في عليائه كان غارقاً في التفكير، لم يكن يعبأ بصفير الرياح، أنساه ألمه المزمن بردَ المكان. تلك هي عادته منذ قديم الزمان:
-ماذا يريدون منا هؤلاء الذين ابتلينا بهم؟
قالها الجد الأكبر للحجل، متوجعاً، وهو يطبِق جناحيه على كامل جسمه.
دموعه كانت تتجمد في مؤق عينيه، ونظره يمتد إلى الجهات كافة.
أنثاه كانت تعجز عن شده إليها، وهي تقول له:
-هكذا اعتدناهم. إنهم يبلوننا بمصائبهم دائماً.
لوحة للفنان البيلاروسي فاسيلي زيانكو" 1977-.."
***
أي سيّد مخلوقات هذا الذي تستبد به مشاعره وأفكاره وأهواؤه؟
قالها الجد الأكبر للحجل، وهو يسعى إلى مؤاساة نفسه بنفسه.
لكم فكّر في جهة تؤمّن عليه وعلى جماعته دون جدوى.
-ليس من مكان إلا وبثوا فيه شروراً له.
قالها مجدداً، وقد أضناه البحث في الأمكنة التي سلَمت من اجتياح البشر لها.
لكم كان يؤرقه التفكير في هذا " السيد " ، ويحار في أمره ..
***
أجداد الحجل هذا عاشوا في المكان نفسه. لقد ألفهم المكان جيداً. ألفتهم سماؤه وأرضه الجبلية، كما أنهم ألفوا الجبل ومنحدراته، وتلك المخابىء الطبيعية التي يحتمون بها. لكنه كان يقدّر جيداً أن الذي يخيفهم، ويقلقهم هو ما يقال فيهم، وهو ليس فيهم.
-وهل يعرفون بعضهم بعضاً حقاً، ليعرفونا ويلصقون بنا تهمة تسمّيهم هم وليس نحن؟
يقولها الجد الأكبر للحجل، وهو في وحدته، وفي وحدته كان يستعرض دائماً مآسي جماعته على أيدي من لا يكفّون عن ملاحقتهم.
***
يحتفظ الجد الأكبر للحجل بذاكرة تصله بأسلافه، وما كانوا يرددونه عن رحابة المكان ورفاهة العيش، وكيف ضاق بهم المكان، فاضطروا بسبب ملاحقتهم ممن يتهمونهم بالغدر، إلى الاحتماء بأماكن عالية ومحمية رغم قسوة بيئتها، ورغم ذلك فإن الخطر يحدق بهم ..
-ماالذي يستحقون التقدير عليه، لتكون لهم هذه المكانة، وهم يعيثون فساداً هنا وهناك؟
عبارة أخرى، لا تفارقه، يرددها، وهو ينظر إلى الأفق البعيد،والخوف المتنامي على جماعته.
***
-مشاهد فظيعة رأيتهم فيها وهم يفصلون رؤوساً عن أجسامها دون أن يرف لهم جفن.
قالها في نفسه وهو يتعرق رغم وطأة البرد الشديد.
-إنهم..إنهم بارعون في قطع رؤوس بعضهم بعضاً، حتى بالنسبة لأقرب المقربين منهم، فماذا يُرتجى منهم؟
قالها كما لو أنه يرد بنفسه على نفسه، ويلتزم الصمت المطبق.
***
-أي مرض أصبتُ به، وهو يمنعني من النوم كثيراً؟
سؤال يعاود طرْحه على نفسه، كما لو أنه جديد في كل مرة، وهو يشمل أفراد جماعته بنظرة الحريص عليهم.
-لابد أنه مرضهم هُم.ومن سواهم يعمدون إلى خلْق مثل هذه البلبلة؟
رغم أن جد الحجل الأكبر كان يرى في ذلك صواباً، ولكنه قلق بشأن هذه الحالة المستدامة.
***
كان أكثر ما يؤلم الجد الأكبر، هو فقْده للكثير من سبطه. كل ذلك يتم على مرأى منه، ولا يستطيع فعل شيء، وفوق كل ذلك، تلك التهمة التي ألصقت بنوعه: الحجل يخون أهله، حين يستدرج إلى الفخ الذي وقع فيه.
ماذا داهم هؤلاء البشر؟ كل عيوبهم يلصقونها بغيرهم. لهذا يقتلون بعضهم بعضاً.نسارع إلى نجدة أي منا يقع في الفخ، ويعتبرونها خيانة، بينما واحدهم قد يوقِع بكامل جماعته في فخ أعدائه ليستمر هو..يعلم جد الحجل الأكبر بكل ذلك، وليس من حيلة لديه لمنع ذلك.
***
-إننا من جماعة الطيور. ماالذي يصلنا بهم، أو يصلهم بنا، ليجعلوا منا مثالاً دالاً عن لؤم وخبث.
كان يعلم جيداً أنه بطريقته لا يجد إلى السكينة سبيلاً، وهو يبحث في كل شاردة وواردة، لعله يجد ولو خيطاً رفيعاً يعطي للتهمة وجهَ حق. يردد: نحن مختلفان تماماً. لنا قانوننا الذي يخصنا جميعاً، وهم يختلقون قوانين لا يكتفون بتطبيقها على أنفسه، إنما يفرضونها علينا، نحن وغيرنا.. لقد أصبح الوضع لا يطاق..يدرك جد الحجل الأكبر جيداً، أن هناك خللاً وجدوا أنفسهم رغم عنهم.
-كيف يعيشون متعة البقاء مع الخلل وتنويعه؟
عبارة يرددها هي الأخرى صبح مساء، في صيغة استفسار، ووضعه وأفراد جماعته يؤرقه ..
***
في لحظة غير متتوقعة، يفاجىء جد الحجل الأكبر أفراد جماعته، وهو يغبغب مرحاً.
ذهول يتملك أفراد جماعة جد الحجل الأكبر.
-غبغبوا بعد الآن، كما أنتم، ودعوا هذا الذي يزعجنا..
هكذا رفع صوته عالياً ودون أن ينظر إلى أي منهم.
-ماذا حصل؟
سؤال تردد صداه من الجميع.
لقد أراد هذا المزعوم بـ" سيد المخلوقات " أن يُسمّي في كل منا نحن كائنات الطبيعة الحية، ما يراه معبّراً عنه، ولبّسنا نحن تهمة الخيانة، من حصة اتهاماته الكثيرة،، لأنه رآنا الكائنات الأكثر انسجاماً مع بعضها بعضاً، وطالما أنه استمر في ترداد هذه التهمة، مثل غيرها من التهم الموجهة إلى أشقائنا وشقيقاتنا من الكائنات الأخرى، يعني ذلك أنه لن يعيش هو نفسه في سلام وهدوء، وعلينا أن نتحمله، ونتعلم من شروره ونتعظ. بغبغوا براحتكم وعيشوا كما أنتم..
بغغغغغغ ..!
ملاحظة: اللوحة الفنية مستلة من الانترنت، ومن وضع الكاتب
-ماذا يريدون منا هؤلاء الذين ابتلينا بهم؟
قالها الجد الأكبر للحجل، متوجعاً، وهو يطبِق جناحيه على كامل جسمه.
دموعه كانت تتجمد في مؤق عينيه، ونظره يمتد إلى الجهات كافة.
أنثاه كانت تعجز عن شده إليها، وهي تقول له:
-هكذا اعتدناهم. إنهم يبلوننا بمصائبهم دائماً.
لوحة للفنان البيلاروسي فاسيلي زيانكو" 1977-.."
***
أي سيّد مخلوقات هذا الذي تستبد به مشاعره وأفكاره وأهواؤه؟
قالها الجد الأكبر للحجل، وهو يسعى إلى مؤاساة نفسه بنفسه.
لكم فكّر في جهة تؤمّن عليه وعلى جماعته دون جدوى.
-ليس من مكان إلا وبثوا فيه شروراً له.
قالها مجدداً، وقد أضناه البحث في الأمكنة التي سلَمت من اجتياح البشر لها.
لكم كان يؤرقه التفكير في هذا " السيد " ، ويحار في أمره ..
***
أجداد الحجل هذا عاشوا في المكان نفسه. لقد ألفهم المكان جيداً. ألفتهم سماؤه وأرضه الجبلية، كما أنهم ألفوا الجبل ومنحدراته، وتلك المخابىء الطبيعية التي يحتمون بها. لكنه كان يقدّر جيداً أن الذي يخيفهم، ويقلقهم هو ما يقال فيهم، وهو ليس فيهم.
-وهل يعرفون بعضهم بعضاً حقاً، ليعرفونا ويلصقون بنا تهمة تسمّيهم هم وليس نحن؟
يقولها الجد الأكبر للحجل، وهو في وحدته، وفي وحدته كان يستعرض دائماً مآسي جماعته على أيدي من لا يكفّون عن ملاحقتهم.
***
يحتفظ الجد الأكبر للحجل بذاكرة تصله بأسلافه، وما كانوا يرددونه عن رحابة المكان ورفاهة العيش، وكيف ضاق بهم المكان، فاضطروا بسبب ملاحقتهم ممن يتهمونهم بالغدر، إلى الاحتماء بأماكن عالية ومحمية رغم قسوة بيئتها، ورغم ذلك فإن الخطر يحدق بهم ..
-ماالذي يستحقون التقدير عليه، لتكون لهم هذه المكانة، وهم يعيثون فساداً هنا وهناك؟
عبارة أخرى، لا تفارقه، يرددها، وهو ينظر إلى الأفق البعيد،والخوف المتنامي على جماعته.
***
-مشاهد فظيعة رأيتهم فيها وهم يفصلون رؤوساً عن أجسامها دون أن يرف لهم جفن.
قالها في نفسه وهو يتعرق رغم وطأة البرد الشديد.
-إنهم..إنهم بارعون في قطع رؤوس بعضهم بعضاً، حتى بالنسبة لأقرب المقربين منهم، فماذا يُرتجى منهم؟
قالها كما لو أنه يرد بنفسه على نفسه، ويلتزم الصمت المطبق.
***
-أي مرض أصبتُ به، وهو يمنعني من النوم كثيراً؟
سؤال يعاود طرْحه على نفسه، كما لو أنه جديد في كل مرة، وهو يشمل أفراد جماعته بنظرة الحريص عليهم.
-لابد أنه مرضهم هُم.ومن سواهم يعمدون إلى خلْق مثل هذه البلبلة؟
رغم أن جد الحجل الأكبر كان يرى في ذلك صواباً، ولكنه قلق بشأن هذه الحالة المستدامة.
***
كان أكثر ما يؤلم الجد الأكبر، هو فقْده للكثير من سبطه. كل ذلك يتم على مرأى منه، ولا يستطيع فعل شيء، وفوق كل ذلك، تلك التهمة التي ألصقت بنوعه: الحجل يخون أهله، حين يستدرج إلى الفخ الذي وقع فيه.
ماذا داهم هؤلاء البشر؟ كل عيوبهم يلصقونها بغيرهم. لهذا يقتلون بعضهم بعضاً.نسارع إلى نجدة أي منا يقع في الفخ، ويعتبرونها خيانة، بينما واحدهم قد يوقِع بكامل جماعته في فخ أعدائه ليستمر هو..يعلم جد الحجل الأكبر بكل ذلك، وليس من حيلة لديه لمنع ذلك.
***
-إننا من جماعة الطيور. ماالذي يصلنا بهم، أو يصلهم بنا، ليجعلوا منا مثالاً دالاً عن لؤم وخبث.
كان يعلم جيداً أنه بطريقته لا يجد إلى السكينة سبيلاً، وهو يبحث في كل شاردة وواردة، لعله يجد ولو خيطاً رفيعاً يعطي للتهمة وجهَ حق. يردد: نحن مختلفان تماماً. لنا قانوننا الذي يخصنا جميعاً، وهم يختلقون قوانين لا يكتفون بتطبيقها على أنفسه، إنما يفرضونها علينا، نحن وغيرنا.. لقد أصبح الوضع لا يطاق..يدرك جد الحجل الأكبر جيداً، أن هناك خللاً وجدوا أنفسهم رغم عنهم.
-كيف يعيشون متعة البقاء مع الخلل وتنويعه؟
عبارة يرددها هي الأخرى صبح مساء، في صيغة استفسار، ووضعه وأفراد جماعته يؤرقه ..
***
في لحظة غير متتوقعة، يفاجىء جد الحجل الأكبر أفراد جماعته، وهو يغبغب مرحاً.
ذهول يتملك أفراد جماعة جد الحجل الأكبر.
-غبغبوا بعد الآن، كما أنتم، ودعوا هذا الذي يزعجنا..
هكذا رفع صوته عالياً ودون أن ينظر إلى أي منهم.
-ماذا حصل؟
سؤال تردد صداه من الجميع.
لقد أراد هذا المزعوم بـ" سيد المخلوقات " أن يُسمّي في كل منا نحن كائنات الطبيعة الحية، ما يراه معبّراً عنه، ولبّسنا نحن تهمة الخيانة، من حصة اتهاماته الكثيرة،، لأنه رآنا الكائنات الأكثر انسجاماً مع بعضها بعضاً، وطالما أنه استمر في ترداد هذه التهمة، مثل غيرها من التهم الموجهة إلى أشقائنا وشقيقاتنا من الكائنات الأخرى، يعني ذلك أنه لن يعيش هو نفسه في سلام وهدوء، وعلينا أن نتحمله، ونتعلم من شروره ونتعظ. بغبغوا براحتكم وعيشوا كما أنتم..
بغغغغغغ ..!
ملاحظة: اللوحة الفنية مستلة من الانترنت، ومن وضع الكاتب