شريف محيي الدين إبراهيم - كان ملكا...

لم يكن ملكًا على عرشٍ من ذهب، بل على لحظاتٍ من الكرامةِ والاختيار.
صنعته الأمجادُ لا الألقاب، ومجده سيرةُ نسبٍ طاهر، يمضي في العروق كأنفاس الجدود.
كان يعرف من هو.
حتى أحبّها.

كانت امرأةً لا تشبه النساء.
مزيج من جنونٍ ساحر، وتيهٍ لا يستقر، وغرورٍ يتخفّى تحت قناع الضحية.
جميلةٌ كالحلم، عنيفةٌ كالنبوءة.
نظرتها تُشبه السيوف، وابتسامتها مرآةٌ مشروخة.
حين أحبّها، بدأ يتهاوى.

اتهمته بالخيانة.
أقنعته أنّه ندل، خسيس،
ونسيت أو تجاهلت أنّه من نسلٍ لا يُطعن، من بيتٍ تُرفع له العمائم.
أطاحت برمزه، قطّعت خيوط نسبه، وصارت تعيش في دور المظلومة:
كلّ الناس ضدها، العالم يتآمر عليها، حتى هو.
أنجبت له
طفلتين.
صارتا المعنى الأخير لوجوده.
من أجلهما، أغمض عينه، وانحنى.
كان عبدًا بقرار.
يحملُ الإهانات كأنه يحمل صليبًا، يسيرُ إلى غده كمن يسيرُ في جنازته.
هي؟
تقول لصديقاتها: "خدعني كما خدع الجميع."
ثم تبكي، وتنتظر أن يُسامحها،
وحين يفعل، تشكّ من جديد.
هو؟
يجلس كلّ ليلٍ أمام المرآة.
يتذكّر:
الجدّ الذي قال له: "لا تنحنِ إلا لله."
الصديق الذي اختفى حين سقط.
وجهه القديم، يوم كان ملكًا.
لم يبقَ منه إلا ظلّه.
لم يعد يقاتل من أجل الكرامة، بل من أجل البنتين.
هي لا تعلم أنّه حين يسكت، فهو يحفظ مملكةً صغيرة خلف الباب،
مملكة اسمها "الأب".
تظنّه جبانًا، لا تدري أنه آخر الملوك.
آخر من يحرس الطفلتين من نارٍ اسمها "الأم".
وفي الليالي التي تنهار فيها، وتصرخ: "أنقذني!"
يمدّ يده، ويُنقذها،
ثم يعود إلى عبوديته صامتًا،
لأنه، ببساطة، ما عاد يثق في خلاصه…
لكنّه لم يتخلَّ عن نجاتها.

كبرت البنتان
كانت الكبيرة تسير في البيت خفيفة، تُشبه والدها في الصمت، تُحبّ الكتب والصور القديمة.
وكانت الصغيرة تحمل ذلك الوهج الغريب في عينيها، تشبه أمها لكنها أقلّ حدة.
وفي أحد المساءات، جلستا تُقلّبان ألبومًا من الماضي.
قالت الصغيرة
– "بابا كان دايمًا ساكت… بس لما بيحضنّا، بحس الدنيا كلها بتضحك.
ضحكت الكبيرة وقالت:
– "عارفة؟
ماما كانت دائما بتحكي حكايات عن نفسها…
بس بابا هو اللي كان بيعيشها."
في مرآة قديمة، عثرتا على صورته شابًا، واقفًا في عرس، بجواره الجد، وعيناه تقولان كل شيء.
قالت الكبيرة
– "كان ملكًا."
سكتتا.
ثم انطلقت ضحكة صغيرة من قلب مكسور شُفي،
وامرأتان تمشيان إلى الحياة، تحملان آثار ملكٍ صامت،
لكنه أنقذ العالم بصمته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى