلاقت عينا لوسي بعيني ريكو. نظرة واحدة كانت كافية ليشعر كل منهما بأنه يعرف الآخر منذ زمن بعيد... ودار بينهما حوار صامت:

ريكو (بابتسامة خافتة): "أنتِ جميلة... تشبهين القمر حين يكتمل."

لوسي (بتردد): "وأنت... تبدو متعبًا، كأن الحياة أرهقتك. كيف تتحمل هذا البرد؟ ألا تتمنى أن تكون معي؟"

ريكو (بهدوء عميق): "ربما أتمنى... لكن هل تبدو حياتك مثالية؟ هل تعرفين شعور الحرية؟ أن تركضي بلا قيد، أن تستنشقي الهواء دون أن يوجهكِ أحد؟! الحياة في الشارع قاسية، لكنها تمنحني حرية لا تُقدر بثمن... أركض حيثما أشاء، أسمع همس الليل، وأغني مع الرياح."

لوسي (بدهشة): "حرية؟! لكن ألا تشعر بالوحدة؟ ألا تحلم بمكان دافئ، بطعام لا تحتاج لمطاردته؟"

ريكو (يبتسم بمرارة): "ربما... لكنني أفضّل أن أكون سيد نفسي على أن أعيش في قفص من ذهب. أنا أعيش المغامرة... قد أنام جائعًا أحيانًا، لكنني أستيقظ كل يوم على حلم جديد. أخبريني، لوسي! هل تستطيعين مطاردة فراشة متى شئتِ، ولو لمجرد اللعب؟ هل يمكنكِ الجري تحت المطر دون أن يوبخكِ أحد؟"

كانت عينا لوسي تلمعان بالإجابات الناقصة، لم تكن قد سمعت كلمات كهذه من قبل. كانت حياتها مليئة بالراحة، لكنها أيضًا مليئة بالقواعد، بالممنوعات، بالحدود التي لا يمكنها تجاوزها. شعرت لأول مرة بأنها ترغب في شيء لا يمكنها الحصول عليه...

نظرت إلى صاحبها الذي كان يشد الحبل برفق لتكمل السير. شعرت أن المسافة بينها وبين ريكو تزداد، وأنها تبتعد عنه شيئًا فشيئًا. نظرت إلى صاحبها برجاء، وكأنها تطلب منه أن يتركها، لكنه لم يفهم. ثم عادت ببصرها إلى ريكو، الذي وقف هناك حرًا بلا قيد، يهز ذيله قلقًا.

ورغم أنها لم تتحرك من مكانها، حيث توقف صاحبها لبرهة، كان قلبها يركض نحوه، يبحث عنه بين الزحام.

أما ريكو، فظل واقفًا في مكانه، يراقبها وهي تُسحب بعيدًا عنه، وكأنها نجمة في السماء: جميلة، متلألئة، لكنها بعيدة جدًا... بعيدة لدرجة تجعل الحلم بها مؤلمًا.

لمعت عيناه، وانزلقت دمعة أسى. كيف لكلبة مثلها أن تكون له؟ وكيف لقلبه أن يحلم بما لا يمكنه امتلاكه؟

نهره صاحب لوسي بضيق حينما اقترب قليلًا منهما، فتراجع. أما هي، فأغمضت عينيها، تحاول احتجاز لحظة اللقاء الأخير.

تلاقت نظرات ريكو بالحبل المشدود في يد صاحبها، ثم نظر إلى ظله الممتد أمامه، فأطبق فكيه عليه... ومضى يفتك به بأسنانه.


عائشة أبو ليل – ألمانيا
  • Like
التفاعلات: عصمت محمد بدل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى