ولدت أمي في حي السويقة بدار عرب اسمها دار "العطرة" والعطرة سيدة أرملة كانت تملك تلك الدار التي ورثتها عن زوجها المتوفى ... أقيم حفل عقب
ميلاد أمي التي اقترحت اللاّ العطرة على جدتي أن تسميها "فلة" على اسم الفل... احتفت كل النسوة في الدار وحتى في الحواري المجاورة ... حارة المهارسي وحارة الرود لاكوط بميلاد أمي لأنها البكر التي صرخت فور خلاص جدتي بعد مخاض عسير على يد القابلة الماهرة زهور ...كل بطون جدتي كانت تكلل بالحزن والخيبة بعد وفاة الجنين فور خروجه الى الحياة ...اقترحت جارتهم اليهودية جورجيت على جدتي أن يقام سبوع أمي بالبنوتات وهي من تتكفل بمصاريف الفرقة والسماط (تحلية ما بعد الغداء ...تجمع طبق الفواكه الموسمية و صحون الطبيخ والمحللبي والشريك والخشاف) في يوم السبوع ...أقام جدي عمار عقيقة محترمة بها ذبيحتان احداهما للبيت والجيران والاحباب والثانية لدار سيدي امحمد لغراب ..دار الحدادين كصدقة للزائرين والمحرومين ....قامت النسوة بالدار وعلى رأسهن اللا العطرة باعداد الوليمة و بعد الزوال خرجت النسوة رفقة جدتي التي كانت تحمل أمي في لفافة بيضاء قطنية ...مشين على مهل وسط ازقة السويقة الضيقة يتداولن على حمل فلة حتى وصلن الى مقام الولي الصالح "سيدي راشد " وهناك تم استكمال "التدويرة" وهي بمثابة استبراك و اخذ البركة من الولي الصالح حسب معتقداتهم آنذاك ...كانت جورجيت هي من تتزعم النسوة وتقود تحركاتهن ...جلسن في باحة المقام الواسعة المحاطة بشجيرات الياسمين وزهر الديدي (الجيرانيوم) المتدلية على جدران من الحجر والطوب ... تحدثن ما تيسر حتى جاءت خادمة المقام وادخلتهن ... فوزعن الطعام على كل من كان حاضرا ... ىواشعلن شموعا حول الضريح وطلين حناء على حوافه ... ثم همت جورجيت بلف قطعة كبيرة من القماش الابيض ووضعت المولودة "فلة" وسطها ثم رشقت قطعة نقدية ذهبية (لويزة) على رأس فلة وغمغمت بكلام لم تسمع النسوة منه الا بعدما جهرت قائلة :
_. بعدا بعدا .... انا رشقت المزيودة بالذهب ... وأنا اللي نحنيلها في زواجها ونرشقها بالعقيق ونعمرلها الفنيق ونلبسها الخلخال والشاشية بالحبحب....
هيهات .... لكن الله توفاها وامي تدرس بمدرسة فرنسية Collège Montesquieu.. تزوجت أمي و لم يبق من جورجيت سوى الذكرى الجميلة.
***
2- نحو سيدي بوعنابة وزيارة العندليب
كلّ النسوة متأهّبات ، فقد كان يوما ليس كبقيّة الأيّام ، لم يكن الإبكار لإشعال مجامر الفحم في وسط الدار ، وجلب الماء من سيدي الجليس إلاّ عادة يومية لنساء الحارة والدّار ولرجالها على حدّ سواء ، لكنّ ما رافقها من شغف محمّل بجرعة من الوطنية و الفخار هو ما جعل ذاك اليوم مختلفا ، أشرقت شمسه على غير عادتها ... شعاع يوحي بسعادة واعدة ، فلا غرابة وقد انتظر الجميع زيارة العندليب الأسمر "عبدالحليم حافظ"، تلك الزيارة المنتظرة التي جعلت كلّ نسوة الدّار يعجّلن في قضاء شؤون بيوتهنّ و إعداد الغداء الذي حضر على غير العادة قبل إعداد أباريق القهوة على ما تبقّى من سحاق الجمر ، فلم يحظ قِدر من قدور النسوة بقطعة لحم ، لولا ما استعاضته من عولة خليع الزير المخزّن .
كنّ ينتظرن ما تجود به " اللاّ العطرة" من أخبار حول زيارة العندليب وليس بمثل تلك الأخبار و لا غيرها بالتي تخفى عن العطرة ، سيّدة نساء الحارة ، فالكلّ يقدّرها ويتقرّب منها بالهدايا والهبات ، و الكلّ يهمّ بتزويدها بالأخبار من معارف والدها وزوجها المتوفّى ... أخبرت العطرة النسوة بأنّ العندليب سيغنّي في ملعب " تروبان" (ملعب الشهيد رمضان بن عبد المالك حاليا) ، طرن فرحا وقد دنا الأمل السعيد من أغلبهن ، وتبدّت في وجوههنّ أمارات الرضا ، فبضع خطوات توصلهنّ إلى الملعب لن تحول دون حضورهنّ ، ولن تثير امتعاض رجالهنّ .
اشتدّ الخصام بيني وبين " مراد" (ابن جارتنا اللاّ ياسمين ) ، كلانا يرغب بشدّة في أن يذهب بكيس حبّات البن المحمّص إلى مطحنة سيدي بوعنابة ، يا لغرابة الموقف ! لم يكن مراد يطيق تلك المهمّة المملّة ، فكيف يصرّ على أدائها اليوم ؟ في تلك الأثناء دخل " عمّي رابح " ( والد عبد الحكيم بوعزيزالذي ربّاه ) ، وشهد خصامنا ، ولم يملك إلاّ أن قال :
ــــ دع عنك مهمّة طحن القهوة ، الشوارع آهلة بالناس و الحرّاس ، و فلّة شاطرة ستتدّبر أمرها ، أمّا أنت فستكون معي ضمن المدعوين من فنّاني المدينة الذين كلّفوا باستقبال الفنان الكبير عبد الحليم حافظ .
ابتسم مراد ابتسامة وشت بما غمره من فرح ، فبعد أن كان يتحجّج بكيس البنّ لرؤية ضيف قسنطينة ، ها هو سيحضر كفنّان رفقة عمّي رابح ، أشار لي بحاجبيه مجاكرة وقال كالمتحدّي :
ــــ سأكون مطربا كبيرا مثله قريبا يا فلّة .
غادر إلى حيث أخذ زينته كاملة و حمل العود رفقة عمّي رابح وخرجا والسعد يحذوهما والفخار يراودهما عن غير تردّد ، وما وجدت نفسي إلاّ و أنا أغبطهما على ما خصّهما فنّهما به من سعادة ... سارعت لحمل الكيس وركضت به نحو الخارج وقد سبقني شغفي للتجوّل في أزقة المدينة ، فحتّى أمّي لم تمطرني كعادتها بالوصايا والتهديدات إذا ما تأخرت ، ولم يكن ليهمّها الأمر على النحو الذي كانت توصيني في سائر الأيام .
***
(3)
سلكت طريقا بين الأزقة ، اختصرت فيها الوقت ، حتّى أسترق بعضا منه لأعبر على طريق السوابط (لفظة تركية مفردها ساباط وهي ممرات مغطاة على شكل أقواس) كانت الطريق الوحيدة التي توصلني إلى الملعب حيث سيحضر العندليب ، لم يكن يعنيني آنذاك صوته وغناؤه ولا شكله ، بالقدر الذي كان يشدّني المنظر المهيب للناس وهم يتوافدون قبالة الملعب . دخلت طاحونة عمّي حمّو ، حيّيته واستعجلته بطحن البنّ ، متحجّجة بوعيد أمّي ، ترك محمصة البن ولبّى لي طلبي ، أعاده إلى الكيس ،واستلم مني ثمن الطحن وسلّمني قطع الحلوى كعادته لي ولأخي
استلمت الكيس وسرت مهرولة ، نحو وجهتي ، لم أكن أحسّ لقدميّ وهما تقطعان تلك المسافة ، حتّى أنّني لم أكن أعي بالأمكنة التي أصلها و أخلّفها ورائي ، عبرت السوابط وميدان المدفع الذي كان محاطا كليا بالحرّاس، ولم أجد من بدّ إلاّ أن أكبح من سرعتي، فقد اكتظّ المكان بالناس والحراس ورجال الدرك ، انزوت النسوة الملتحفات بالملاءة السوداء في ركن محروس بينما توزّع الرجال والشباب في كلّ الأرجاء فعجّ الممرّ المؤدي الى الملعب عبورا بسجن "الكديا"، لدرجة أنّني كنت اتنقل وسط حشد من الجمهور المتدافع و أنا أشعر بأنّ قدمي لا تلامسان الأرض ، وجدت أنّه من المستحيل أن أكمل المسير ، وسرعان ما تراجعت وعدت من حيث أتيت ، سرت وكيس البنّ بيدي.
بخطوات متباطئة فما هرولت من أجله لم أصله ، فما الدّاعي إلى الإسراع إذن ؟وصلت الدّار فوجدتها قد خلت من الحركة إلاّ قطّ مراد الذي ركن إلى زاوية بوسط الدار تعلوها عريشة دالية مورقة تمتد أفقيا فتغطّي جزءا كبيرا من الداير ... صمت مطبق على الدّار ، بل هو حزن دخيل من صنيع أمّي التي ظلّت وفية لحزنها على وفاة والدي رغم مرور ثلاث سنوات على وفاته، جعل كلّ الجيران يتضامنون معها ويشفقون لحالها فيجاملونها ويتداعون للحزن إكراما لها. دخلت حجرة أمّي فوجدتها تقبع في مجلسها ، تحت شبّاك حجرتها الموارب ، تكابد مرارة الفقد وقساوة التمسك بالتقاليد والأعراف البائسة التي تجعل من الأرملة جثّة مؤهولة بالأحزان تنتظر أجلها، توجّهت بنظرها نحوي وهي تمسك الإبرة والقسطبيلة وترقع بعضا من ثيابنا ، يبدو أنّها تمارضت حتى تداعى جسدها للمرض ، فجعلت من مرضها بل من وهمها سببا لرفضها حضور الأعراس والحفلات والمناسبات السعيدة ، لقد ضاعت منها فرصة حضور حفل العندليب كالحلم ، تماما كما ضاع جزء كبير من زمانها ، أقبلت عليها أحادثها ، فتوقّفت عن الخياطة وبادلتني الحديث ، كنت ــــ ورغم صغر سنّي ـــــــ الأقرب لها ، أفهمها رغم صمتها السَّكوت ، لكأنّني أفهم شغفها بالفنّ والحياة، وأدرك أيضا مكابرتها الشديدة في الإصرار على تلبّس مسحة الحزن والتجلّي بها أمام القريب والغريب ، قالت وهي ترمقني بنظرة استغراب :
ـــ أراك عدت سريعا يا فلّة ، ألم تكن الشوارع مزدحمة ؟
ـــ بلى كانت مكتظة ، وحاولت المرور إلى شارع الملعب ، لكنّني لم أوفّق، رغم ذلك لمحت جماعة من النساء الملتحفات يتجمهرن بالقرب من مدخل الملعب .
صمتت برهة من الزمن وقالت متحسّرة:
ـــ الأكيد أنّ اللاّ العطرة وبناتها ونسوة الدار هناك ضمنهنّ ، ياااه يا ابنتي لو كان والدك معنا ، لكنت رافقته إلى الحفل ، لقد كان محبّا للفن وكلّ الأسطوانات التي أحضرها لا تخلو من أغاني أمّ كلثوم وفريد الأطرش و عبد الحليم حافظ...
فهمت من كلام أمّي أنّها كانت ترغب في الحضور ، لكنّها تداري رغبتها بالتمنّع المصطنع . وضعت كيس البنّ على مائدة المطبخ ، ورحت ألاعب أخي كمال الذي لم يقطع عامه الرابع . أنهيت مشهد الضحية الذي تتقنه أمّي في كلّ مناسبة ، لتبدأ مشاهد أخرى تأتي تباعا بكلّ نسيجها المتنكّر للحياة ، وتظهر في زيّ يوحي بالنهاية والفناء ، حتّى خيّل إلي أنّ أمّي أوّل أرملة على وجه المعمورة ، توفّي زوجها وتركها في أوج شبابها الخصب ... آه لو كان لي ولاء على أمّي و أجرؤ على الإفصاح بما يجثم على صدري ! لكنت واجهتها بما أحدّث به نفسي في كلّ مرّة:
ــــ سيّدة هاته الدّار أرملة ، تركها زوجها هي الأخرى في أوج شبابها رفقة بناتها الثلاثة ، لكنّني لم أر قط حزنا ارتسم على ملامحها ولو من باب الذكرى ، لطالما كانت اللاّ العطرة مثال المرأة القويّة الصامدة المقبلة التي يهابها الجميع ، لكنّها أيضا تلك السيّدة الحنون الكريمة المضياف التي تسعد الجميع أيضا ، ماذا لو كانت أمّي مثلها؟
عادت النسوة متأخّرات في مساء الخميس ذاك ، نزعن ملاءاتهن و اجتمعن وسط الدار قرب الفسقية، يسترجعن لحظات حفل العندليب كانت أمّي تجتمع رفقتهنّ ، فهي منذ الصباح ترقُب قدومهنّ بشغف كبير كانت فالة ابنة العطرة أوّل من بدأت الحديث لتلحقها بقية النسوة قالت كالمغازلة :
ــــ لم أكن أتوقع أن حليم بكلّ تلك الوسامة و الأناقة و البهاء رغم سمار بشرته .
ردّت زهور بامتعاض :
ـــ وهل تكتمل الرجولة إلاّ بالسمار يا فهيمة ؟ لو لم يكن زوجي السي العربي أسمرا لما أخذته .
كان لعتيقة الماشطة رأي آخر ، حيث قاطعتهنّ قائلة :
ــــ أمّا أنا فأسرني صوته العذب و إحساسه ، ليته أكمل الحفل .
قالت أمّي مستفهمة عن السّبب :
ــــ ألم يكتمل الحفل ؟
ـــ للأسف كان تيار الكهرباء عذولا ، انقطع فجأة و أبى إلاّ ان يتوقّف الحفل ، لم يغن حليم سوى أغنية " إلوي إلوي يا دنيا " .والغي الحفل اثرها .
تسامرت النسوة ماشاء لهنّ ، حتّى أنهت أمّي الحديث وقالت بنبرة استسلام :
ـــ من لها زوج فهو تاج على رأسها ، فلتدع الله أن يحفظه لها و لأولادها ، أما العازبات فأتمنّى أن ترزقن بابن الحلال الذي يسركنّ ...
في تلك الأثناء قطعت العطرة حديثهن وقد سمعت منه ما أثار فضولها وقالت كالمعاتبة :
ـــ و أرجو من الله أن يرزقك زوجا يسرك يا "خيرة " ، فأنت في عزّ شبابك و ألف من يتمنّاك ، لم ترفضين العرسان وتدفنين نفسك وسط الأحزان؟
حدجتها أمّي بنظرة مشتّتة المعنى ، وغادرت مجلسهنّ في صمت .
***
(4)
4- أيّام تفوح بعبير زهر النارنج والورد المحمّدي (البلدي أو الجوري)
أيقظتني أمّي باكرا ولم أكن أحسن فتح جفنيّ ، أذكر أنّ النّوم حلا في تلك الأيّام الربيعية من شهر نيسان ، عاودني التثاؤب مرّة أخرى ، فالتحفت ونمت وتجاهلت إصرار أمّي ، أغمضت عيني قليلا ، ثمّ قمت دفعة واحدة ، أتحدّي الكسل الذي اعتدت عليه خلال العطلة الربيعية لم نكن نجرؤ على التأخّر في أيّام الدراسة ، لا يخفى عليكم أنّ المدارس الفرنسية كانت شديدة الحرص على النظام والمواظبة ، لا تتساهل أبدا في الإخلال بنظام المدرسة العام ... إنّها صبيحة الأحد يوم عطلة نهاية الأسبوع ، أي نوم يهنأ مع مهراس جارتنا زهور النحّاسي الذي لا يهدأ ؟ جعل رأسي لا يخلو من نبض قارع ، هرعت نحو المغسل وكان أكثر ما انعش صباحي ماء الورد المحمّدي وصابون العنبر ، لا تستغربوا إذا قلت لكم أنّنا وطيلة أيام نيسان نغتسل بماء الورد ، لأنّ أمّي وباقي النسوة يتخلصن من ماء الورد الذي تخلّف من العام الفارط ، لإفراغ الأواني والقوارير من أجل ملئها بمستخلص ورد جديد ، تناولت فطورا ملكيا لم يخل كالعادة من رقائق الثريد (تريدة الطاجين) مع حليب البقر الذي كان يصلنا كل مساء من عند عمّي عثمان الحلاّب ، لم يتخلّف عمّي عثمان عن تزويدنا بحاجتنا من حليب وزبدة ولبن منذ وفاة والدي ، كانت أمّي تدفع له ثمنها رأس الشهر ، والحق أنّنا لم نشتك عوزا في غياب أبي ، لأنّ عائدات نصيب أبي من أرضه في الريف يفي بالغرض ، ولم يقصّر عمّي في منح أمّي نصيبنا من أرض أبي نهاية كلّ حصاد .
لم يكن ينقصنا سوى حضور أبي بيننا ، والحقّ أنّنا ننعم بحياة يغبطنا عليها الغابطون ، لا أدري ما سبب حزن أمّي الدائم وخوفها المستمرّ ، وحرصها الذي ينمّ عن قلق دفين ؟
انتزعت الجبّة القطنية التي خصّصتها للنوم والتي خيطت وطرّزت بأنامل أمّي ، ارتديت فستانا بنيّا فاتحا منمنما بورود زرقاء صغيرة ، ولم ترض أمّي إلاّ أن تمشّط شعري بيديها وترشّه بزيت الخزامى الذي تحضّره بنفسها ، ضفرت شعري جديلتين ، رمت بهما خلف ظهري ، ثمّ شرعت تلقّنني الكلام الذي سأنقله لخالتي " خَنْدودَة" ، قالت بلهجة تنمّ عن امتنان وشوق :
ــــ بلّغي خالتك خندودة سلامي الحار وسلام كل نسوة الدار ، واعلميها أن تحضر لزيارتنا يوم الخميس بعد العصر ، لأنّنا سنقيم " قعدة لتناول القهوة " بعد إتمام عملية التقطير ، ولا تنسي أن تعتني بالقطّار( آنية لتقطير الورد والزهر) ، تفادي الطريق الزلقة ، فقد تتعثري .
سلكت دربا مختصرا يمرّ بدار بن منصور لأجد نفسي بعد بضع خطوات في زنقة الزلّايقة ، ولم يمنعني حرص أمّي وعجلتي ــــ التي تبدّت في حركاتي و وقوفي في مدخل دار "خالتي خندودة" ـــــ من ولوج وسط الدار وتناول حبّات من البراج مع اللّبن بإصرار منها ونزولا عند رغبتها ، لم يمنعها كرمها الشديد من الإلحاح علي في تناول الضيافة ، هي كريمة مع الجميع فكيف سيكون كرمها مع ابنة أعزّ صديقاتها التي هي أمي ، لكنّها ورغم ذلك قالت لي ﺑﻠﻬﺠﺔ ﻣﻌﺎﺗﺒﺔ :
ــــ أكملت نسج البوليرو الصوف الذي وعدتك به لكنّ تماطلت في زيارتي من أجل استلامه هو هديتي لك ، فما غرضك به الآن والجوّ يجنح إلى المصيف ؟
طأطأت خجلا ممّا بدر منّي ، لكنّني في الحقيقة لا أطرق بابا و لا أخطو خطوة إلاّ بإيعاز من أمّي ،وكنت فيما تستدعي أصول اللّياقة والأدب أن تحجّجت بالدراسة ، وقدّمت لها جزيل شكري وامتناني :
ــــ يعطيك الصحة خالتي خندودة ، لا أنسى لك جزيل كرمك .
ــــ أيّ كرم يا فلّة ؟ ! هل بين البنت و أمّها مجاملات ؟ أنا لا أعدّك إلا ابنتي التي لم أرزق بها .
دسّت القطّار بقطعتيه في كيس كبير من الخيش ، ووضعت بداخل "البرمة " (طنجرة نحاسية لاحتواء مكبات الورد والزهر ) قطعا من السكر ، وهي تتمتم بكلام لم أسمع منه سوى البسملة ، سلّمتني البوليرو بعد أن أودعته كيسا من الكتّان ، وقد ارتسمت على ملامحها بهجة لمستها وأنا أتلقّاه و أتلقّى قبلاتها المحمّلة بكثير من الصدق والمحبّة . جعلتني أنصت لما يهمس فيها من الأعماق أن اقتربي ففيك بعض من دمي ، لقد كانت تربطنا بخالتي خندودة قرابة من جهة الأمهات ، فهي وأمّي ابنتا خالات .
شكرتها بحرارة ، وحملت طريق دربي نحو دارنا مسرعة ، وخلال المسير في أزقة زنقة الزلايقة ، راودني شعور غريب بالمكوث هنيهة للتذكّر ، وهزّني الحنين مرّات إلى معاودة بعض مشاربها إحياء للذكريات صعدت الأدراج ، ومررت بدار حاج اعراب (عمي بوزراع الدباغ) ، حينها تذكّرت أياما كنت أرافق اللاّ العطرة لكوشة بوتميرة ، وها نجن اليوم نذكرهما بالخير ونزوّد لهما الرحمة ، مضيت أسرع الخطو ، خشية أن تستبطئني أمّي ....
..... يتبع .....
***
(5)
5- معزوزة اليهودية و طاجين الجمّار
مساء يوم الخميس ، أنهت النسوة التقطير والفرز ، حَضَرَت خالتي خندودة من حارة "الزلايقة" ، وعتيقة الماشطة من حارة " السيدة" ــــ وهي من المقربات جدّا لصاحبة الدار وبناتها ـــــ أمّا فرقة الفقيرات(فرقة عزيزة لفقيرة ) فأبكرت الوصول قبل الجميع ، بحكم أنّهنّ ثلاث بنات من معارف العطرة ، دَأَبْنَ على مشاركتها أفراحها ومناسباتها ، فلا ريب أنّهن يَجِدْن في مشاركتها شيئا من السِّلْوِ و البهجة ، أمّا حضور خالتي معزوزة اليهودية ، هو ماجعل اليوم يُطبع في الذاكرة ، كان شعورنا فيما يشبه الحلم لمّا دَنَوْنا من خالتي معزوزة كما تناديها أمّي وبقية النّسوة ،بعد أن قدّمت لها اللاّ العطرة ما بالغت فيه من ضيافة ، وحبتها بحمّام يليق بعارم لعوارم . تحلّقت النسوة بخالتي معزوزة بمجلس وسط الدار ، بعد أن أخذن زينتهنّ و تبدّين في هيأة تليق بيوم يحسب من زمن السلطانات والبايات ، إذ أجمعن على ارتداء ما شَفَّ و هَفَّ من ثياب تميل لِلَوْن الزهر والياسمين، تدلّت منها قطع ذهبية ، وتَحَلَّيْنَ بدمالج و أساور من ذهب ، وسلاسل من جوهر وعنبر . وتعطّرن بما قطّرت أمّي من مستخلص خزامى .
والغريب أنّ أمّي سمحت لي رفقة وردة ابنة اللّا ياسمين التي هي من تِرْبِي . جلسنا على كثب منها نتأمل ملامحها وثيابها وحُلَيِّها و نقش حناء يديها وقدميها .
من تكون خالتي معزوزة اليهودية ؟ على حدّ ما روت أمّي بشأنها ، فهي سيّدة تجاوزت العقد السابع من عمرها . قدمت من واحات الزيبان .لكنّها فيما روت عن نفسها ذات أصول تارقية . اعتادت الترحال رفقة ولدها للاتّجار وتبادل التمر ومشتقّاته و الحلي والأعشاب الطبيّة . فمعزوزة عشّابة متمكّنة .استطاعت بفضل مهارتها في إستعمال الأعشاب الصحراوية من علاج عديد الحالات المستعصية خاصة منها حالات العقم وعرق النسا والفالج وأمراض الجلد والرّمد .
قالت أمّي أنّ معزوزة سبق لها وأن زارت دار العطرة في حياة زوجها المتوفّى . قَدِمَتْ ضمن قافلة رُفْقة ابنها ، وانفصلا عن القافلة التي حطّت رحالها في منطقة بازر سكرة .أمّا هي وابنها فاكملا الرحلة نحو قسنطينة .و حطّا رحلهما في الرحبة المخصصة للجمال (رحبة الجمال). منذ ذلك الحين .ذاع صيتها وبات للوافدة فضل في علاج حالات استعصت على الأطبّاء على ندرتهم حينذاك .
معزوزة تفكّ السحر والثقاف و تقرأ الطالع . كرامة من كرامات جدّتها التي ورثتها عنها . لا تشذّ معزوزة عن نظيراتها من يهود الطوارق .الذين عُرفوا بمهارتهم في الحرف والاستطباب بالأعشاب و دهائهم في مجال كشف الحجاب وقراءة الطالع وخطّ الرمل .
هاهي اليوم تحلّ علينا وقد بلغت من العمر عتيا ، أُعدّ لهنّ مجلسا صُفّت فيه المقاعد والوسائد على زربية ممدودة بالقرب من حوض الماء والفسقية (النافورة) الذي طفت على سطحه ورود الجوري والياسمين والفل ، توسّطت معزوزة النساء ، ومضت تتبادل معهنّ أطراف الحديث ، وبينما نحن ننتظر ما ستسفر عنه حكايا معزوزة بشغف ، دخلت علينا اللاّ العطرة بقصعة خشبية فيها جذوع بيضاء تشبه قلب الخرشوف (القرنون) .ابتسمت و وهي تضع بيننا القصعة ثم قالت مباهية :
ـــــ ستعلّمكن خالتي معزوزة كيف تقشرن الجمّار و تستمتعن بأكله . أمّا غداؤنا فلن يخلو من طاجين الجمّار .
مكثنا نلتفّ بالوافدة ونستلذّ طعم فلقات قلب الجمار الندي الحلو. ويسكننا الدّهش لما حكته عن غرائب رحلاتها في القوافل . انتشينا لحكاياها.
كان الجو لطيفا ففضّلت معزوزة البقاء في وسط الدار . بينما ثبّتت زهور السكاملة (مائدة دون قاعدة موروث تركي) أمام الضيفة العزيزة ، ثمّ وضعت عليها صينية النحاس الكبيرة ، ووضعت نظيراتها من حاملات صواني (سكاملات) أمام بقيّة النسوة ، مدّت النسوة مناديل قطنية مطرّزة على حجورهن كي تحول دون تلطّخ فساتينهنّ من مرق أو دهن ، و شرعت الأطباق تُرَصِّع الصواني حتّى بدت و كأنّها تحفة من زمرد وياقوت ولؤلؤ ، وتبدّى على الوجوه الرضا ، حضر خبز الدار والجاري و القريتلية البيضا بلحرش (كرات اللحم المفروم المطبوخة) . وطاجين الشواء ، والشطيطحة ، أمّا شباح القعدة فكان طاجين الجمّار الذي ختم أطباق الطعام ، أذكر أنّها كانت سابقة لي ولغيري من الأولاد والبنات أن تناولنا الجمّار و طاجين الجمّار الذي أحضرته خالتي معزوزة رفقة ولدها ، وكان لها الفضل في تلقين العطرة طريقة تحضيره . والحقّ أنّ اللّا العطرة أبدعت في إعداده ؛ أعدّته بفخذ الخروف المحمّر ، و جعلت قلب الجمّار ـــ الذي بخّرته حدّ الاستواء ــــ يتشرّب عسل النحل الممزوج مع عسل النخل ، حتّى بدت الجمّارة شفّافة جرّاء تشرّبها العسل ، ثمّ رشّت حبّات زبيب ولوز محمّص على وجه الطبق بعد أن عزّزت نكهته بمستخلص ماء الورد ( راس القطّار) .
رفعت الأطباق وما تبقى منها ،بعد أن فرغت النسوة من تناول الطعام ، واتّجهن نحو المغسل ، فالعطرة رفقة بناتها حريصات على راحة الضيوف ، فلم تغفلن على وضع صابون العنبر و ملء أباريق النحاس المخصصة لغسل الأيادي .
حال الوضع في الدار يشبه المثل القائل " كي تشبع الكرش تقول للراس غنّي " فما إن حضرت صينية القهوة ــــــ العامرة بما جادت به أيادي حرائر الدار من مقروظ مقلة ومشلوش ومقرقشات وغريبية المشقوق واللّبلابي ، ومعجون الورد والسفرجل ـــــ حتّى ضحكت العطرة فبدَت أسنانها اللامعة المصفوفة بانتظام ، وقالت بلهجة لم تخلُ من فخار :
ـــــ هذا كلّ ما تشتهين في بيتنا السعيد ، بيت العطرة بيت زهو و أفراح، و بيت قصعة وفزعة ، وسيظلّ على حاله ما حييت ، حتّى أنّ كلّ من ضاقت بوحدتها وبعدها عن أهلها ، لاذت إلي مستنجدة ببهجة الدار متنفسا ، وحسبي بنساء الحارات حبّا وتقديرا ، هيّا يا بنات اجتهدن في صنع بهجته .
تشرع الفقيرات في الضرب على البنادير ، فتشي وجوههن بكثير من فرح
ولا تزال تضرب على البنادير ، تَسمعها كأنّها تقرع في الدماغ ، وتصيب القلب من وقع ذبذباتها القوية ، فتنتعش مسامعنا بزخّات من غيث الحضرة ، و تتداعى لها النسوة بالغناء والتمايل ، رافق دق الفقيرات وغنائهنّ لحظات انتشاء ، يجمّلها عبق القهوة المزهّرة ، سرّعت الفقيرات من وتيرة الدقّ على البنادير ، رافقه تصفيق النسوة ، واستمرّ المشهد في تناغم جميل يصنع بهاء وتفرّد أمسيتنا ، إلى أن تعاظم الانسجام لدى "فالة " ابنة اللّا العطرة الكبرى ، فبلغ بها انتشاؤها إلى شطحة من شطحات " التهوال " ، فتفكّ مشابك شعرها الأسود البسط الطويل ، وتتتماهى مع قرع البنادير ، تميل يمينا ثم شمالا ، فيترامى شعرها وفقا لميلها ، ويتورّد وجهها وتنهال عليها مرشّات الزّهر والورد بالرش ، فتتلبّس بشيء من الروحانية ، وترتعش ، وتتبدّل ملامح وجهها ، فتسارع اللاّ زهور وتقف خلفها ، فتمسكها من خصرها ، وتستمرّ في هزّ جسدها حتىّ يغمى عليها ، تكفّ الفقيرات عن قرع البنادير ، ويسود صمت مريب ، لا نرى فيه إلاّ العطرة تنكبّ على ابنتها وتمسح على وجهها وتغمغم بكلام غير مسموع ، وتلتحق الخالة معزوزة بها ، وشفتاها تتمتمان بالدعاء ، على حين تهمّ بنتاها و أمّي في رفع صينية القهوة ، واستحضار صيوان تحلية " السماط " ، ما بالهنّ لا يبالين بحال المصروعة أرضا ؟ كأنّهن تعوّدن على حالها ، ويتوسّمن من مصرعها خيرا !
تستفيق "فالة " من إغماءتها ، فتتربع وسط النسوة غير آبهة بما حدث لها وما تلبث العطرة أن تعاودها حالة انتشاء ، فتطلب من الفقيرات مدائح في انتظار تجهيز أقداح الخشاف ، و أطباق الطبيخ والمحلبي التي ترافقها فطائر الشريك التي تزيّن صيوان جلسة السماط ، أمّا هي فتمضي نحو معزوزة تُوَشْوِشان ، وكان فيما تسرّب إلى مسمعي من كلامهما ، أنّها عازمة على إقامة حضرة لابنتها وإعداد النشرة ومرافقتها إلى دار موسى بحري (الحدّادين ) عسى الله يأخذ بيدها ويشفي ابنتها .
***
================
1- شيء من عطر أمّي
2- نحو سيدي بوعنابة وزيارة العندليب
3- شيء من عطر أمّي
4- أيّام تفوح بعبير زهر النارنج والورد المحمّدي (البلدي أو الجوري)
5- معزوزة اليهودية و طاجين الجمّار
ميلاد أمي التي اقترحت اللاّ العطرة على جدتي أن تسميها "فلة" على اسم الفل... احتفت كل النسوة في الدار وحتى في الحواري المجاورة ... حارة المهارسي وحارة الرود لاكوط بميلاد أمي لأنها البكر التي صرخت فور خلاص جدتي بعد مخاض عسير على يد القابلة الماهرة زهور ...كل بطون جدتي كانت تكلل بالحزن والخيبة بعد وفاة الجنين فور خروجه الى الحياة ...اقترحت جارتهم اليهودية جورجيت على جدتي أن يقام سبوع أمي بالبنوتات وهي من تتكفل بمصاريف الفرقة والسماط (تحلية ما بعد الغداء ...تجمع طبق الفواكه الموسمية و صحون الطبيخ والمحللبي والشريك والخشاف) في يوم السبوع ...أقام جدي عمار عقيقة محترمة بها ذبيحتان احداهما للبيت والجيران والاحباب والثانية لدار سيدي امحمد لغراب ..دار الحدادين كصدقة للزائرين والمحرومين ....قامت النسوة بالدار وعلى رأسهن اللا العطرة باعداد الوليمة و بعد الزوال خرجت النسوة رفقة جدتي التي كانت تحمل أمي في لفافة بيضاء قطنية ...مشين على مهل وسط ازقة السويقة الضيقة يتداولن على حمل فلة حتى وصلن الى مقام الولي الصالح "سيدي راشد " وهناك تم استكمال "التدويرة" وهي بمثابة استبراك و اخذ البركة من الولي الصالح حسب معتقداتهم آنذاك ...كانت جورجيت هي من تتزعم النسوة وتقود تحركاتهن ...جلسن في باحة المقام الواسعة المحاطة بشجيرات الياسمين وزهر الديدي (الجيرانيوم) المتدلية على جدران من الحجر والطوب ... تحدثن ما تيسر حتى جاءت خادمة المقام وادخلتهن ... فوزعن الطعام على كل من كان حاضرا ... ىواشعلن شموعا حول الضريح وطلين حناء على حوافه ... ثم همت جورجيت بلف قطعة كبيرة من القماش الابيض ووضعت المولودة "فلة" وسطها ثم رشقت قطعة نقدية ذهبية (لويزة) على رأس فلة وغمغمت بكلام لم تسمع النسوة منه الا بعدما جهرت قائلة :
_. بعدا بعدا .... انا رشقت المزيودة بالذهب ... وأنا اللي نحنيلها في زواجها ونرشقها بالعقيق ونعمرلها الفنيق ونلبسها الخلخال والشاشية بالحبحب....
هيهات .... لكن الله توفاها وامي تدرس بمدرسة فرنسية Collège Montesquieu.. تزوجت أمي و لم يبق من جورجيت سوى الذكرى الجميلة.
***
2- نحو سيدي بوعنابة وزيارة العندليب
كلّ النسوة متأهّبات ، فقد كان يوما ليس كبقيّة الأيّام ، لم يكن الإبكار لإشعال مجامر الفحم في وسط الدار ، وجلب الماء من سيدي الجليس إلاّ عادة يومية لنساء الحارة والدّار ولرجالها على حدّ سواء ، لكنّ ما رافقها من شغف محمّل بجرعة من الوطنية و الفخار هو ما جعل ذاك اليوم مختلفا ، أشرقت شمسه على غير عادتها ... شعاع يوحي بسعادة واعدة ، فلا غرابة وقد انتظر الجميع زيارة العندليب الأسمر "عبدالحليم حافظ"، تلك الزيارة المنتظرة التي جعلت كلّ نسوة الدّار يعجّلن في قضاء شؤون بيوتهنّ و إعداد الغداء الذي حضر على غير العادة قبل إعداد أباريق القهوة على ما تبقّى من سحاق الجمر ، فلم يحظ قِدر من قدور النسوة بقطعة لحم ، لولا ما استعاضته من عولة خليع الزير المخزّن .
كنّ ينتظرن ما تجود به " اللاّ العطرة" من أخبار حول زيارة العندليب وليس بمثل تلك الأخبار و لا غيرها بالتي تخفى عن العطرة ، سيّدة نساء الحارة ، فالكلّ يقدّرها ويتقرّب منها بالهدايا والهبات ، و الكلّ يهمّ بتزويدها بالأخبار من معارف والدها وزوجها المتوفّى ... أخبرت العطرة النسوة بأنّ العندليب سيغنّي في ملعب " تروبان" (ملعب الشهيد رمضان بن عبد المالك حاليا) ، طرن فرحا وقد دنا الأمل السعيد من أغلبهن ، وتبدّت في وجوههنّ أمارات الرضا ، فبضع خطوات توصلهنّ إلى الملعب لن تحول دون حضورهنّ ، ولن تثير امتعاض رجالهنّ .
اشتدّ الخصام بيني وبين " مراد" (ابن جارتنا اللاّ ياسمين ) ، كلانا يرغب بشدّة في أن يذهب بكيس حبّات البن المحمّص إلى مطحنة سيدي بوعنابة ، يا لغرابة الموقف ! لم يكن مراد يطيق تلك المهمّة المملّة ، فكيف يصرّ على أدائها اليوم ؟ في تلك الأثناء دخل " عمّي رابح " ( والد عبد الحكيم بوعزيزالذي ربّاه ) ، وشهد خصامنا ، ولم يملك إلاّ أن قال :
ــــ دع عنك مهمّة طحن القهوة ، الشوارع آهلة بالناس و الحرّاس ، و فلّة شاطرة ستتدّبر أمرها ، أمّا أنت فستكون معي ضمن المدعوين من فنّاني المدينة الذين كلّفوا باستقبال الفنان الكبير عبد الحليم حافظ .
ابتسم مراد ابتسامة وشت بما غمره من فرح ، فبعد أن كان يتحجّج بكيس البنّ لرؤية ضيف قسنطينة ، ها هو سيحضر كفنّان رفقة عمّي رابح ، أشار لي بحاجبيه مجاكرة وقال كالمتحدّي :
ــــ سأكون مطربا كبيرا مثله قريبا يا فلّة .
غادر إلى حيث أخذ زينته كاملة و حمل العود رفقة عمّي رابح وخرجا والسعد يحذوهما والفخار يراودهما عن غير تردّد ، وما وجدت نفسي إلاّ و أنا أغبطهما على ما خصّهما فنّهما به من سعادة ... سارعت لحمل الكيس وركضت به نحو الخارج وقد سبقني شغفي للتجوّل في أزقة المدينة ، فحتّى أمّي لم تمطرني كعادتها بالوصايا والتهديدات إذا ما تأخرت ، ولم يكن ليهمّها الأمر على النحو الذي كانت توصيني في سائر الأيام .
***
(3)
سلكت طريقا بين الأزقة ، اختصرت فيها الوقت ، حتّى أسترق بعضا منه لأعبر على طريق السوابط (لفظة تركية مفردها ساباط وهي ممرات مغطاة على شكل أقواس) كانت الطريق الوحيدة التي توصلني إلى الملعب حيث سيحضر العندليب ، لم يكن يعنيني آنذاك صوته وغناؤه ولا شكله ، بالقدر الذي كان يشدّني المنظر المهيب للناس وهم يتوافدون قبالة الملعب . دخلت طاحونة عمّي حمّو ، حيّيته واستعجلته بطحن البنّ ، متحجّجة بوعيد أمّي ، ترك محمصة البن ولبّى لي طلبي ، أعاده إلى الكيس ،واستلم مني ثمن الطحن وسلّمني قطع الحلوى كعادته لي ولأخي
استلمت الكيس وسرت مهرولة ، نحو وجهتي ، لم أكن أحسّ لقدميّ وهما تقطعان تلك المسافة ، حتّى أنّني لم أكن أعي بالأمكنة التي أصلها و أخلّفها ورائي ، عبرت السوابط وميدان المدفع الذي كان محاطا كليا بالحرّاس، ولم أجد من بدّ إلاّ أن أكبح من سرعتي، فقد اكتظّ المكان بالناس والحراس ورجال الدرك ، انزوت النسوة الملتحفات بالملاءة السوداء في ركن محروس بينما توزّع الرجال والشباب في كلّ الأرجاء فعجّ الممرّ المؤدي الى الملعب عبورا بسجن "الكديا"، لدرجة أنّني كنت اتنقل وسط حشد من الجمهور المتدافع و أنا أشعر بأنّ قدمي لا تلامسان الأرض ، وجدت أنّه من المستحيل أن أكمل المسير ، وسرعان ما تراجعت وعدت من حيث أتيت ، سرت وكيس البنّ بيدي.
بخطوات متباطئة فما هرولت من أجله لم أصله ، فما الدّاعي إلى الإسراع إذن ؟وصلت الدّار فوجدتها قد خلت من الحركة إلاّ قطّ مراد الذي ركن إلى زاوية بوسط الدار تعلوها عريشة دالية مورقة تمتد أفقيا فتغطّي جزءا كبيرا من الداير ... صمت مطبق على الدّار ، بل هو حزن دخيل من صنيع أمّي التي ظلّت وفية لحزنها على وفاة والدي رغم مرور ثلاث سنوات على وفاته، جعل كلّ الجيران يتضامنون معها ويشفقون لحالها فيجاملونها ويتداعون للحزن إكراما لها. دخلت حجرة أمّي فوجدتها تقبع في مجلسها ، تحت شبّاك حجرتها الموارب ، تكابد مرارة الفقد وقساوة التمسك بالتقاليد والأعراف البائسة التي تجعل من الأرملة جثّة مؤهولة بالأحزان تنتظر أجلها، توجّهت بنظرها نحوي وهي تمسك الإبرة والقسطبيلة وترقع بعضا من ثيابنا ، يبدو أنّها تمارضت حتى تداعى جسدها للمرض ، فجعلت من مرضها بل من وهمها سببا لرفضها حضور الأعراس والحفلات والمناسبات السعيدة ، لقد ضاعت منها فرصة حضور حفل العندليب كالحلم ، تماما كما ضاع جزء كبير من زمانها ، أقبلت عليها أحادثها ، فتوقّفت عن الخياطة وبادلتني الحديث ، كنت ــــ ورغم صغر سنّي ـــــــ الأقرب لها ، أفهمها رغم صمتها السَّكوت ، لكأنّني أفهم شغفها بالفنّ والحياة، وأدرك أيضا مكابرتها الشديدة في الإصرار على تلبّس مسحة الحزن والتجلّي بها أمام القريب والغريب ، قالت وهي ترمقني بنظرة استغراب :
ـــ أراك عدت سريعا يا فلّة ، ألم تكن الشوارع مزدحمة ؟
ـــ بلى كانت مكتظة ، وحاولت المرور إلى شارع الملعب ، لكنّني لم أوفّق، رغم ذلك لمحت جماعة من النساء الملتحفات يتجمهرن بالقرب من مدخل الملعب .
صمتت برهة من الزمن وقالت متحسّرة:
ـــ الأكيد أنّ اللاّ العطرة وبناتها ونسوة الدار هناك ضمنهنّ ، ياااه يا ابنتي لو كان والدك معنا ، لكنت رافقته إلى الحفل ، لقد كان محبّا للفن وكلّ الأسطوانات التي أحضرها لا تخلو من أغاني أمّ كلثوم وفريد الأطرش و عبد الحليم حافظ...
فهمت من كلام أمّي أنّها كانت ترغب في الحضور ، لكنّها تداري رغبتها بالتمنّع المصطنع . وضعت كيس البنّ على مائدة المطبخ ، ورحت ألاعب أخي كمال الذي لم يقطع عامه الرابع . أنهيت مشهد الضحية الذي تتقنه أمّي في كلّ مناسبة ، لتبدأ مشاهد أخرى تأتي تباعا بكلّ نسيجها المتنكّر للحياة ، وتظهر في زيّ يوحي بالنهاية والفناء ، حتّى خيّل إلي أنّ أمّي أوّل أرملة على وجه المعمورة ، توفّي زوجها وتركها في أوج شبابها الخصب ... آه لو كان لي ولاء على أمّي و أجرؤ على الإفصاح بما يجثم على صدري ! لكنت واجهتها بما أحدّث به نفسي في كلّ مرّة:
ــــ سيّدة هاته الدّار أرملة ، تركها زوجها هي الأخرى في أوج شبابها رفقة بناتها الثلاثة ، لكنّني لم أر قط حزنا ارتسم على ملامحها ولو من باب الذكرى ، لطالما كانت اللاّ العطرة مثال المرأة القويّة الصامدة المقبلة التي يهابها الجميع ، لكنّها أيضا تلك السيّدة الحنون الكريمة المضياف التي تسعد الجميع أيضا ، ماذا لو كانت أمّي مثلها؟
عادت النسوة متأخّرات في مساء الخميس ذاك ، نزعن ملاءاتهن و اجتمعن وسط الدار قرب الفسقية، يسترجعن لحظات حفل العندليب كانت أمّي تجتمع رفقتهنّ ، فهي منذ الصباح ترقُب قدومهنّ بشغف كبير كانت فالة ابنة العطرة أوّل من بدأت الحديث لتلحقها بقية النسوة قالت كالمغازلة :
ــــ لم أكن أتوقع أن حليم بكلّ تلك الوسامة و الأناقة و البهاء رغم سمار بشرته .
ردّت زهور بامتعاض :
ـــ وهل تكتمل الرجولة إلاّ بالسمار يا فهيمة ؟ لو لم يكن زوجي السي العربي أسمرا لما أخذته .
كان لعتيقة الماشطة رأي آخر ، حيث قاطعتهنّ قائلة :
ــــ أمّا أنا فأسرني صوته العذب و إحساسه ، ليته أكمل الحفل .
قالت أمّي مستفهمة عن السّبب :
ــــ ألم يكتمل الحفل ؟
ـــ للأسف كان تيار الكهرباء عذولا ، انقطع فجأة و أبى إلاّ ان يتوقّف الحفل ، لم يغن حليم سوى أغنية " إلوي إلوي يا دنيا " .والغي الحفل اثرها .
تسامرت النسوة ماشاء لهنّ ، حتّى أنهت أمّي الحديث وقالت بنبرة استسلام :
ـــ من لها زوج فهو تاج على رأسها ، فلتدع الله أن يحفظه لها و لأولادها ، أما العازبات فأتمنّى أن ترزقن بابن الحلال الذي يسركنّ ...
في تلك الأثناء قطعت العطرة حديثهن وقد سمعت منه ما أثار فضولها وقالت كالمعاتبة :
ـــ و أرجو من الله أن يرزقك زوجا يسرك يا "خيرة " ، فأنت في عزّ شبابك و ألف من يتمنّاك ، لم ترفضين العرسان وتدفنين نفسك وسط الأحزان؟
حدجتها أمّي بنظرة مشتّتة المعنى ، وغادرت مجلسهنّ في صمت .
***
(4)
4- أيّام تفوح بعبير زهر النارنج والورد المحمّدي (البلدي أو الجوري)
أيقظتني أمّي باكرا ولم أكن أحسن فتح جفنيّ ، أذكر أنّ النّوم حلا في تلك الأيّام الربيعية من شهر نيسان ، عاودني التثاؤب مرّة أخرى ، فالتحفت ونمت وتجاهلت إصرار أمّي ، أغمضت عيني قليلا ، ثمّ قمت دفعة واحدة ، أتحدّي الكسل الذي اعتدت عليه خلال العطلة الربيعية لم نكن نجرؤ على التأخّر في أيّام الدراسة ، لا يخفى عليكم أنّ المدارس الفرنسية كانت شديدة الحرص على النظام والمواظبة ، لا تتساهل أبدا في الإخلال بنظام المدرسة العام ... إنّها صبيحة الأحد يوم عطلة نهاية الأسبوع ، أي نوم يهنأ مع مهراس جارتنا زهور النحّاسي الذي لا يهدأ ؟ جعل رأسي لا يخلو من نبض قارع ، هرعت نحو المغسل وكان أكثر ما انعش صباحي ماء الورد المحمّدي وصابون العنبر ، لا تستغربوا إذا قلت لكم أنّنا وطيلة أيام نيسان نغتسل بماء الورد ، لأنّ أمّي وباقي النسوة يتخلصن من ماء الورد الذي تخلّف من العام الفارط ، لإفراغ الأواني والقوارير من أجل ملئها بمستخلص ورد جديد ، تناولت فطورا ملكيا لم يخل كالعادة من رقائق الثريد (تريدة الطاجين) مع حليب البقر الذي كان يصلنا كل مساء من عند عمّي عثمان الحلاّب ، لم يتخلّف عمّي عثمان عن تزويدنا بحاجتنا من حليب وزبدة ولبن منذ وفاة والدي ، كانت أمّي تدفع له ثمنها رأس الشهر ، والحق أنّنا لم نشتك عوزا في غياب أبي ، لأنّ عائدات نصيب أبي من أرضه في الريف يفي بالغرض ، ولم يقصّر عمّي في منح أمّي نصيبنا من أرض أبي نهاية كلّ حصاد .
لم يكن ينقصنا سوى حضور أبي بيننا ، والحقّ أنّنا ننعم بحياة يغبطنا عليها الغابطون ، لا أدري ما سبب حزن أمّي الدائم وخوفها المستمرّ ، وحرصها الذي ينمّ عن قلق دفين ؟
انتزعت الجبّة القطنية التي خصّصتها للنوم والتي خيطت وطرّزت بأنامل أمّي ، ارتديت فستانا بنيّا فاتحا منمنما بورود زرقاء صغيرة ، ولم ترض أمّي إلاّ أن تمشّط شعري بيديها وترشّه بزيت الخزامى الذي تحضّره بنفسها ، ضفرت شعري جديلتين ، رمت بهما خلف ظهري ، ثمّ شرعت تلقّنني الكلام الذي سأنقله لخالتي " خَنْدودَة" ، قالت بلهجة تنمّ عن امتنان وشوق :
ــــ بلّغي خالتك خندودة سلامي الحار وسلام كل نسوة الدار ، واعلميها أن تحضر لزيارتنا يوم الخميس بعد العصر ، لأنّنا سنقيم " قعدة لتناول القهوة " بعد إتمام عملية التقطير ، ولا تنسي أن تعتني بالقطّار( آنية لتقطير الورد والزهر) ، تفادي الطريق الزلقة ، فقد تتعثري .
سلكت دربا مختصرا يمرّ بدار بن منصور لأجد نفسي بعد بضع خطوات في زنقة الزلّايقة ، ولم يمنعني حرص أمّي وعجلتي ــــ التي تبدّت في حركاتي و وقوفي في مدخل دار "خالتي خندودة" ـــــ من ولوج وسط الدار وتناول حبّات من البراج مع اللّبن بإصرار منها ونزولا عند رغبتها ، لم يمنعها كرمها الشديد من الإلحاح علي في تناول الضيافة ، هي كريمة مع الجميع فكيف سيكون كرمها مع ابنة أعزّ صديقاتها التي هي أمي ، لكنّها ورغم ذلك قالت لي ﺑﻠﻬﺠﺔ ﻣﻌﺎﺗﺒﺔ :
ــــ أكملت نسج البوليرو الصوف الذي وعدتك به لكنّ تماطلت في زيارتي من أجل استلامه هو هديتي لك ، فما غرضك به الآن والجوّ يجنح إلى المصيف ؟
طأطأت خجلا ممّا بدر منّي ، لكنّني في الحقيقة لا أطرق بابا و لا أخطو خطوة إلاّ بإيعاز من أمّي ،وكنت فيما تستدعي أصول اللّياقة والأدب أن تحجّجت بالدراسة ، وقدّمت لها جزيل شكري وامتناني :
ــــ يعطيك الصحة خالتي خندودة ، لا أنسى لك جزيل كرمك .
ــــ أيّ كرم يا فلّة ؟ ! هل بين البنت و أمّها مجاملات ؟ أنا لا أعدّك إلا ابنتي التي لم أرزق بها .
دسّت القطّار بقطعتيه في كيس كبير من الخيش ، ووضعت بداخل "البرمة " (طنجرة نحاسية لاحتواء مكبات الورد والزهر ) قطعا من السكر ، وهي تتمتم بكلام لم أسمع منه سوى البسملة ، سلّمتني البوليرو بعد أن أودعته كيسا من الكتّان ، وقد ارتسمت على ملامحها بهجة لمستها وأنا أتلقّاه و أتلقّى قبلاتها المحمّلة بكثير من الصدق والمحبّة . جعلتني أنصت لما يهمس فيها من الأعماق أن اقتربي ففيك بعض من دمي ، لقد كانت تربطنا بخالتي خندودة قرابة من جهة الأمهات ، فهي وأمّي ابنتا خالات .
شكرتها بحرارة ، وحملت طريق دربي نحو دارنا مسرعة ، وخلال المسير في أزقة زنقة الزلايقة ، راودني شعور غريب بالمكوث هنيهة للتذكّر ، وهزّني الحنين مرّات إلى معاودة بعض مشاربها إحياء للذكريات صعدت الأدراج ، ومررت بدار حاج اعراب (عمي بوزراع الدباغ) ، حينها تذكّرت أياما كنت أرافق اللاّ العطرة لكوشة بوتميرة ، وها نجن اليوم نذكرهما بالخير ونزوّد لهما الرحمة ، مضيت أسرع الخطو ، خشية أن تستبطئني أمّي ....
..... يتبع .....
***
(5)
5- معزوزة اليهودية و طاجين الجمّار
مساء يوم الخميس ، أنهت النسوة التقطير والفرز ، حَضَرَت خالتي خندودة من حارة "الزلايقة" ، وعتيقة الماشطة من حارة " السيدة" ــــ وهي من المقربات جدّا لصاحبة الدار وبناتها ـــــ أمّا فرقة الفقيرات(فرقة عزيزة لفقيرة ) فأبكرت الوصول قبل الجميع ، بحكم أنّهنّ ثلاث بنات من معارف العطرة ، دَأَبْنَ على مشاركتها أفراحها ومناسباتها ، فلا ريب أنّهن يَجِدْن في مشاركتها شيئا من السِّلْوِ و البهجة ، أمّا حضور خالتي معزوزة اليهودية ، هو ماجعل اليوم يُطبع في الذاكرة ، كان شعورنا فيما يشبه الحلم لمّا دَنَوْنا من خالتي معزوزة كما تناديها أمّي وبقية النّسوة ،بعد أن قدّمت لها اللاّ العطرة ما بالغت فيه من ضيافة ، وحبتها بحمّام يليق بعارم لعوارم . تحلّقت النسوة بخالتي معزوزة بمجلس وسط الدار ، بعد أن أخذن زينتهنّ و تبدّين في هيأة تليق بيوم يحسب من زمن السلطانات والبايات ، إذ أجمعن على ارتداء ما شَفَّ و هَفَّ من ثياب تميل لِلَوْن الزهر والياسمين، تدلّت منها قطع ذهبية ، وتَحَلَّيْنَ بدمالج و أساور من ذهب ، وسلاسل من جوهر وعنبر . وتعطّرن بما قطّرت أمّي من مستخلص خزامى .
والغريب أنّ أمّي سمحت لي رفقة وردة ابنة اللّا ياسمين التي هي من تِرْبِي . جلسنا على كثب منها نتأمل ملامحها وثيابها وحُلَيِّها و نقش حناء يديها وقدميها .
من تكون خالتي معزوزة اليهودية ؟ على حدّ ما روت أمّي بشأنها ، فهي سيّدة تجاوزت العقد السابع من عمرها . قدمت من واحات الزيبان .لكنّها فيما روت عن نفسها ذات أصول تارقية . اعتادت الترحال رفقة ولدها للاتّجار وتبادل التمر ومشتقّاته و الحلي والأعشاب الطبيّة . فمعزوزة عشّابة متمكّنة .استطاعت بفضل مهارتها في إستعمال الأعشاب الصحراوية من علاج عديد الحالات المستعصية خاصة منها حالات العقم وعرق النسا والفالج وأمراض الجلد والرّمد .
قالت أمّي أنّ معزوزة سبق لها وأن زارت دار العطرة في حياة زوجها المتوفّى . قَدِمَتْ ضمن قافلة رُفْقة ابنها ، وانفصلا عن القافلة التي حطّت رحالها في منطقة بازر سكرة .أمّا هي وابنها فاكملا الرحلة نحو قسنطينة .و حطّا رحلهما في الرحبة المخصصة للجمال (رحبة الجمال). منذ ذلك الحين .ذاع صيتها وبات للوافدة فضل في علاج حالات استعصت على الأطبّاء على ندرتهم حينذاك .
معزوزة تفكّ السحر والثقاف و تقرأ الطالع . كرامة من كرامات جدّتها التي ورثتها عنها . لا تشذّ معزوزة عن نظيراتها من يهود الطوارق .الذين عُرفوا بمهارتهم في الحرف والاستطباب بالأعشاب و دهائهم في مجال كشف الحجاب وقراءة الطالع وخطّ الرمل .
هاهي اليوم تحلّ علينا وقد بلغت من العمر عتيا ، أُعدّ لهنّ مجلسا صُفّت فيه المقاعد والوسائد على زربية ممدودة بالقرب من حوض الماء والفسقية (النافورة) الذي طفت على سطحه ورود الجوري والياسمين والفل ، توسّطت معزوزة النساء ، ومضت تتبادل معهنّ أطراف الحديث ، وبينما نحن ننتظر ما ستسفر عنه حكايا معزوزة بشغف ، دخلت علينا اللاّ العطرة بقصعة خشبية فيها جذوع بيضاء تشبه قلب الخرشوف (القرنون) .ابتسمت و وهي تضع بيننا القصعة ثم قالت مباهية :
ـــــ ستعلّمكن خالتي معزوزة كيف تقشرن الجمّار و تستمتعن بأكله . أمّا غداؤنا فلن يخلو من طاجين الجمّار .
مكثنا نلتفّ بالوافدة ونستلذّ طعم فلقات قلب الجمار الندي الحلو. ويسكننا الدّهش لما حكته عن غرائب رحلاتها في القوافل . انتشينا لحكاياها.
كان الجو لطيفا ففضّلت معزوزة البقاء في وسط الدار . بينما ثبّتت زهور السكاملة (مائدة دون قاعدة موروث تركي) أمام الضيفة العزيزة ، ثمّ وضعت عليها صينية النحاس الكبيرة ، ووضعت نظيراتها من حاملات صواني (سكاملات) أمام بقيّة النسوة ، مدّت النسوة مناديل قطنية مطرّزة على حجورهن كي تحول دون تلطّخ فساتينهنّ من مرق أو دهن ، و شرعت الأطباق تُرَصِّع الصواني حتّى بدت و كأنّها تحفة من زمرد وياقوت ولؤلؤ ، وتبدّى على الوجوه الرضا ، حضر خبز الدار والجاري و القريتلية البيضا بلحرش (كرات اللحم المفروم المطبوخة) . وطاجين الشواء ، والشطيطحة ، أمّا شباح القعدة فكان طاجين الجمّار الذي ختم أطباق الطعام ، أذكر أنّها كانت سابقة لي ولغيري من الأولاد والبنات أن تناولنا الجمّار و طاجين الجمّار الذي أحضرته خالتي معزوزة رفقة ولدها ، وكان لها الفضل في تلقين العطرة طريقة تحضيره . والحقّ أنّ اللّا العطرة أبدعت في إعداده ؛ أعدّته بفخذ الخروف المحمّر ، و جعلت قلب الجمّار ـــ الذي بخّرته حدّ الاستواء ــــ يتشرّب عسل النحل الممزوج مع عسل النخل ، حتّى بدت الجمّارة شفّافة جرّاء تشرّبها العسل ، ثمّ رشّت حبّات زبيب ولوز محمّص على وجه الطبق بعد أن عزّزت نكهته بمستخلص ماء الورد ( راس القطّار) .
رفعت الأطباق وما تبقى منها ،بعد أن فرغت النسوة من تناول الطعام ، واتّجهن نحو المغسل ، فالعطرة رفقة بناتها حريصات على راحة الضيوف ، فلم تغفلن على وضع صابون العنبر و ملء أباريق النحاس المخصصة لغسل الأيادي .
حال الوضع في الدار يشبه المثل القائل " كي تشبع الكرش تقول للراس غنّي " فما إن حضرت صينية القهوة ــــــ العامرة بما جادت به أيادي حرائر الدار من مقروظ مقلة ومشلوش ومقرقشات وغريبية المشقوق واللّبلابي ، ومعجون الورد والسفرجل ـــــ حتّى ضحكت العطرة فبدَت أسنانها اللامعة المصفوفة بانتظام ، وقالت بلهجة لم تخلُ من فخار :
ـــــ هذا كلّ ما تشتهين في بيتنا السعيد ، بيت العطرة بيت زهو و أفراح، و بيت قصعة وفزعة ، وسيظلّ على حاله ما حييت ، حتّى أنّ كلّ من ضاقت بوحدتها وبعدها عن أهلها ، لاذت إلي مستنجدة ببهجة الدار متنفسا ، وحسبي بنساء الحارات حبّا وتقديرا ، هيّا يا بنات اجتهدن في صنع بهجته .
تشرع الفقيرات في الضرب على البنادير ، فتشي وجوههن بكثير من فرح
ولا تزال تضرب على البنادير ، تَسمعها كأنّها تقرع في الدماغ ، وتصيب القلب من وقع ذبذباتها القوية ، فتنتعش مسامعنا بزخّات من غيث الحضرة ، و تتداعى لها النسوة بالغناء والتمايل ، رافق دق الفقيرات وغنائهنّ لحظات انتشاء ، يجمّلها عبق القهوة المزهّرة ، سرّعت الفقيرات من وتيرة الدقّ على البنادير ، رافقه تصفيق النسوة ، واستمرّ المشهد في تناغم جميل يصنع بهاء وتفرّد أمسيتنا ، إلى أن تعاظم الانسجام لدى "فالة " ابنة اللّا العطرة الكبرى ، فبلغ بها انتشاؤها إلى شطحة من شطحات " التهوال " ، فتفكّ مشابك شعرها الأسود البسط الطويل ، وتتتماهى مع قرع البنادير ، تميل يمينا ثم شمالا ، فيترامى شعرها وفقا لميلها ، ويتورّد وجهها وتنهال عليها مرشّات الزّهر والورد بالرش ، فتتلبّس بشيء من الروحانية ، وترتعش ، وتتبدّل ملامح وجهها ، فتسارع اللاّ زهور وتقف خلفها ، فتمسكها من خصرها ، وتستمرّ في هزّ جسدها حتىّ يغمى عليها ، تكفّ الفقيرات عن قرع البنادير ، ويسود صمت مريب ، لا نرى فيه إلاّ العطرة تنكبّ على ابنتها وتمسح على وجهها وتغمغم بكلام غير مسموع ، وتلتحق الخالة معزوزة بها ، وشفتاها تتمتمان بالدعاء ، على حين تهمّ بنتاها و أمّي في رفع صينية القهوة ، واستحضار صيوان تحلية " السماط " ، ما بالهنّ لا يبالين بحال المصروعة أرضا ؟ كأنّهن تعوّدن على حالها ، ويتوسّمن من مصرعها خيرا !
تستفيق "فالة " من إغماءتها ، فتتربع وسط النسوة غير آبهة بما حدث لها وما تلبث العطرة أن تعاودها حالة انتشاء ، فتطلب من الفقيرات مدائح في انتظار تجهيز أقداح الخشاف ، و أطباق الطبيخ والمحلبي التي ترافقها فطائر الشريك التي تزيّن صيوان جلسة السماط ، أمّا هي فتمضي نحو معزوزة تُوَشْوِشان ، وكان فيما تسرّب إلى مسمعي من كلامهما ، أنّها عازمة على إقامة حضرة لابنتها وإعداد النشرة ومرافقتها إلى دار موسى بحري (الحدّادين ) عسى الله يأخذ بيدها ويشفي ابنتها .
***
================
1- شيء من عطر أمّي
2- نحو سيدي بوعنابة وزيارة العندليب
3- شيء من عطر أمّي
4- أيّام تفوح بعبير زهر النارنج والورد المحمّدي (البلدي أو الجوري)
5- معزوزة اليهودية و طاجين الجمّار