ليلى تباني - حُلُمٌ على أرض الإلْدورادو...

لم أكن أنام إلاّ اليسير في هاته الأيام المباركة من شهر رمضان ، واليوم تحديدا وبعد جولة قضيتها خارج البيت احتفاء بعيد المرأة وبنكهة ربيعية ، استفزّني منظر أشجار التفاح واللوز والخوخ ، لم أتمالك نفسي إلاّ و أنا أوقف سيارتي بالقرب من تلك الأشجار وسط بسط سندسية آسرة موشّاة بزهور شديدة البهاء فائحة العبير ، تجولت هناك ما تيسّر ، و أخذت طريق العودة و أنا مغمورة حدّ الانتشاء بتلك المناظر. لعلّه التعب بعد يوم من السعي والعمل والمتعة ، جعل جسدي يتداعى للراحة وجفني يستسلمان للنوم ، نمت فرأيت حلما.

الأكيد ليس كابوسا فهو أقرب إلى الرؤيا منه إلى الحلم العابر ، لا يمكن أن يكون أضغاث أحلام ، فكيف يكون ما رأيت وارتسم في مخيّلتي مجرد خيالات زائلة زائفة ؟ ! وقد أفقت منه على صوت المؤذّن يرفع للسحور . العجيب في الأمر أنّني تذكرت كلّ تفاصيل الحلم ، وليس من عادتي أن أتذكّر أحلامي بكلّ تلك الدّقة والتفصيل ...كنت أسير في حقول خضراء مزهرة في منطقة جبلية تشبه تلك التي رأيت في النهار ، لكنّ العجيب في الأمر أن حدسا قويا حدّثني أن تلك الحقول في هضبة الإلدورادو ، كلّ شيء يوحي بأنّها إلدورادو ، واصلت السير بنشوة المرأة الربيعية ، وكان أن حدّ من تقدّمي أسد لمحته يقبل من بعيد ، الغريب أنّني لم أتوجّس خيفة من المنظر ولا من السبع ، كأنّ السبع يألفني ، تقدّمت حتى أدركني النّصب ، فلم أجد من بدّ إلاّ أن أستريح بالقرب من ظل صخرة لهضبة عالية ، استرخيت هناك ، مددت بصري إلى السماء أتأمّل جمال المنظر ونزلت أنظر إلى الأفق الرحيب هنيهة ، إلى أن استقرّت بي عيناي على كتلة معلّقة بين شرخ الصخرة التي أستكين إليها ؛ إلهي ... إنّها شهد مرصوص لسرب كبير من النحل الأسود الضخم ، لا يشبه النحل الذي اعتدت رؤيته ، دفعني الفضول للتقدّم أكثر نحو كتلة الشهد ، وكان من دواعي سروري ومغانم حظّي ، أن فارق السرب عشّه وترك لي السعد الوفير في التقاط سيل العسل الذي يتسرّب منه ، الغريب في الأمر أن تتيسر معي السبل لجني العسل ، فأقطف أوراق نبات عريضة أشكّل منها قمعا وأثبّته بأشواك كبيرة لشجيرة سدر قريبة من الصخرة ، أسدّد القمع أسفل كتلة الشهد ، وأحركه فيتقاطر عسلا لم أذق مثيلا.

لشدّ ما استغربت ما يحدث معي و أنا مازلت حالمة ، فوقفت كالسادرة لا أحسن التدبّر فيما يحدث معي ، هل أنا أحلم ؟ أم أنا في الواقع ؟ فإذا كان واقعا ، فأين ابنتي التي رافقتني في الحقول نهارا ؟ ! و إن كان حلما فلم أرتدي عباءتي السوداء التي ارتديتها نهارا؟ . لم يكن أمامي إلاّ ان أكمل طريقي نحو نهاية الحلم ، واصلت السير بنشوة وسعادة كبيرين بعد أن أجهزت على قمع العسل الذي أوشك على أن يمتلىء ، يا إلهي ، فجأة تذكّرت أنّني صائمة ، فكيف لي أن أفطر ؟ وبتناول كمية كبيرة من العسل ؟ كنت في حلمي أردّد : " لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين"....

عقبة جديدة تحول دون صعودي ، كيف أتسلّق نتوءات الصخور التي قد تودي بحياتي ؟ و أنا أرتدي عباءة وخمارا وخفّا برجلي لا يحتمل تلك المغامرة المضنية ؟ لم يكن أمامي سوى خيارين ، أن أعود أدراجي نحو أسفل الوادي ، أو أواصل الصعود نحو قمّة الهضبة ، حتّى أكتشف ما يوجد هناك ... قرّرت أخيرا أن أواصل الصعود ؛ فذابت أمامي المسافة وتضاءلت الصعاب ، و ركبت الأهوال وبقدرة قادر وجدت نفسي على قمّة الهضبة أعتلي المكان و أمتطي المجد ، غير آبهة بما سيواجهني من مخاطر المجهول ، اكتملت سعادتي حينما تراءت لي ضيعة ساحرة قابلتني أعلى الوهاد المقابلة للتلّة ، إلهي هل منحتني الجنّة التي وعدتني ؟ إلهي ما أكرمك ! هممت نحوها وقد تيسر معي المسير ، لكأنّني وصلتها طائرة ، لم أشعر بقدميّ تطآن الأرض ، كانت الخضرة تحيطها من كلّ صوب ، أشجار مزهرة مورقة ومياه تنحدر من أعلى الجبل فتشقّ الضيعة نصفين ، تحلّق الشواهين أعلاها و تحوم البلابل والكراوين قرب بساتينها الغنّاء ، طرب قلبي وانتشت نفسي لتغريدها ، و لم أجد قدماي إلاّ وهي تلج عتبة المنزل ذي الجدران الحجرية و السّقف القرميدي الأحمر ، لو لم أكن ابنة بلاد الأمازيغ و أعرف تلك البيوت لقلت أنّه بيت في واحة غوفي الأوراسية .....سرعان ما تذكّرت أنّني في أرض إلدورادو ، لكن هدفي مجهول ، لا أعرف غاية تواجدي هناك .

كانت أوّل من استقبلني ، فتاة عشرينية سمراء شديدة البهاء ناعمة البشرة طويلة الشعر الأسود الأملس المسترسل خلف ظهرها مجموعا في شكل حزمة ، كانت ترتدي سروالا وبلوزة قطنية بلون رمادي تتخلّله زهور وردية ، أي حلم ذاك الذي يترك في أثرا عميقا كالذي أنا أعيشه . لقد تذكرت التفاصيل الدقيقة التي توحي بأنّني عشت واقعا محتوما موسوما بالحلم .

لاقتني مبتسمة ، وكانت إشارة منهاـــ بابتسامتها الآسرة ـــ لي بالدخول ، دخلت من حيث أنّني أشعر بالراحة تجاه المكان والفتاة ، سألتها عن اسمها ؛ فأجابتني وماتزال الابتسامة تزيّن محيّاها :

ـــ اسمي كانا ، كبرت في هذا المكان مع العمّ " شيكا " ولا أعرف شيئا عن ماضي سوى أنّني ابنة هذا الرجل الطّيب ، وهاته الضيعة الساحرة . هدفنا هو السعي لمساعدة الناس ونشر الخير و الإيخاء بينهم.

تسمّرت من وقع ما سمعت وتساقطت الصور أمام ناظري ، تذكّرت فيها نصّا كنت قد أعددته لطلبة الصف الرابع ، تدور أحداثه حول الإيخاء والتسامح ونشر الخير ، وقد ألحّت علي ذكريات الطفولة ، فتذكّرت قصّة النسر الذهبي ، إلهي هل أنا في حلم ؟ لا بدّ أنّني أحلم ، وما ذلك سوى أرشيف لسعادة طفولتي البائدة ، و إلاّ كيف أجد نفسي في أرض الإلدورادو " أرض الذهب" ومع " كانا" ؟ أين "بيبيرو" ، لعلّها الأمنيات تستحضر الماضي السعيد لتصيبني بشيء منه ! قلت لها والدهش لا يفارقني :

ـــ ماذا تعملين مع العمّ " شيكا " ؟

لم تتردّد لحظة في الإجابة ، كأنّها ارتاحت لي ، تقدّمت مني و أنا أجلس على مقعد خشبي مصنوع من خشب الخيزران . وقالت مفاخرة :

ـــ أنا أساعد عمي " شيكا" في الزراعة وتربية الأغنام والدجاج ، بعد انهاء دروس التسويق الإلكتروني .

بلغ منّي الدّهش مبلغه ، وساررت نفسي :

ـــ أيّ زمن أنا فيه ؟ و أي مكان أنا به ؟ أيعقل أن يواكب عصر أسطورة النسر الذهبي ، زمن التسويق الإلكتروني ؟ أتوجد شبكة عنكبوتية في هذا المكان ؟أين الحصان الطائر " جوبيتير " ؟ و إلاّ أين القطار السريع الذي يقلّ الفتاة ويقلّني نحو طريق العودة ؟

..... لقد عدت بعد أن توالت أصوات المؤذنين من كل صوب في الحي الذي أسكنه ، معلنة وقت السحور والصلاة .

قمت وأنا على يقين أنّ ما رأيت لم يكن أضغاث أحلام ، بل كان بشارة جميلة حباني بها الله ، و إنّ الله لبالغ أمره ، صادق وعده .

إنتهى




IMG-20250429-WA0000.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى