د. سيد شعبان - المجنون بإيفانكا...

أسير في المحروسة لا أعلم لي وجهة؛ هذه عادة تملكتني حين يضرب الجوع بطني، ثيابي مهلهلة، حذائي ملعب هواء، شعر رأسي ملبد باكداس من زفت الأرصفة، الناس تتحاشى القرب مني، تخوف الأمهات صغارها بي؛ المجنون!
من شرفة القلعة خرج الأتابك وجهه منيرا إنه بدر التمام وريحانة الزمان، له طلعة بهية، سال لعاب الواقفين مثل شخوص مصابة بالتبلد، إنه سيعطي كل واحد رغيفا وشربة ماء!
كل صباح يأتون إلى هنا؛ يتمسحون بأحجارها، يوفون بالنذر، يغمسون أصابعهم في الماء الآسن ومن ثم يعودون وقد تلبستهم حالة من الزهو؛ لقد نالوا المقام المحمود.
تتلوى مثل الأفاعي سياط الحرس، يفرون على وجوههم، يسبحون بحمد القابع في البناية العتيقة.
أما أنا فقد سخرت منهم، هؤلاء لا عقل لهم، وحدي الذي يعرف الحكمة؛ أن تصمت في سوق الغوغاء!
تصوم يوم كربلاء، لهم وجوه متماثلة، تعلوها الذلة والكآبة، هموا بي، وليت مدبرا ولم أعقب، لا يتحمل ظهري مزيدا من السياط.
تبعتني ابنته، حلوة، أعطتني رغيفا، تلوح من شفتيها بسمة يغرد البلبل مثل صوتها، لأول مرة أدرك أنني مجنون!
تبعتها مثل ذلك الجرو الذي يتشمم الأرض بين قدمي سيدته، علت ضحكاتها، جاءوا بحبل، جوار باب القلعة أقعى!
كل صباح أردد دعاء الحمد والشكر لمولانا الأتابك، تمر بي كل صباح، تمسك برغيف حشوه الفريك، ومن ثم تعود بجرو مثلي، هذه كانت هلاوس نومي الليلة، أصابتني الحمى، عيناي ما غادرتا وجه إيفانكا، لقد سلبت عقلي، أكاد أمزق ثوبها، أن أعتصر رمانتيها، لا يهمني أنها جاءت بلا سروال، يكفي أن البدو في البادية يتقاطرون، أيهم يواقعها، يصيح صغار، يقذفون بحجر كاللهب، تولول أمي، لا يهم، تظهر سوأتي، يتبارى ابن العلقمي في كشف براءة وجه إيفانكا، لا يشغلني إلا خصرها النحيل، يتسرب دمهم سيلا يغرقني، ينزع البدو أعمدة الخيمة، يخربون بيوتهم، لا جدوى منها، إنهم يشتهون إيفانكا!
تبلغ بي الحمى منتهاها، أجري يتبعونني، أمسك بباب الأتابك، ينهالون علي ضربا، تأتي ابنته تحمل مشرطا، يفترعون خاصرتي، تمسك بخصيتي فتخرجهما، ترمي بهما لكلبها الواقف خلفي، تتثنى حية رقطاء، تسلبني هويتي، تكشف عن وجه يماثل وجه إيفانكا، ينادون على حمار فيحملني مجرسا، يضربون خلفي الطبل، يرقصون في مشهد صاخب.
جوار سوار القلعة تغوص أقدام جواد الفارس الأخير، أبحث في التراب عن كسرة خبز، أكاد أموت من العطش، تجلدني أمي، ليتني ما عصيتها، لا شك هذا دعاؤها، تركت صغاري، تبعت ذات الخصر، أين الآن بيتي؟
أعلم أنها بلا ثديين، يقال إنها أصيبت بداء السل، جرباء وإن كانت تتعطر بقنينة دم الحملان، شعرها مستعار، إنها بلا قلب، لقد صنعوا لها واحدا من بلاستيك، أشبه بالدمية باربي، ثمة زر يحركها، لقد خدعنا الأتابك، لكنني متيم بها، أخبرت شيخ المسجد بحالتي، أمرهم أن يحملوني إلى النبع المبارك، غسلوني ومن ثم ألبسوني ثيابا طاهرة، علمني أية الكرسي، أخذ مني العهد ألا أهيم بها، حين جئت إليه، وجدته يبيع الأتابك وعبيده في سوق المغربلين يعطيهم حريتهم!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى