شريف محيي الدين إبراهيم - المرايا...

كان يجلس في زاويةٍ مظلمة من المقهى، أمام مرآةٍ كبيرة مشروخة، حين اقتربتُ منه.
لم يكن ثمّة سببٌ واضح... فقط شعرتُ أن شيئًا في داخلي يجذبني نحوه، كأنني أعرفه من زمنٍ بعيد.
قال لي بصوتٍ خافت:
– "كلّ ما تُخفيه عن الآخرين، تصرخ به روحك."
جلست أمامه مشدودًا، مأخوذًا بشيءٍ لا أدركه.

قال:
– "حين أنظر إلى عينيك، وأسمع صوتك، وأرى حركة يديك، وانفعالات وجهك... أعلم كلّ شيء.
فلا تكذب، لأنني أرى الحقيقة في كذبك.
وإن أردتَ إخفاء أمرك، فلتُخفِ روحك التي تتجلّى أمامي كما الشمس، كما القمر."

أصابني دوارٌ خفيف.
تساءلتُ في أعماقي: من هذا الرجل العجيب؟!

كان الجو شتويًا، والمطر يهطل بلا انقطاع، والبحر هائجًا.
الإسكندرية في الشتاء... حين يبرد الهواء وتلامس النسمات الوجوه، تصير أكثر عزلة، لكنها أيضًا أكثر وضوحًا.
الأماكن تُشفّ، والأشخاص كذلك.

لم يكن مظهره لافتًا، لكن في عينيه شيءٌ جعلني عاجزًا عن الابتعاد.
عيناه لا تنظران، بل تقرآن.
تقرأ ما بين السطور، وما خلفها.

حدّثني عن حياتي... عن عيوبي، مميزاتي، أخطائي، وتفاصيل لم يطّلع عليها أحد.
ارتجفتُ.
أدركتُ أنني مكشوفٌ أمامه، حتى ما حاولتُ دفنه في أعماقي.
سألته بدهشةٍ تخلطها رهبة:
– "كيف تعرف؟"
ابتسم وقال:
– "أنا أقرأ العيون... والعين لا تكذب.
عيناك تقولان كلّ شيء."

ثم حدّثني عن طفلٍ صغير عاش على أطراف المدينة، في بيتٍ قديم، وحده مع جدّه.
بيتٌ تتنفّس فيه الكتب أكثر من البشر.
الجدّ، شيخٌ مسنّ، بعينين خضراوين باهتتين كأوراق الزيتون اليابسة، وكان الناس يقولون: إنه يرى ما في القلوب.

قال لي إن الجدّ قال للصبي ذات ليلة:
– "لا تخف ممّا رأيت...
فالذين يرَون الحقيقة في الحلم، لا يضلّون أبدًا."
ثم وصف فزع الطفل:
– "كانوا يصرخون... وجوههم بلا ملامح..."
قال الجدّ:
– "أرواحُ من نسوا أنفسهم... أنت تراهم لأنك تملك عينَ الروح."
ثم همس له:
– "ستكبر، ولن تحتاج أن يروي لك أحد الحكايات...
لأنك ستراها تمشي بين الناس.
لكن تذكّر، من يرى الحقيقة، لا يُصدّقه أحد."

ثم حدّثني عن موت الجدّ، عن الطفل الذي لم يبكِ، بل جلس إلى جانبه طويلًا، ثم أغلق الباب خلفه وسار إلى المدينة...

ثم عاد للكلام عن الأرواح، عن الحقيقة، عن العيون.
قال وهو ينظر في عينيّ:
– "كلّ كلمةٍ تكتبها، كلّ حكايةٍ ترويها، هي وجهٌ لما تخشاه أن يُكشف."
قلت في ضيق:
– "ضجري من نفسي يأكلني."
قال:
– "ذلك أول أبواب الشفاء."
قلت:
– "اكتب لي ما تبقّى مني... أريد أن أقرأني."
قال:
– "أنا لا أكتب.
أنت من يكتب.
أنا فقط أريك أين تبدأ الحكاية."

سألته:
– "من أنت؟"
قال:
– "أنا من رأى كثيرًا، ولم ينجُ إلا بالحكاية."
قلت بدهشة:
– "أية حكاية؟"
قال:
– "حكاية رجالٍ يكتمون الصراخ، ونساءٍ يُخفين الدمع، وأطفالٍ كانوا ملائكة...
حين تنضج الحقيقة في قلبك، لن تحتاج أن تسأل عنها أحدًا."

وضعتُ يدي على صدري... شعرتُ بنارٍ لا تُطفأ.
كان يكلّمني عن الأرواح التي تسكن الكتابة، عن الحكايات التي نحتمي بها من أنفسنا.

ثم رأيت شيئًا غريبًا...
في الزاوية المجاورة، امرأة ترتدي الفستان ذاته الذي وصفته في قصةٍ كتبتُها قبل أعوام، وبجوارها رجلٌ له ذات الندبة، بطل روايتي الأولى!
ثم ظهر الطفل... ذاك الذي حلمتُ به يومًا!

حدّقتُ، مسحتُ عينيّ، غير مصدق.
كانوا يتحرّكون، يشربون الشاي، يضحكون، يتبادلون النظرات.
اقتربت المرأة وقالت:
– "لماذا جعلتني أختفي؟ كنت أبحث عن نهاية."
قال الرجل:
– "تركتني معلّقًا في الفصل الأخير. لم تمنحني فرصة لأتغيّر."
قال الطفل وهو يجلس أرضًا:
– "أنا حلمك... لماذا نسيتني؟"

ساد صمتٌ مفاجئ.
توقفت الأصوات، لم يبقَ سوى خرير الماء.
أُغلقت أبواب المقهى، أُطفئت الأنوار، وبقي ضوءٌ يتدلّى فوق المرآة.

ارتجفتُ.
كلّ من كتبتهم عادوا... خرجوا من دفاتري ليُحاكموني!
كأنهم بشرٌ حقيقيّون.

نظرتُ إليه في ذهول.
كان يراقبني بصمت.
قال:
– "حين تكتب، تصير خالقًا. والخليقة لا تُمحى... تعود دائمًا."
ثم ناولني كتابًا قديمًا، مفتوحًا على صفحةٍ بيضاء، وقال:
– "الآن، اكتب... لكن لا تكذب هذه المرّة."

لحظتُ حينها شيئًا ما...
كان يشبهني. كثيرًا.
بل كأنّه أنا، لكن في زمنٍ آخر.
بعينين أنهكتهما الرؤية، ووجهٍ صار الحبر مسكنه.

وفي المرايا، لم أرَ وجهي فقط... بل كلّ الوجوه التي خلقتها.
كانوا جزءًا مني.

هل يهرب أحدٌ من الحقيقة؟
ابتسم وقال:
– "الحقيقة كالنور...
لكنها تتطلّب شجاعة المواجهة."

في تلك اللحظة، رأيت نفسي في عينيه، كما لم أفعل من قبل.
همس بصوتٍ أهدأ:
– "الحقيقة...
حين تأتي، لن تحتاج إلى كلمات.
أنت ستكون الحقيقة."

اقترب مني أكثر... وصوته بات يأتي من داخلي.
ابتسم:
– "الحكاية هي الطريق، لا الغاية.
الكتابة نارٌ مقدّسة... تُطهّرك، لا تُفسّرك."

ثم لمس كتفي.
سرت حرارةٌ في عروقي.
وقال:
– "اكتب... لتُبعث. لتصير.
فكلّ حكايةٍ تُكتب، تخلق لك حياةً جديدة."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى