حسين عبروس - أدب الطفل في زمن الهيمنة الذكية..

حين يصيركتاباتناالحبرفي الدذي يحمي الطفل عندنا في الوطن العربي في زمنٍ تتكثّف فيه أدوات السّيطرة الناعمة، وتتحوّل وسائل التواصل الإجتماعي إلى مصانع للوعي الزّائف، لم يعد أدب الطفل ترفًا إبداعيًا ،أو منتجًا ثقافيًا عابرًا. بل يصير خطّ الدفاع الأول عن هوية الجيل، وذاكرة الأمة، ولغة الضاد التي تتآكل تحت ضغط "الترند" و"الفلتر" و"الروبوت الناطق".
إنّنا، نحن الكتّاب الذين يكتبون أدب الطفل، نقف اليوم على مفترق طرق حضاري: إمّا أن نكتب نصوصًا تُسلّي وتسنسخ النماذج الغربية وتعيد إنتاج المحتوى الأجنبي، وإمّا أن نخوض مغامرة الكتابة من أجل المقاومة الثقافية الكبرى، من أجل الطفولة التي تستحق أن ترى العالم بعينيها لا بعدسات الآخرالمسيطرالذي يحتلّ الأوطان والأبدان والعقول،وهنا يكون السؤال.
- كيف يمكننا أن نكتب للطفل كي نُحصّنه لاأن نُلقّنه؟
-الكتابة للطفل ليست دروسًا في التاريخ ولا محاضرات في التربية الوطنية، بل هي فن غرس المعاني في التربة الطرّية للعقل والوجدان. وكي نصوغ نصًا أدبيًا قادرًا على تشكيل جيل يعتزّ بثقافته ولغته، لا بد أن نبدأ من سبعة مفاتيح:
1. جمالية الحكاية وانسياب الهوية:
- ينبغي أن تكون الهوية العربية والإسلامية حاضرة في ثقافة الطفل الإبداعية ،وخاصة القصة،والرواية والقصيدة والمسرحية لا كشعارات، بل كنسيج خفيّ ينساب في الشخصيات، الأمكنة، اللّغة، الأسماء، الأزياء، والرموز. أن نكتب عن "ليلى" و"صلاح " في أزقة القدس، أو في مكتبة الأندلس، أو في صحراء الحكاية التي تحفظ ما نُسي من تاريخ أسمائنا التي لها البعد الحضاري العميق في ثقافتنا التي صنعت مجذنا الماضي.
2. اللغة: حضن الطفل ورايته:
إن اللّغةالفصحى ليست جدارًا يفصلنا عن الطفل، بل هي جسر يصلنا به إذا قُدمت في قالب حواري حيّ، فيه النغمة والدّهشة والمفردة العذبة. لغة تنفتح على الخيال ولا تغلقه، وتكون مأوى لا عبئًا. فمن يحب لغته صغيرًا، لا يُباع كبيرًا كما يحدث في زمننا العربي هذا.
3. الرسالة دون وعظ :
- إنّ الطفل اليوم لا يريد معلّمًا بين دفتي كتاب، بل يريد بطلًا يشبهه، يسأل كما يسأل، ويخطئ كما يخطئ، وينتصر بما فيه من نور، فأدب الطفل المؤثر هو الذي يُربّي دون أن يعظ، ويغرس دون أن يُملي ويفرض تلك المواقف التي تتسم بالجبن والضعف والجهل.
4. الطفل هو البطل، لا المستهلك :
- يظلّ السؤال يلح علينا لمَ لا يكون الطفل هو من يواجه الخطر، لا ينتظر "الراشد" ليخلّصه؟ لمَ لا يكون هو من يُدافع عن لغته، ويكتشف كنوز تراثه، ويقاوم ثقافة الإستهلاك الرقمي؟ حين نمنحه دور البطولة، نغرس فيه الثّقة والإنتماء الحضاري العربي والإسلامي.
5. التراث مادة خام للخيال لا للماضي:
- إن تاريخنا يتفظ بالكثير من تلك الأسماء للأشخاص والأماكن أمثال ابن بطوطة، ابن الهيثم، طارق، ،القيروان، قرطبة، فاس وبغذاد… كلّها ليست عناوين تاريخية، بل هي أبواب مشرعة لقصص ومغامرات، وخيال علمي، وروايات خيال ملحمي. فأدب الطفل الذّكي هو الذي يتصالح مع التراث في الحقيقة الالخيال ويقدمه للحاضر بلغته.
6. نكتب بعين الطفل لا بعين الراشد:
- علينا أن ننزل من أبراج وعينا التّربوي المتعالي ،لننصت إلى همس أطفالنا، ولأسئلته،وننتبه لحيرته، ولألعابه، ولأخطائه. لنكتب معه لا عنه، ولنراه شريكًا لا متلقيًا، فالكتابة الحقيقية هي تلك التي تبدأ من داخل الوجدان الطفولي لا من فوقه،أو حوله.
7. الوسائط الذكية: منصات للهوية لا أدوات للتغريب:
- بدل أن نلعن التكنولوجيا التي هي من انتاج الغرب ،فعليناأن نتصالح معها ونُطوّعها. لنحوّل القصص الساذجة إلى قصص ذات محتوى تفاعلي، وألعاب تعليمية، وأفلام كرتونية عربية الرّوح واللّسان. فالمعركة ليست بين "الكتاب"و"التطبيق"، بل بين المحتوى الواعي والمحتوى المعلّب.
- نحو أدب مقاوم ناعم:
- إنّ في ظل ما يجري من استعمار رقمي واستلاب ثقافي، نحتاج إلى أدب طفولي يُربّيالقارئ الصغيرفي على السؤال، لاعلى التلقين؛كما يُربّي على الحرية لا الانقياد؛ ويُربّي على أن يكون إنسانًا قبل أن يكون تابعًالغيره،وأن يكون أدب الطفل ينبض بالمقاومة ليس في فلسطين فقط.
بل في الهوية، وفي اللغة، وفي الذاكرة. ليكون أدبا يجعل الطفل العربي يرى نفسه جميلًا، حرًا، مبدعًا، ومهمًّا.
- خاتمة: وحين نصير الحبرالذي نكتب به تتحوّل الذيا إلى قلاع تحمي الطفولة،ونحن لسنا
ككتّاب قصص فحسب…بل نحن حرّاس للذاكرة، ورُسل للأمل، ومهندسو المستقبل.
فكلّ قصة نكتبها، هي لبنة في جدار الوعي، وومضة في عين طفل قد يكون يومًا هومن يُعيد للعالم توازنه،فلنكتب إذًا لا لنملأ الرفوف… بل لننقذ الأرواح من التيه، ولنرسم وطنًا في قلب كلّ طفل.
Log in to Facebook

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى