لماذا لم يكتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية ؟ هذا سؤال أراه جوهريا في قراءة أدب نجيب محفوظ من وجهة التحليل النفسي والإجابة في ظني أنه كتبها في العديد من شخصيات أبطال رواياته ، فهو بلاشك كمال عبدالجواد في "الثلاثية" وهو عامر وجدي في "ميرامار" وهو عاشور الناجي في "الحرافيش"، كما أنه يقول :" أنا موجود بقوة في رواياتي "قشتمر " فأنا الذي أتكلم وأروي ، وهناك أجزاء من هذه السيرة في "المرايا" و"صباح الورد" ، وقد اعترف بشكل محدد "أنا كمال عبد الجواد في الثلاثية". والتحليل النفسي لآخر ما كتب نجيب محفوظ وهو "أحلام فترة النقاهة" الذي وبلا أدنى شك يعد عمله المعجز، ويعد آخر أشكال السرد في الأجناس الأدبية بعد المقامة والرواية والقصة، ومن ثم كانت العناية بتقديم التحليل النفسي لهذه الأحلام التي كشفت عن البناء النفسي لنجيب محفوظ، وقد لا أتجاوز إذ أعتبره عمر الحمزاوي في "الشحاذ". ومن ثم لإن منهج التحليل النفسي هو الأنسب لدراسة ظاهرة الإبداع المحفوظي( ). ومن الروايات التي انشغلت بالبحث عن الإيمان والقيم الروحية رواية "رحلة ابن فطومة" التي تتجلى فيها بحث نجيب محفوظ عن الإيمان وراحة الإنسان( ), وتأثر فيها بمقالات كتبها في بداياته الفكرية والأدبية بعنوان "الله"( )، ويؤكد هذا الإنشغال فيقول نجيب محفوظ في مقاله عن مفهوم البراجماتيزم :"المادية تمحو الروحية والضمير الإنساني ولكنها لا تفسر لماذا نجد أنفسنا مع هذا الضمير في عالم غير عالم الموجودات، هو عالم المثل والقيم ؟ جميع هذه المسائل هي أوهام لا أساس لها، نشأت من اعتبار الفكر غاية في نفسه، ومن اعتباره تأملا والحق أن الفكر وظيفة تجريبية ( ). والمتابع لخطابه بمناسبة فوزه بجائزة نوبل سيجد انشغاله بالحياة الروحية الدينية إذ يقول :" أنا ابن حضارتين هما الحضارة المصرية القديمة والعربية الاسلامية ". وقد ظل تكوينه " الفلسفي المبكر" إذ يصبح سلامة موسى أول الشخصيات المهمة في حياته، ثم تأتي شخصية مصطفى عبدالرازق أستاذ الفلسفة الاسلامية ووزير الأوقاف ثاني تلك الشخصيات إذ اختاره ليعمل سكرتيرا له في الوزارة، وكأني بخطابه في نوبل يعبر عن هذه المرحلة وهذا التكوين الذي صبغ حياته بلونها الذي رأيناه. ويشير رءوف سلامة موسي إلى أن نجيب محفوظ تحول عن الكتابة في مجلة "الجديدة" في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين وقد نشر سلامة موسى لمحفوظ مقالاته الفلسفية وكتابه التاريخي المترجم "مصر القديمة" وأول قصصه "ثمن الضعف" وأول رواياته "عبث الأقدار" ربما بتأثير من عمله سكرتيرا لوزير الأوقاف مصطفى عبد الرازق الذي كان أستاذا له لمادة الفلسفة الإسلامية بالجامعة ( )
وفيما يتصل بالمنهج الإكلينيكي القائم على دراسة الحالات الفردية ومنها نخرج بنتائج لا تقل قيمة عن النتائج المستخرجة من المناهج السيكومترية – الإحصائية – كما نعلم أن الموضوعية الحقة هي الفطنة إلى حتمية الذاتية وهو ما يطلق عليه البصيرة العلمية، ومن ثم فالوقائع الفردية والحوادث الشخصية تعد معينا للدراسة المتعمقة وليست سلبية كما يظن، وطبيعة الموضوعية فى التفسير التحليلى النفسي هي أن التحليل النفسى جعل عملية التفسير وسيلة وأداة وقاعدة لدراسة النفس، مناقضا علماء النفس التقليديين فى اعتبار التفسير غاية و هدفا و قمة الدراسة، فالتفسير لدى المحلل هو طريقه إلى المعرفه بالنفس، لذلك يقوم به و هو مطمئن إلى إمكان تعديله و تطويره بما يناسب ما يجد من مادة تفسر، أما عالم النفس التقليدى فيتناول التفسير بوصفه الغاية من المعرفه بالنفس لذلك يقترب منه بحذر شديد و بشك مفرط أحيانا فى أن يطابق الواقع، إذا طرحنا قضية الموضوعية و الذاتية على التفسير التحليلى النفسى لابد من تحديد ثلاثة معالم هامة فى عملية التفسير:حيث يقوم التحليل النفسى على مفهوم التفسير و ليس الشرح و الوصف . و هو بذلك "محاولة حكم موضوعى" – أى ليس قائمة على الأحكام الموضوعية – كما أنه لم يحدد “من” الذى يبلغ هذا الحكم . و أن ما يطرحه التحليل النفسى على بساط التفسير هو ما يسمى “بالمستدعيات الحرة للشخص” وعلى خلاف ما هو شائع لدى بعض المثقفين، لا يفسر التحليل النفسى أحلام أفعال المرضى بل يفسر مستعيات المرضى على أحلامهم و أفعالهم فالتفسير التحليلى تفسير للمستدعيات فقط .و يبدأ التفسير التحليلى من مسلمة هى أن مستدعيات المريض ليست الحقيقة بل هى السبيل إلى الحقيقة فهى اللاشعور أى القصدية الإنسانية( )..
ومن خلال هذا المنهج الخاص بالحالة الفردية نرى رحلة الحياة الفكرية والروحية فنجيب محفوظ قد انشغل بالفلسفة طويلا ومبكرا وكثيرا هي أعماله التي تناولت القضايا الفلسفية الكبرى، فهناك الكثير من شخصيات أبطاله تتحدث بأسماء الفلاسفة وتستشهد بأقوالهم داخل الروايات أمثال برجسون وشبنهور ...الخ، فكما أشار حسن حنفي بقوله "كان كمال يقرأ "منبعا الأخلاق والدين" لما فيه من نزعة رومانسية صوفية ، ويلوذ كمال من الوحشة بوحدة الوجود عند اسبيينوزا أو يتعزى عن هوان شأنه بالمشاركة في الانتصار على الرغبة مع شبنهور أو يهون من إحساسه بتعاسة عائشة بجرعة من فلسفة ليبنتز في تفسير الشر ، أو يروي قلبه المتعطش إلى الحب من شاعرية برجسون، ويقول الشاب أحمد كمال عن خاله "كمال" معذرة إنه من الكتاب الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقا ، وترد سوسن إنه يكتب كثيرا عن الحقائق القديمة ، الروح والمطلق ونظرية المعرفة. هذا جميل ولكنه فيما عدا المتعة الذهنية والترف الفكري لا يفضي إلى غاية . ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم والصعود في سلم الترقي والتحرر والإنسانية في معركة متواصلة والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس المجاهدين أما وثبة الحياة فندعها لبرجسون (رواية السكرية) وتستمر نفس الروح الشاعرية لبرجسون عند إبراهيم عقل في رواية المرايا الذي يقول" أقرأ كتاب برجسون عن أصل الأخلاق والدين ويقول الدكتور سالم باستهتار إني أقرأ برجسون كما أقرأ قصيدة حالم"( ). كما انشغل بالحياة الروحية – الدينية – وبالبحث عن الله في كثير من أعماله أيضا حتى أن هناك من كتب عن هذا الاتجاه في أعماله ، هناك من اتهمه في عقيدته وهو ما دفع السيد فضل للقول :" لم يخرج ابن فطومة من دار الوحى اعتراضاً على الوحى كما تروج قراءات رديئة ومغرضة للرواية في محاولات فاشلة للنيل من صاحبها العظيم , فهو فى رحلته من الطفولة إلى الشيخوخة يبدو لنا مسلماً مؤمناً صحيح الإسلام كما يفهمه , يمتلأ بالرضا بما كتب الله , ويحرص على أوامر الوحى ونواهيه ما أمكنه , تعيش فى وجدانه نداءات هذا الوحى وإشاراته ، يحفظ القرآن الكريم ويستمتع بعذوبة لفظه وجلال معانيه , ويقتبس منه ليؤيد فكره ,ويدرس الحديث ويعرف الفقه واللغة والتصوف , يقبل من عروسه رؤية الوجه والكفين حين يتقدم لخطبتها محترما تقاليد دينية تحيره , يواظب على صلواته وأدعيته وأوردته , يؤديها فى تسليم وخشوع , فى وطنه كما يؤديها فى غربته . كانت أول عبارة فى الخطوة الأولى من رحلته : اللهم بارك خطاى"( ).
واستخدام نجيب محفوظ لطريقة الحالة الفردية وعرض تاريخها العائلي والشخصي وملامح التطور والنمو والصراعات التي تعاني منها الشخصية وكيفية مواجهة تلك الصعاب والتعامل مع الواقع سواء بالهروب إلى أحلام اليقظة او بالمرض النفسي وأعراضه المختلفة ليس غريبا على دارسي الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، فقد كان الدارسون لتخصص الفلسفة في الفترة التي درس فيها نجيب محفوظ الفلسفة بالجامعة المصرية ( 1930 – 1934) يدرسون إلى جانبها علم النفس والاجتماع والمنطق وكثير من تلك الأجيال تخصص في علم النفس والتحليل النفسي فيما بعد مثل يوسف مراد ومصطفى زيور ومصطفى سويف ومصطفى صفوان وصلاح مخيمر وغيرهم الكثير، بل كان بحق كما كان يردد فرج أحمد فرج إننجيب محفوظ أستاذ لعلماء النفس والمحللين النفسيين أيضا، فقد سبق له وقدم نظرية علم النفس الحديث في تفسير الحب فيقول "إن علم النفس الحديث يدرس الظاهرات النفسية كالحب دراسة علمية والحب عنده ظاهرة من هذه الظاهرات فهو يفسره على أساس أنه ظاهرة ذاتية تتعلق بنفس المحب لا بنفس المحبوب، إننا نحب الشيء تباعا لهوانا من غير تدخل جدارة الشيء أو عدم جدارته فالحب وثبة نفسية ماهيتها أن تمتلك ما تظنه يشبع هواك، وصعوبة التفسير للحب كان مرده دوما لأن أمر النفس مبهم رغم كل هذه البحوث والتقدم في الرؤى حوله( ) وهذا التصور للحب ومناقشته هو ما جرى على لسان كمال في الثلاثية وحبه لعايدة شداد. وفي مقاله عن "نظريات العقل" وهي مسألة المعرفة وهي مبنية على هذا السؤال هل تتلقى النفس العلم وهي لا تملك من أمر تصريفه شيئا أم أنها قوة ايجابية لها ذاتيتها المبدعة المستقلة عن التجربة ؟ واستعرض فيه لمحاولات سقراط وأفلاطون وأرسطو حول موضوع العلم وهو الماهية أو ذات الشيئ واستنتاج أن العقل عقلان سلبي وإيجابي، وعرض للفلسلفة الرواقية والأبيقورية والفلسفة الحديثة عند ديكارت وجون لوك وليبنتز ودافيد هيوم وكانط وسبنسر ودوكايم ووليم جيمس وخلص إلى مشكلة فهم العقل ودوره في المعرفة سواء بالتجربة ودور المجتمع ( ) وقضية المعرفة ودور العقل فيها تلك نجدها موجودة في روايات "الطريق" وبحث صابر الرحيمي عن الأب الرمزي – القانون -، و"الشحاذ" وبحث عمر الحمزاوي عن السعادة وكذلك الحال في "السراب" وبحث كامل رؤبة لاظ عن كماله المنقوص بسبب أمه وتعلقها به، الذي كانت نواته الأولى في فكر نجيب محفوظ عندما كتب يفسر واقع اخناتون التاريخي انطلاقا من علاقته بأمه الملكة "تي" في رواية "العائش في الحقيقة" فقد أسقطت الأم رغباتها على ولدها الضعيف، ومن قبل تلك كانت ترجمة نجيب محفوظ لكتاب "مصر القديمة" ( ) ولهذا كان غرام نجيب محفوظ بتاريخ مصر القديمة قد تجلى في أعماله التاريخية "رادوبيس وعبث الأقدار وكفاح طيبة".
وبناء على ما سبق فنجيب محفوظ كتب سيرته الروحية والفكرية وما مر به من صراعات وتحولات وجدل فكري وفلسفي وروحي مسقطا إياها على حياة " قنديل محمد العنابي في روايته رحلة ابن فطومة" فقد بدأ وفق هذا المنهج بعرض التاريخ العائلي لقنديل محمد العنابي بطل الرواية ليقول عنه: "كان أبي تاجرًا ثريًا، أنجب سبعة أبناء أصبحوا تجارًا مرموقين، وعندما تجاوز الأب الثمانين من عمره وقع نظره على فتاة جميلة عمرها سبعة عشر عامًا فتزوجها، وقد أحدث ذلك الزواج غضبًا عارمًا في أسرته، ازداد وتضاعف حين أنجبت الأخ الثامن لهم،. كما حدثنا عن أمه:" فطومة الأزهري: فهي فتاة جميلة أحبها والد محمد قنديل وهو في الثمانين من عمره وتزوجها، وأقام معها في دار سجلها باسمها، وقد أحدث زواجهما غضبًا شديدًا في الأسرة المكونة من سبعة أبناء، وما يزيد غضبهم إنجاب فطومة للطفل (محمد قنديل) لكن إخوته أطلقوا عليه "ابن فطومة". فتبرأ إخوته منه وشككوا في نسبه، وعندما مات الأب ترك ثروة مُجزية للابن الصغير وأمه، وقد كبر الصغير وأصبح قنديل يتعلم عند الشيخ مغاغة تعاليم الاسلام والدين ، ثم يستكمل التاريخ العائلي حول معلمه وشيخه “مغاغة الجبيلي”، وهو صورة لما ينبغي أن يكون عليه المعلم الحق وحديث شيخه عن رحلاته التي لم تكتمل بالوصول إلى بلاد الكمال والعدل المفقودين في بلاده “دار الجبل”. ، ثم تقدم في العمر فقرر الزواج من “حليمة” بنت جارهم عدلي الطنطاوي، وقد أذاب جمالها في قلبه كل الفوارق بينهما. تمت الخطبة، ثم انتهت سريعًا عندما أراد حاجب الوالي الثالث أن يتزوج حليمة، ولمنصبه لم يكن أمام الأب وابنته سوى الرضوخ. تزوجت أمه من شيخه، ثم قرر هو أن يخوض الرحلة إلى دار الجبل وهو دون العشرين. ثم عهد به شيخه إلى صاحب القافلة “القاني بن حمديس”. أخبره بقواعد الرحلة حيث تحط القافلة رحالها في كل بلد تنزلها لمدة عشرة أيام ثم ترتحل إلى الدار التي تليها. تم الاتفاق وبدأت الرحلة إلى أول البلاد “المشرق”. وفي هذا الفصل نعرف كل ما ينبغي معرفته عن تاريخ الالة العائلي ومراحل تطوره النفسي والتعليمي والاجتماعي ..الخ .
ثم نقرأ عن تاريخ الرحلة المعبر عن البحث عن المعرفة والحق والجمال والعل بعد شهر من المسير، وصلوا أخيرًا إلى “المشرق”، وهي بلاد وثنية تعبد القمر، زيها الرسمي: قطعة قماش تستر العورة فقط. يطحن الفقر الجميع، عدا الملك وحاشيته. رأى أثناء تجوله قصرًا شاهقًا، كان مقر الملك والحكم في بلاد المشرق، وتم تقسيم البلاد لأربعة ممالك صغيرة تابعة له. صادف “عروسة” وهي امرأة من أهل المشرق ذكرته ملامحها بمحبوته في وطنه، ولما رآه أبوها معجبًا بها دعاه ليدخل خيمتهم، ثم أرخى عليهما سترًا، وفي الحقيقة، كان ذلك نزع لكل أستار قنديل، حيائه ودينه، فضلًا عن قطعة القماش التي كان يتزر بها، وتمت العلاقة في حميمية شديدة. بعد ذلك، حوار مع كاهن البلاد، عن الدين في بلاد الإسلام وبلاد المشرق، تلقى قنديل فيه طعنات موجعة، بسبب الشعارات البراقة التي يتغنى بها المسلمون، ولا يفعلون منها شيئًا، وخصوصًا المساواة. ثم جدل عقيم حول الجنس في الدارين أيضًا، وانتهى النقاش بينهما بكلمة عبقرية “ديننا عظيم وحياتنا وثنية”. طلب أن يتزوج من عروسة، ولكن هذا لم يكن متاح عندهم، فأراد أن يشتريها، فلم يتم له الأمر أيضًا. كان الحل في استئجارها بثلاث دنانير في الشهر. ترك القافلة، وقرر البقاء في بلاد المشرق مع عروسة، وظل معها لمدة أربع أعوام، وجاء كل عام بمولود جديد، لكن جميعهم ينسبون للأم وليس له، كما هي العادة هناك. انتهى الأمر، بالتفريق بينه وبين “عروسة” وأولادهم الأربعة، بسبب محاولاته أن يعلم أحد الأبناء الإسلام. تم طرده وبدأت رحلته الإجبارية إلى بلاد الحيرة.
ونستكمل رحلة ابن فطومة إلى بلاد الحيرة، وفيها وجد ما يدع الحكيم حيران. بلاد أقرب ما تكون إلى بلاده، من ناحية كل شيء: الشعارات الفارغة، تسلط الأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطان والملك على المقدرات والبشر. الوالي يفعل ذلك باسم الدين وإله الحيرة يفعل ذلك بادعائه الألوهية مباشرة دون واسطة. أعلن جيش الحيرة الهجوم على بلاد المشرق، ليحرر العبيد هناك، وبالفعل حققوا نصرًا كبيرًا. كانت عروسة في السبايا التي جاءوا بهن من بلاد المشرق، اشتراها من السوق، وقصت عليه ما حدث، من قتل لأبيها، والأولاد في المجهول. لم يمض أسبوع حتى تكرر ما حدث مع حليمة في وطنه، حيث أعجب “ديزنج” أحد الوجهاء في الحيرة بعروسة، واتخذها لنفسه، بعد تلفيق تهمة له، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة. دخل السجن، وبعد عشرين سنة حدث انقلاب من ابن أخ الملك، ويأتي ملك جديد ويحرر ابن فطومة. أعيدت إليه أمواله ومتاعه باستثناء عروسة التي رحلت إلى بلاد الحلبة.
وفي بلاد الحلبة لها من اسمها نصيب فكل شيء يتصارع فيها، ولكن مصارعة ناعمة، باستغلال وسائل الحرية. المظاهرات حق للجميع بدءًا من الاعتراض على سياسة الرئيس، انتهاء بالمطالبة بحقوق الشواذ. الحلبة تدعم العلماء المفكرين، وتقف على قدم المساواة بين جميع الأديان والطوائف. وجد المسجد بعد نصف قرن أخيرًا، وتعرف على إمامه الشيخ “حمادة السبكي”. تعرف على عائلة السبكي، ولم يمض وقت طويل، حتى تزوج ابنته سامية ـ طبيبة الأطفال ـ نقاشات بين عائلة السبكي وابن فطومة، تفتح له أفاقًا جديدة، ومن أهمها: موضوع المرأة، والجانب الأخلاقي للحروب وللحرية. قامت بين الحلبة والحيرة حرب، وانتصرت فيها الحلبة. تذكر ابن فطومة بعد مدة كبيرة أنه في الأساس ابن فطّومة الرحَّالة، لذا قرر إكمال سيره إلى بلاد “الأمان”.
وفي بلاد الأمان يقتضي أن يذهب إلى مكان رسمي، ليتم تعريفه على مرافق له، تأمينًا له ولأهل البلد. مدة الإقامة لا تتجاوز عشرة أيام، ثم يمكن تمديدها بعد ذلك. حُدِد له مرافق اسمه “فلوكه” يرافقه في كل خطواته، حتى في غرفة نومه وحمامه. المدينة في الصباح خالية، فالجميع في أعمالهم، وبسبب ذلك لا يوجد تفاوت كبير بين مستوى المعيشة بين الجميع. مع الغروب تظهر جموع البشر، وهي عائدة إلى مساكنها، والليل للراحة، ولا أهمية لأماكن الترفيه، سوى في الأعياد والعطلات. اهتمام مذهل بالأطفال والعجائز بهر ابن فطومة. الأمان وصل لدرجة التدخل في طريقة الأكل، فلا يقدم إلا النافع، والضار ليس متاح، باستثناء الخمر. الجميع هناك في نفس الصحة تقريبًا، بل ونفس الشكل، والتجهم المستمر أيضًا. القيمة المقدسة هنا هي: العدل ووسائل تطبيقه هي: القانون والنظام الذي يسود الكل ،عرف بمرور عروسة بهذه الدار ولكنها انتقلت إلى التي تليها “الغروب”.
وفي دار الغروب وجدها بلا حراس ولا أبواب، جوها لا مثيل له، لا توجد فيها أبنية من أي نوع فلا قصر ولا كوخ، أهلها في صمت تام. وكان انطباع ابن فطومة عنها “جنة بلا ناس”. قابل حكيم هذا المكان وكان لديه قدرة على الدخول إلى رأسك، ومعرفة ما كان، ويطلق على نفسه “مدرب الحائرين” الباحثين عن المعرفة. فسر له الحكيم عدم كلام الناس بأنهم منهمكون في التأمل، ليعدوا أنفسهم لمملكة الجبل. التدريب لأجل استخراج القدرات الكامنة في النفوس لأن هذه الكنوز النفسية، هي العملة المستخدمة هناك ومن غيرها يكون المرء في دار الجبل مثل: “الحيوان الأعجم”. أعطى الحكيم علامة لابن فطومة حتى يعرف أنه أصبح جاهز لمحطته التالية: “أن يتأتى لك أن تطير بلا أجنحة”. أخبره الحكيم، أن الأولى بالباحث عن المعرفة لإصلاح وطنه أن يبقى فيه، ولا يهجره لأن هذا “عذر الخائنين”. أهم وصايا الحكيم: “أحب العمل، واهمل الثمرة والجزاء” فهذا “يوثق المودة بينك وبين روح الوجود. لم تسلم هذه الدار من الحروب الدائرة حولها،حيث داهمهم جيش الأمان، بحجة أن بلاد الغروب أصبحت هامة لهم، حتى لا تقع تحت أيدي بلاد الحلبة. تم إمهال دار الغروب ليوم فقط، حتى يتجهزوا للرحيل إلى دار الجبل، أو يصيروا عبيدًا يعملون في الزراعة والصناعة. في الصباح التالي تجهز الجميع للرحيل فكانت البداية.
وفي الفصل الأخير “البداية” لنجيب محفوظ وهو ابن فطومة سيكمل رحلة الحياة للاخرة وحده فهي رحلة طويلة، وبعد مرحلة منها، تركهم صاحب القافلة لأن الطرق التالية لا تتسع إلا لحجم إنسان، ولذا سيكملون الرحلة سيرًا. أعطى ابن فطومة ما كتبه من أوراق لقائد القافلة، وأوصاه أن يوصلها إلى “أمه أو إلى أمين دار الحكمة” لنشرها. رجع صاحب القافلة، وأكمل ابن فطومة ورفاقه السير إلى وجهتهم، ولا يعرف شيء عنهم ولا عن دار الجبل أكثر من ذلك ( ). يترك نجيب محفوظ نهاية الرواية مفتوحة ليتوقعها القاريء كيف يشاء.
ومن هنا رأى السيد فضل وغيره أن رحلة ابن فطومة هي رحلة زمنية لحياة نجيب محفوظ :" هذا الترتيب التاريخى لا يبعد بك كثيراً عن ترتيب شخصي لتجربة ذاتية لا تباين هذا الترتيب الكونى, وبإمكانك أن تتلقاه باعتباره ما انكشف للراوى فى عمره الطويل من الطفولة والصبا والشباب إلى رجولته وكهولته وشيخوخته . وقد أفصحت السطور الأولى من الرواية عن هذا المعنى الذى يجعل من رحلة ابن فطومة رحلة حياة فكرية لشخصية مكترثة من طفولة بريئة إلى شيخوخة حالمة , وما بينهما يسميه الراوى محطات للروح الحائر :
الراوى: الحياة والموت , الحلم واليقظة , محطات للروح الحائر , يقطعها مرحلة بعد مرحلة , متلقياً من الأشياء إشارات وغمزات متخبطاً فى بحر الظلمات , متشبساً بأمل يتجدد باسما فى غموض , عم تبحث أيها الرحالة . ص5 "( ) . وأن "رحلة ابن فطومة " تُحاكِي رحلةَ " نجيب محفوظ " الفكريةَ والروحيةَ فِي هذا العالمِ ، وتعبِرُ عمَّا اعترَاه علىَ مدارِ سنواتِ عمرِه مِنْ تَخبطِ بينَ الفلسفاتِ والرؤى السياسيةِ وطريقةِ الوصولِ لغايةِ الإنسانِ وهي السعادةُ .، وابنُ فطومةِ يتساءلُ : أينَ المدينةُ الفاضلةُ الكاملةُ ؟ ويتحرقُ للوصولِ لدارِ الجبلِ غايةِ المرادِ والمكتملةِ فيها السعادةِ الفرديةِ والتي ربَّما تَعني الوصولَ للموتِ أو الوصولِ لأقصى درجاتِ التصوفِ والسعادةِ الروحيةِ ، ولكي تصلَ إلىَ السعادةِ الكاملةِ فعليك أنْ تعملَ دونَ انتظارِ ثوابٍ وأنْ تُطهِرَ روحَك مِن الشوائبِ وذلك لا يتمُّ سوى فِي دارٍ أخرى تُسمى ” دارِ الغروبِ ” حتىَ يستطيعَ المتصوفُ القاصدُ ” دارِ الجبلِ ” الطيرانَ فعلياً لا مجازياً ، ويتركُ ” نجيب محفوظ ” النهايةَ بلا جوابٍ فقد انتهت مخطوطةُ ابنِ فطومةِ عندَ وصولِ الرحلةِ لدارِ الجبلِ ، فهلْ بلغَ الكمالَ حقاً ، أم أنَّه حُلماً بعيدَ المنالِ ؟ هكذا يتناولُ أصعبَ وأعمقَ القضايا بسلاسةٍ وحكمةٍ وبرمزيةٍ مُبدعةٍ يقارنُ بينَ حالِ كثيرٍ مِن المجتمعاتِ وبينَ مجتمعِنا الإسلامي بينَ مجتمعاتٍ تبحثُ وتجتهدُ لتصلَ إلىَ منهجٍ مُحددٍ يوفرُ لهَا الاستقرارَ والنجاحَ بينَما نحنُ المسلمون ونحنُ بأيدينا منهجُ حياةٍ لكنَّنا نسيرُ فِي الأرضِ هائمين لا تفكيرَ ، لا اجتهادَ ، ولا حتى مجردِ تطبيقٍ كما يجبُ ، فكان يبحثُ عن كنزِ في هذه الرحلةِ يبحثُ عن الدواءِ الذي يستطيعُ استخلاصِه منها ليقدمَه لمجتمعِه ربَّما يشفى لكن كعادةِ كلِ الأشياءِ القيمةِ في حوزتِنا ولا نكترثُ لها ، إنَّ اللمحةَ الفلسفيةَ فِي حديثِه عنْ الدينِ والدنيا ليست خفيةً فِي كتاباتِه ، لكن لكلامِه الكثيرَ منَ المعاني ، يستطيعُ كلُ قارئ بأنْ يؤولَ الروايةَ منْ وجهةِ نظرِه الخاصةِ ، ويستخلصُ المعنى الذي يريدُه مِنها ، لكن من العسيرِ أنْ تفهمَ ما كان يدورُ بخُلدِ ” محفوظ ” بالضبطِ عندَما يُمسِكُ قلمَه ، وتلك سمةٌ من سماتِ تُميزُ ” نجيب محفوظ ” ، إنَّ ما يريدُ أنْ يوضحَه ” محفوظ ” أن ” قنديل ” ترك بلادَه التي ملَّ مِنها وظلَّ يرتحلُ فِي مختلفِ مراحلِه العمريةِ وراءَ المعرفةِ الكامنةِ فِي ” دار الجبل ” وفِي ظلِ بحثِه شغله متاعُ الدنيا عَن هدفِه الذي ترك بلادَه لكي يسعى وراءه ، ولم نعرفْ هلْ وجده أمْ لا ؛ لأنَّه لمْ يعد بإمكانِنا أنْ نعرفَ أكثرَ منْ هذا ( ).
وبعد،، فهذه دراسة حالة فردية كتبها نجيب محفوظ مستلهما سيرته الذاتية وحياته وما مر بها من عواصف وأحداث وناقش فيها قضيتي الإيمان والتيارات الفكرية والفلسفية التي شغلته طوال مسيرته.
خالد محمد عبدالغني
وفيما يتصل بالمنهج الإكلينيكي القائم على دراسة الحالات الفردية ومنها نخرج بنتائج لا تقل قيمة عن النتائج المستخرجة من المناهج السيكومترية – الإحصائية – كما نعلم أن الموضوعية الحقة هي الفطنة إلى حتمية الذاتية وهو ما يطلق عليه البصيرة العلمية، ومن ثم فالوقائع الفردية والحوادث الشخصية تعد معينا للدراسة المتعمقة وليست سلبية كما يظن، وطبيعة الموضوعية فى التفسير التحليلى النفسي هي أن التحليل النفسى جعل عملية التفسير وسيلة وأداة وقاعدة لدراسة النفس، مناقضا علماء النفس التقليديين فى اعتبار التفسير غاية و هدفا و قمة الدراسة، فالتفسير لدى المحلل هو طريقه إلى المعرفه بالنفس، لذلك يقوم به و هو مطمئن إلى إمكان تعديله و تطويره بما يناسب ما يجد من مادة تفسر، أما عالم النفس التقليدى فيتناول التفسير بوصفه الغاية من المعرفه بالنفس لذلك يقترب منه بحذر شديد و بشك مفرط أحيانا فى أن يطابق الواقع، إذا طرحنا قضية الموضوعية و الذاتية على التفسير التحليلى النفسى لابد من تحديد ثلاثة معالم هامة فى عملية التفسير:حيث يقوم التحليل النفسى على مفهوم التفسير و ليس الشرح و الوصف . و هو بذلك "محاولة حكم موضوعى" – أى ليس قائمة على الأحكام الموضوعية – كما أنه لم يحدد “من” الذى يبلغ هذا الحكم . و أن ما يطرحه التحليل النفسى على بساط التفسير هو ما يسمى “بالمستدعيات الحرة للشخص” وعلى خلاف ما هو شائع لدى بعض المثقفين، لا يفسر التحليل النفسى أحلام أفعال المرضى بل يفسر مستعيات المرضى على أحلامهم و أفعالهم فالتفسير التحليلى تفسير للمستدعيات فقط .و يبدأ التفسير التحليلى من مسلمة هى أن مستدعيات المريض ليست الحقيقة بل هى السبيل إلى الحقيقة فهى اللاشعور أى القصدية الإنسانية( )..
ومن خلال هذا المنهج الخاص بالحالة الفردية نرى رحلة الحياة الفكرية والروحية فنجيب محفوظ قد انشغل بالفلسفة طويلا ومبكرا وكثيرا هي أعماله التي تناولت القضايا الفلسفية الكبرى، فهناك الكثير من شخصيات أبطاله تتحدث بأسماء الفلاسفة وتستشهد بأقوالهم داخل الروايات أمثال برجسون وشبنهور ...الخ، فكما أشار حسن حنفي بقوله "كان كمال يقرأ "منبعا الأخلاق والدين" لما فيه من نزعة رومانسية صوفية ، ويلوذ كمال من الوحشة بوحدة الوجود عند اسبيينوزا أو يتعزى عن هوان شأنه بالمشاركة في الانتصار على الرغبة مع شبنهور أو يهون من إحساسه بتعاسة عائشة بجرعة من فلسفة ليبنتز في تفسير الشر ، أو يروي قلبه المتعطش إلى الحب من شاعرية برجسون، ويقول الشاب أحمد كمال عن خاله "كمال" معذرة إنه من الكتاب الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقا ، وترد سوسن إنه يكتب كثيرا عن الحقائق القديمة ، الروح والمطلق ونظرية المعرفة. هذا جميل ولكنه فيما عدا المتعة الذهنية والترف الفكري لا يفضي إلى غاية . ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم والصعود في سلم الترقي والتحرر والإنسانية في معركة متواصلة والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس المجاهدين أما وثبة الحياة فندعها لبرجسون (رواية السكرية) وتستمر نفس الروح الشاعرية لبرجسون عند إبراهيم عقل في رواية المرايا الذي يقول" أقرأ كتاب برجسون عن أصل الأخلاق والدين ويقول الدكتور سالم باستهتار إني أقرأ برجسون كما أقرأ قصيدة حالم"( ). كما انشغل بالحياة الروحية – الدينية – وبالبحث عن الله في كثير من أعماله أيضا حتى أن هناك من كتب عن هذا الاتجاه في أعماله ، هناك من اتهمه في عقيدته وهو ما دفع السيد فضل للقول :" لم يخرج ابن فطومة من دار الوحى اعتراضاً على الوحى كما تروج قراءات رديئة ومغرضة للرواية في محاولات فاشلة للنيل من صاحبها العظيم , فهو فى رحلته من الطفولة إلى الشيخوخة يبدو لنا مسلماً مؤمناً صحيح الإسلام كما يفهمه , يمتلأ بالرضا بما كتب الله , ويحرص على أوامر الوحى ونواهيه ما أمكنه , تعيش فى وجدانه نداءات هذا الوحى وإشاراته ، يحفظ القرآن الكريم ويستمتع بعذوبة لفظه وجلال معانيه , ويقتبس منه ليؤيد فكره ,ويدرس الحديث ويعرف الفقه واللغة والتصوف , يقبل من عروسه رؤية الوجه والكفين حين يتقدم لخطبتها محترما تقاليد دينية تحيره , يواظب على صلواته وأدعيته وأوردته , يؤديها فى تسليم وخشوع , فى وطنه كما يؤديها فى غربته . كانت أول عبارة فى الخطوة الأولى من رحلته : اللهم بارك خطاى"( ).
واستخدام نجيب محفوظ لطريقة الحالة الفردية وعرض تاريخها العائلي والشخصي وملامح التطور والنمو والصراعات التي تعاني منها الشخصية وكيفية مواجهة تلك الصعاب والتعامل مع الواقع سواء بالهروب إلى أحلام اليقظة او بالمرض النفسي وأعراضه المختلفة ليس غريبا على دارسي الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، فقد كان الدارسون لتخصص الفلسفة في الفترة التي درس فيها نجيب محفوظ الفلسفة بالجامعة المصرية ( 1930 – 1934) يدرسون إلى جانبها علم النفس والاجتماع والمنطق وكثير من تلك الأجيال تخصص في علم النفس والتحليل النفسي فيما بعد مثل يوسف مراد ومصطفى زيور ومصطفى سويف ومصطفى صفوان وصلاح مخيمر وغيرهم الكثير، بل كان بحق كما كان يردد فرج أحمد فرج إننجيب محفوظ أستاذ لعلماء النفس والمحللين النفسيين أيضا، فقد سبق له وقدم نظرية علم النفس الحديث في تفسير الحب فيقول "إن علم النفس الحديث يدرس الظاهرات النفسية كالحب دراسة علمية والحب عنده ظاهرة من هذه الظاهرات فهو يفسره على أساس أنه ظاهرة ذاتية تتعلق بنفس المحب لا بنفس المحبوب، إننا نحب الشيء تباعا لهوانا من غير تدخل جدارة الشيء أو عدم جدارته فالحب وثبة نفسية ماهيتها أن تمتلك ما تظنه يشبع هواك، وصعوبة التفسير للحب كان مرده دوما لأن أمر النفس مبهم رغم كل هذه البحوث والتقدم في الرؤى حوله( ) وهذا التصور للحب ومناقشته هو ما جرى على لسان كمال في الثلاثية وحبه لعايدة شداد. وفي مقاله عن "نظريات العقل" وهي مسألة المعرفة وهي مبنية على هذا السؤال هل تتلقى النفس العلم وهي لا تملك من أمر تصريفه شيئا أم أنها قوة ايجابية لها ذاتيتها المبدعة المستقلة عن التجربة ؟ واستعرض فيه لمحاولات سقراط وأفلاطون وأرسطو حول موضوع العلم وهو الماهية أو ذات الشيئ واستنتاج أن العقل عقلان سلبي وإيجابي، وعرض للفلسلفة الرواقية والأبيقورية والفلسفة الحديثة عند ديكارت وجون لوك وليبنتز ودافيد هيوم وكانط وسبنسر ودوكايم ووليم جيمس وخلص إلى مشكلة فهم العقل ودوره في المعرفة سواء بالتجربة ودور المجتمع ( ) وقضية المعرفة ودور العقل فيها تلك نجدها موجودة في روايات "الطريق" وبحث صابر الرحيمي عن الأب الرمزي – القانون -، و"الشحاذ" وبحث عمر الحمزاوي عن السعادة وكذلك الحال في "السراب" وبحث كامل رؤبة لاظ عن كماله المنقوص بسبب أمه وتعلقها به، الذي كانت نواته الأولى في فكر نجيب محفوظ عندما كتب يفسر واقع اخناتون التاريخي انطلاقا من علاقته بأمه الملكة "تي" في رواية "العائش في الحقيقة" فقد أسقطت الأم رغباتها على ولدها الضعيف، ومن قبل تلك كانت ترجمة نجيب محفوظ لكتاب "مصر القديمة" ( ) ولهذا كان غرام نجيب محفوظ بتاريخ مصر القديمة قد تجلى في أعماله التاريخية "رادوبيس وعبث الأقدار وكفاح طيبة".
وبناء على ما سبق فنجيب محفوظ كتب سيرته الروحية والفكرية وما مر به من صراعات وتحولات وجدل فكري وفلسفي وروحي مسقطا إياها على حياة " قنديل محمد العنابي في روايته رحلة ابن فطومة" فقد بدأ وفق هذا المنهج بعرض التاريخ العائلي لقنديل محمد العنابي بطل الرواية ليقول عنه: "كان أبي تاجرًا ثريًا، أنجب سبعة أبناء أصبحوا تجارًا مرموقين، وعندما تجاوز الأب الثمانين من عمره وقع نظره على فتاة جميلة عمرها سبعة عشر عامًا فتزوجها، وقد أحدث ذلك الزواج غضبًا عارمًا في أسرته، ازداد وتضاعف حين أنجبت الأخ الثامن لهم،. كما حدثنا عن أمه:" فطومة الأزهري: فهي فتاة جميلة أحبها والد محمد قنديل وهو في الثمانين من عمره وتزوجها، وأقام معها في دار سجلها باسمها، وقد أحدث زواجهما غضبًا شديدًا في الأسرة المكونة من سبعة أبناء، وما يزيد غضبهم إنجاب فطومة للطفل (محمد قنديل) لكن إخوته أطلقوا عليه "ابن فطومة". فتبرأ إخوته منه وشككوا في نسبه، وعندما مات الأب ترك ثروة مُجزية للابن الصغير وأمه، وقد كبر الصغير وأصبح قنديل يتعلم عند الشيخ مغاغة تعاليم الاسلام والدين ، ثم يستكمل التاريخ العائلي حول معلمه وشيخه “مغاغة الجبيلي”، وهو صورة لما ينبغي أن يكون عليه المعلم الحق وحديث شيخه عن رحلاته التي لم تكتمل بالوصول إلى بلاد الكمال والعدل المفقودين في بلاده “دار الجبل”. ، ثم تقدم في العمر فقرر الزواج من “حليمة” بنت جارهم عدلي الطنطاوي، وقد أذاب جمالها في قلبه كل الفوارق بينهما. تمت الخطبة، ثم انتهت سريعًا عندما أراد حاجب الوالي الثالث أن يتزوج حليمة، ولمنصبه لم يكن أمام الأب وابنته سوى الرضوخ. تزوجت أمه من شيخه، ثم قرر هو أن يخوض الرحلة إلى دار الجبل وهو دون العشرين. ثم عهد به شيخه إلى صاحب القافلة “القاني بن حمديس”. أخبره بقواعد الرحلة حيث تحط القافلة رحالها في كل بلد تنزلها لمدة عشرة أيام ثم ترتحل إلى الدار التي تليها. تم الاتفاق وبدأت الرحلة إلى أول البلاد “المشرق”. وفي هذا الفصل نعرف كل ما ينبغي معرفته عن تاريخ الالة العائلي ومراحل تطوره النفسي والتعليمي والاجتماعي ..الخ .
ثم نقرأ عن تاريخ الرحلة المعبر عن البحث عن المعرفة والحق والجمال والعل بعد شهر من المسير، وصلوا أخيرًا إلى “المشرق”، وهي بلاد وثنية تعبد القمر، زيها الرسمي: قطعة قماش تستر العورة فقط. يطحن الفقر الجميع، عدا الملك وحاشيته. رأى أثناء تجوله قصرًا شاهقًا، كان مقر الملك والحكم في بلاد المشرق، وتم تقسيم البلاد لأربعة ممالك صغيرة تابعة له. صادف “عروسة” وهي امرأة من أهل المشرق ذكرته ملامحها بمحبوته في وطنه، ولما رآه أبوها معجبًا بها دعاه ليدخل خيمتهم، ثم أرخى عليهما سترًا، وفي الحقيقة، كان ذلك نزع لكل أستار قنديل، حيائه ودينه، فضلًا عن قطعة القماش التي كان يتزر بها، وتمت العلاقة في حميمية شديدة. بعد ذلك، حوار مع كاهن البلاد، عن الدين في بلاد الإسلام وبلاد المشرق، تلقى قنديل فيه طعنات موجعة، بسبب الشعارات البراقة التي يتغنى بها المسلمون، ولا يفعلون منها شيئًا، وخصوصًا المساواة. ثم جدل عقيم حول الجنس في الدارين أيضًا، وانتهى النقاش بينهما بكلمة عبقرية “ديننا عظيم وحياتنا وثنية”. طلب أن يتزوج من عروسة، ولكن هذا لم يكن متاح عندهم، فأراد أن يشتريها، فلم يتم له الأمر أيضًا. كان الحل في استئجارها بثلاث دنانير في الشهر. ترك القافلة، وقرر البقاء في بلاد المشرق مع عروسة، وظل معها لمدة أربع أعوام، وجاء كل عام بمولود جديد، لكن جميعهم ينسبون للأم وليس له، كما هي العادة هناك. انتهى الأمر، بالتفريق بينه وبين “عروسة” وأولادهم الأربعة، بسبب محاولاته أن يعلم أحد الأبناء الإسلام. تم طرده وبدأت رحلته الإجبارية إلى بلاد الحيرة.
ونستكمل رحلة ابن فطومة إلى بلاد الحيرة، وفيها وجد ما يدع الحكيم حيران. بلاد أقرب ما تكون إلى بلاده، من ناحية كل شيء: الشعارات الفارغة، تسلط الأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطان والملك على المقدرات والبشر. الوالي يفعل ذلك باسم الدين وإله الحيرة يفعل ذلك بادعائه الألوهية مباشرة دون واسطة. أعلن جيش الحيرة الهجوم على بلاد المشرق، ليحرر العبيد هناك، وبالفعل حققوا نصرًا كبيرًا. كانت عروسة في السبايا التي جاءوا بهن من بلاد المشرق، اشتراها من السوق، وقصت عليه ما حدث، من قتل لأبيها، والأولاد في المجهول. لم يمض أسبوع حتى تكرر ما حدث مع حليمة في وطنه، حيث أعجب “ديزنج” أحد الوجهاء في الحيرة بعروسة، واتخذها لنفسه، بعد تلفيق تهمة له، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة. دخل السجن، وبعد عشرين سنة حدث انقلاب من ابن أخ الملك، ويأتي ملك جديد ويحرر ابن فطومة. أعيدت إليه أمواله ومتاعه باستثناء عروسة التي رحلت إلى بلاد الحلبة.
وفي بلاد الحلبة لها من اسمها نصيب فكل شيء يتصارع فيها، ولكن مصارعة ناعمة، باستغلال وسائل الحرية. المظاهرات حق للجميع بدءًا من الاعتراض على سياسة الرئيس، انتهاء بالمطالبة بحقوق الشواذ. الحلبة تدعم العلماء المفكرين، وتقف على قدم المساواة بين جميع الأديان والطوائف. وجد المسجد بعد نصف قرن أخيرًا، وتعرف على إمامه الشيخ “حمادة السبكي”. تعرف على عائلة السبكي، ولم يمض وقت طويل، حتى تزوج ابنته سامية ـ طبيبة الأطفال ـ نقاشات بين عائلة السبكي وابن فطومة، تفتح له أفاقًا جديدة، ومن أهمها: موضوع المرأة، والجانب الأخلاقي للحروب وللحرية. قامت بين الحلبة والحيرة حرب، وانتصرت فيها الحلبة. تذكر ابن فطومة بعد مدة كبيرة أنه في الأساس ابن فطّومة الرحَّالة، لذا قرر إكمال سيره إلى بلاد “الأمان”.
وفي بلاد الأمان يقتضي أن يذهب إلى مكان رسمي، ليتم تعريفه على مرافق له، تأمينًا له ولأهل البلد. مدة الإقامة لا تتجاوز عشرة أيام، ثم يمكن تمديدها بعد ذلك. حُدِد له مرافق اسمه “فلوكه” يرافقه في كل خطواته، حتى في غرفة نومه وحمامه. المدينة في الصباح خالية، فالجميع في أعمالهم، وبسبب ذلك لا يوجد تفاوت كبير بين مستوى المعيشة بين الجميع. مع الغروب تظهر جموع البشر، وهي عائدة إلى مساكنها، والليل للراحة، ولا أهمية لأماكن الترفيه، سوى في الأعياد والعطلات. اهتمام مذهل بالأطفال والعجائز بهر ابن فطومة. الأمان وصل لدرجة التدخل في طريقة الأكل، فلا يقدم إلا النافع، والضار ليس متاح، باستثناء الخمر. الجميع هناك في نفس الصحة تقريبًا، بل ونفس الشكل، والتجهم المستمر أيضًا. القيمة المقدسة هنا هي: العدل ووسائل تطبيقه هي: القانون والنظام الذي يسود الكل ،عرف بمرور عروسة بهذه الدار ولكنها انتقلت إلى التي تليها “الغروب”.
وفي دار الغروب وجدها بلا حراس ولا أبواب، جوها لا مثيل له، لا توجد فيها أبنية من أي نوع فلا قصر ولا كوخ، أهلها في صمت تام. وكان انطباع ابن فطومة عنها “جنة بلا ناس”. قابل حكيم هذا المكان وكان لديه قدرة على الدخول إلى رأسك، ومعرفة ما كان، ويطلق على نفسه “مدرب الحائرين” الباحثين عن المعرفة. فسر له الحكيم عدم كلام الناس بأنهم منهمكون في التأمل، ليعدوا أنفسهم لمملكة الجبل. التدريب لأجل استخراج القدرات الكامنة في النفوس لأن هذه الكنوز النفسية، هي العملة المستخدمة هناك ومن غيرها يكون المرء في دار الجبل مثل: “الحيوان الأعجم”. أعطى الحكيم علامة لابن فطومة حتى يعرف أنه أصبح جاهز لمحطته التالية: “أن يتأتى لك أن تطير بلا أجنحة”. أخبره الحكيم، أن الأولى بالباحث عن المعرفة لإصلاح وطنه أن يبقى فيه، ولا يهجره لأن هذا “عذر الخائنين”. أهم وصايا الحكيم: “أحب العمل، واهمل الثمرة والجزاء” فهذا “يوثق المودة بينك وبين روح الوجود. لم تسلم هذه الدار من الحروب الدائرة حولها،حيث داهمهم جيش الأمان، بحجة أن بلاد الغروب أصبحت هامة لهم، حتى لا تقع تحت أيدي بلاد الحلبة. تم إمهال دار الغروب ليوم فقط، حتى يتجهزوا للرحيل إلى دار الجبل، أو يصيروا عبيدًا يعملون في الزراعة والصناعة. في الصباح التالي تجهز الجميع للرحيل فكانت البداية.
وفي الفصل الأخير “البداية” لنجيب محفوظ وهو ابن فطومة سيكمل رحلة الحياة للاخرة وحده فهي رحلة طويلة، وبعد مرحلة منها، تركهم صاحب القافلة لأن الطرق التالية لا تتسع إلا لحجم إنسان، ولذا سيكملون الرحلة سيرًا. أعطى ابن فطومة ما كتبه من أوراق لقائد القافلة، وأوصاه أن يوصلها إلى “أمه أو إلى أمين دار الحكمة” لنشرها. رجع صاحب القافلة، وأكمل ابن فطومة ورفاقه السير إلى وجهتهم، ولا يعرف شيء عنهم ولا عن دار الجبل أكثر من ذلك ( ). يترك نجيب محفوظ نهاية الرواية مفتوحة ليتوقعها القاريء كيف يشاء.
ومن هنا رأى السيد فضل وغيره أن رحلة ابن فطومة هي رحلة زمنية لحياة نجيب محفوظ :" هذا الترتيب التاريخى لا يبعد بك كثيراً عن ترتيب شخصي لتجربة ذاتية لا تباين هذا الترتيب الكونى, وبإمكانك أن تتلقاه باعتباره ما انكشف للراوى فى عمره الطويل من الطفولة والصبا والشباب إلى رجولته وكهولته وشيخوخته . وقد أفصحت السطور الأولى من الرواية عن هذا المعنى الذى يجعل من رحلة ابن فطومة رحلة حياة فكرية لشخصية مكترثة من طفولة بريئة إلى شيخوخة حالمة , وما بينهما يسميه الراوى محطات للروح الحائر :
الراوى: الحياة والموت , الحلم واليقظة , محطات للروح الحائر , يقطعها مرحلة بعد مرحلة , متلقياً من الأشياء إشارات وغمزات متخبطاً فى بحر الظلمات , متشبساً بأمل يتجدد باسما فى غموض , عم تبحث أيها الرحالة . ص5 "( ) . وأن "رحلة ابن فطومة " تُحاكِي رحلةَ " نجيب محفوظ " الفكريةَ والروحيةَ فِي هذا العالمِ ، وتعبِرُ عمَّا اعترَاه علىَ مدارِ سنواتِ عمرِه مِنْ تَخبطِ بينَ الفلسفاتِ والرؤى السياسيةِ وطريقةِ الوصولِ لغايةِ الإنسانِ وهي السعادةُ .، وابنُ فطومةِ يتساءلُ : أينَ المدينةُ الفاضلةُ الكاملةُ ؟ ويتحرقُ للوصولِ لدارِ الجبلِ غايةِ المرادِ والمكتملةِ فيها السعادةِ الفرديةِ والتي ربَّما تَعني الوصولَ للموتِ أو الوصولِ لأقصى درجاتِ التصوفِ والسعادةِ الروحيةِ ، ولكي تصلَ إلىَ السعادةِ الكاملةِ فعليك أنْ تعملَ دونَ انتظارِ ثوابٍ وأنْ تُطهِرَ روحَك مِن الشوائبِ وذلك لا يتمُّ سوى فِي دارٍ أخرى تُسمى ” دارِ الغروبِ ” حتىَ يستطيعَ المتصوفُ القاصدُ ” دارِ الجبلِ ” الطيرانَ فعلياً لا مجازياً ، ويتركُ ” نجيب محفوظ ” النهايةَ بلا جوابٍ فقد انتهت مخطوطةُ ابنِ فطومةِ عندَ وصولِ الرحلةِ لدارِ الجبلِ ، فهلْ بلغَ الكمالَ حقاً ، أم أنَّه حُلماً بعيدَ المنالِ ؟ هكذا يتناولُ أصعبَ وأعمقَ القضايا بسلاسةٍ وحكمةٍ وبرمزيةٍ مُبدعةٍ يقارنُ بينَ حالِ كثيرٍ مِن المجتمعاتِ وبينَ مجتمعِنا الإسلامي بينَ مجتمعاتٍ تبحثُ وتجتهدُ لتصلَ إلىَ منهجٍ مُحددٍ يوفرُ لهَا الاستقرارَ والنجاحَ بينَما نحنُ المسلمون ونحنُ بأيدينا منهجُ حياةٍ لكنَّنا نسيرُ فِي الأرضِ هائمين لا تفكيرَ ، لا اجتهادَ ، ولا حتى مجردِ تطبيقٍ كما يجبُ ، فكان يبحثُ عن كنزِ في هذه الرحلةِ يبحثُ عن الدواءِ الذي يستطيعُ استخلاصِه منها ليقدمَه لمجتمعِه ربَّما يشفى لكن كعادةِ كلِ الأشياءِ القيمةِ في حوزتِنا ولا نكترثُ لها ، إنَّ اللمحةَ الفلسفيةَ فِي حديثِه عنْ الدينِ والدنيا ليست خفيةً فِي كتاباتِه ، لكن لكلامِه الكثيرَ منَ المعاني ، يستطيعُ كلُ قارئ بأنْ يؤولَ الروايةَ منْ وجهةِ نظرِه الخاصةِ ، ويستخلصُ المعنى الذي يريدُه مِنها ، لكن من العسيرِ أنْ تفهمَ ما كان يدورُ بخُلدِ ” محفوظ ” بالضبطِ عندَما يُمسِكُ قلمَه ، وتلك سمةٌ من سماتِ تُميزُ ” نجيب محفوظ ” ، إنَّ ما يريدُ أنْ يوضحَه ” محفوظ ” أن ” قنديل ” ترك بلادَه التي ملَّ مِنها وظلَّ يرتحلُ فِي مختلفِ مراحلِه العمريةِ وراءَ المعرفةِ الكامنةِ فِي ” دار الجبل ” وفِي ظلِ بحثِه شغله متاعُ الدنيا عَن هدفِه الذي ترك بلادَه لكي يسعى وراءه ، ولم نعرفْ هلْ وجده أمْ لا ؛ لأنَّه لمْ يعد بإمكانِنا أنْ نعرفَ أكثرَ منْ هذا ( ).
وبعد،، فهذه دراسة حالة فردية كتبها نجيب محفوظ مستلهما سيرته الذاتية وحياته وما مر بها من عواصف وأحداث وناقش فيها قضيتي الإيمان والتيارات الفكرية والفلسفية التي شغلته طوال مسيرته.
خالد محمد عبدالغني