شريف محيي الدين إبراهيم - الدخان...

السواد يملأ المدينة.
دخان كثيف، عجيب! يتمدد ببطءٍ، يلوث الحلق ويترك في الفم طعم رمادٍ محترق. يتسلل إلى الأزقة، يعبر النوافذ، يتسلق الشرفات.

الناس يسعلون.

رجل عند ناصية الشارع يتكئ على الحائط. صدره يعلو ويهبط بعنف. عيناه حمراوان دامعتان، تحدقان في الفراغ. حاول أن يقول شيئًا. تحركت شفتاه بلا صوت. ثم سقط.

امرأة ركضت بلا اتجاه واضح، قبل أن تتوقف فجأة. تضغط على صدرها، تفتح فمها، وتلهث.

طفل بكى. شدته أمه إلى صدرها، وغطت وجهه بطرف ثوبها، ثم أدركت أن الثوب ذاته مشبع برائحة الدخان.

خلف الزجاج، وجوه شاحبة. أيدٍ تضرب النوافذ. عيون متسعة بذعر.

الأمر الغريب أن الدخان لم يكن يتحرك مع الريح؛ بل إن الريح نفسها بدت وكأنها تتحرك معه.

كنت أمشي بين البيوت بصعوبة.
ابني يسير بجواري، أصابعه الصغيرة متشبثة بيدي.

فجأة توقف. شدني وهمس بصوتٍ متردد:

— أبي…

نظرت إليه، فوجدت عينيه معلقتين بشيءٍ خلفي. التفتُّ.

رجل يقف وسط الدخان.

ساكن.
شبه شفاف.
ملامحه مألوفة.

ارتجف صوت ابني:

— أليس هذا جدي؟ عرفته من الصور القديمة…

أحدقت.

قلبي يخفق بعنف.

الوجه هو نفس الوجه… نعم، هو…
لكن كيف؟

نظر إلينا طويلًا، بنظرةٍ غامضة.

مددت يدي.
لم ألمس سوى الهواء الثقيل.
تلاشى ببطء.


***

مع ازدياد كثافة الدخان، تضاعفت الأسئلة.

من أين يأتي؟
لماذا لا يتبدد؟
ولماذا يشعر بعض الناس بالاختناق قبل أن تشتد السحابة؟
ولماذا تتفاوت الآثار من شخصٍ إلى آخر؟

وداخل أعينهم كان يلمع إحساسٌ مرعب… حزين… غامض.

انعقد اجتماع طارئ في مبنى المحافظة.

وجوه متعبة.
أصوات متقاطعة.

قال الطبيب:

— إن الحالات لا تشبه تسممًا معروفًا.

قال الضابط:

— أجهزة القياس لا تعطينا نتائج حاسمة.

قال الطبيب، بصوتٍ متوتر:

— الأمر غير خاضع لأي منطقٍ علمي.

قال أحدهم، بخفوت:

— الأمر ليس طبيعيًا.

رد آخر، بتردد:

— تقصد… سحرًا؟

ثم خرج الاسم بخوفٍ واضح:

— يبدو أن حكيم هو من فعلها.

***

حكيم شيخ يسكن الجبال منذ سنوات طويلة.

وهو، عند معظم سكان المدينة، مجرد مشعوذ.
اتُّهم قديمًا بالسحر، ولم يُثبت عليه شيء.

حاولوا استدعاءه.
أرسلوا رسلًا.
أتبعتهم دورية.

كل المحاولات باءت بالفشل.

عادوا بخيبة.

لم يكن موجودًا.
ولا أحد استطاع القبض عليه.

ثم وصلت رسالته:

«من يحتاجني… يأتي إليَّ».

اضطروا للذهاب إليه.

الطريق إلى الجبال كان أثقل من المعتاد.

بدا الدخان أقل كثافة كلما ابتعدوا، لكنه لم يختفِ تمامًا.

وصلوا عند الغروب.

كوخ حجري بسيط.
باب خشبي.

جلس الشيخ حكيم أمام المدخل، كأنه كان ينتظرهم.

قال المحافظ مباشرة:

— المدينة تختنق.

قال الشيخ:

— أعلم.

قال الضابط بحدة:

— تجاهلت الاستدعاء وتهربت منا.

ابتسم الشيخ ابتسامةً صغيرة:

— أنا لا أُستدعى… ولا يُقبض عليّ.

قال الطبيب:

— هل تعرف مصدر الدخان؟
— من أين يأتي؟
— كيف يمكننا إيقافه؟

نظر إليهم طويلًا، ثم قال بهدوء:

— وهل تعرفون أنتم سبب ما يحدث لكم؟

قال الطبيب:

— نحن نسألك.

رد الشيخ:

— وأنا أسأل منذ زمن.

قال المحافظ، بنفاد صبر:

— نريد جوابًا واضحًا.

قال الشيخ:

— الوضوح… ليس دائمًا رحمة.

قال الضابط:

— كل الأصابع تشير إليك.

رفع الشيخ عينيه وقال ببطء:

— هل معك دليلٌ يثبت إدانتي؟
لو كان لي يدٌ فيما يحدث… لكان الأمر أهون.

ارتبك الجمع.

قال الطبيب:

— إذن ما هو؟

قال الشيخ:

— شيءٌ لم يعد يحتمل البقاء حيث كان.

قال الطبيب، بقلق:

— هل هناك أمل في انقشاع الغمة؟

أجاب الشيخ حكيم:

— طالما لا تريدون أن تفهموا…
فالوضع حتمًا سيزداد سوءًا.

ساد صمتٌ ثقيل.

عادوا.

وكانت المدينة أسوأ.


***

في الشوارع، ظهر بين الدخان الكثيف ظلال.

ثم اتضحت…

وجوه.
أشكال بشرية باهتة.

الناس يحدقون في رعب.

بعضهم يبكي.
بعضهم يصرخ.
بعضهم يتراجع.

لم يعد التمييز سهلًا.

الناس والظلال يتقاطعون، يتلامسون،
يتبادلون نظرات الذعر.

كنت أشد على يد ابني.

أسمع أنفاسه المتوترة.

ثم صرخ فجأة.

كان ينظر إليّ… في خوف.

فتحت فمي.

لم يخرج صوت.

شيءٌ ثقيل صعد من صدري.

سعال…

ثم دخان.

تراجع ابني خطوة.

نظر إليّ بهلعٍ لم أعرفه من قبل.

وخلفه وقف الجد.

أكثر وضوحًا.
أكثر حزنًا.

وقال بصوتٍ متعب:

— تعبتم من البحث في الخارج…
ولم تجرؤوا يومًا على النظر في الداخل.

حولنا، كان الناس جميعًا يسعلون بعنف.

الدخان يتكاثف.
يرتفع.

لكنه لم يعد يأتي من الشوارع…

بل من داخلهم.

من الأفواه.
من العيون.
من الصدور.

صرخات.
ذهول.
إنكار.

واصل الجد، بهدوءٍ قاسٍ:

— لم يكن الدخان ما يخنقكم…
بل أنتم من كنتم تخنقونه.

ومن فوق الجبل، جاء صدى صوت الشيخ حكيم، بعيدًا… لكنه واضح:

— بحثتم كثيرًا عن مصدر الدخان…
وأنتم مصدره.

امتدت نظرته إلى المدينة كلها.

اختلطت الوجوه بالظلال.
تلاشت الفروق.

عمَّ السواد.

كثيفًا.
صامتًا.

ولم يبقَ…

سوى الدخان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى