أحمد الشهاوي - حكايتي مع الكتب والمكتبات

وعشت حياتي لا أبخل ولا أقتِّر ولا أتردَّد في شراء كتبٍ أحبها ، بل امتد الأمر إلى شراء الكتب النادرة في طبعاتها الأولى . وأعتبر نفسي مكتبيًّا ، وقارئًا يكتب الشِّعر ، وليس شاعرًا يقرأ ، ولن أكون مغاليًا إذا ما قلتُ إن القراءة لديَّ أمتع من الكتابة ، وإن القراءة مهنتي في الحياة ، وليس الكتابة ، حتى وإن كان مُدوَّنًا في أوراقي الرسمية الشخصية أنني كاتبٌ وشاعر وصحفي . ربما لإيماني بأن " العالم وُجد لكيّ يكون في كتابٍ جميل " ، حسب تعبير الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه (18 من مارس 1842 - 9 من سبتمبر 1898ميلادية ) .


فالمكتبة هي المكان الأمتع ، وهي " مكان شفاء الروح " – و تلك الكلمات الثلاث كانت النقش الموجود فوق رفوف مكتبة الإسكندرية القديمة - و المكتبة هي الأقرب لي في كل أركان البيت ، وحقيقة الأمر أنَّ لديَّ عدة بيوت ملحق بها مكتبات ، وقد اعتدت أن أضع في غرفة نومي الكُتب القريبة إلى روحي مثل كتب التصوف ، والشعر ، والسِّحْر والفلسفة ، وكتب العشق في الحضارات كافة ، وكتب الأساطير وعلم الإنسان ، وكتب الديانات القديمة .
حتى وأنا أرتاد صالات مزادات بيع الأثاث النادر ، أول ما يلفت انتباهي هو المكتبات القديمة النادرة الصُنع ، وقد جمعتُ عددًا لابأس به ، منها ما هو فرنسي الصنع أو إنجليزي ، أضع فيها كتبي التي أحب ، خُصوصًا المكتبة التي توجد إلى جوار سريري ، والمنحوت على الباب الأول والثالث منها إله المعرفة ، وإله العلم ، وهي تحتل مكان الصدارة في غرفة النوم التي تزينها آلهة الإغريق المنحوتة من البرونز ( واجهة السرير والدولاب ) ، وهي غرفة مريحة لي ، وأراني متحققًا نفسيًّا في كنفها ، إذ هي ملهمة بندرتها وطبيعة تشكيلها المدهش .
وهذا النوع من المكتبات أحبه ؛ إذ هو متوسط الطول ، وليس مرتفعًا ، لأنني من فرط التجارب أيقنتُ أن الكتب التي أضعها في الأرفف العليا ، نادرًا ما أعود إليها ، حيث إنها لا تكون في مستوى نظري اليومي ، فتُنسى وتُهْمل بشكلٍ لا إراديٍّ مني ، وجاءت تلك المكتبات المصنوعة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لتحل لي مشكلة نسيان أو إهمال الكتب ( لديَّ مكتبة تعود إلى العام 1882 ميلادية ، وهي أندر وأغلى مكتبة اقتنيتُها في حياتي ، وهذه أضع فيها الكتب الأقرب لي ، ومكانها في استقبال البيت ).
فلم أحب أبدًا منذ صغري المكتبات العامة ، ولا أستطيع القراءة فيها ، وأكره استعارة الكتب ، بل أحب أن أكون مالكًا للكتاب ، ومنذ سنواتٍ أوقفتُ عملية إعارة كتبٍ لأحد ، لأن لا أحد يُرجِع ما استعار من كتبٍ ، حتى لو كان صديقًا صدُوقًا لك . كما أنني نادرًا ما أقرأ كتابًا كاملا إلكترونيًّا ؛ لأنني ما زلت أحب ملمس الورق ، وشكل الكتاب ، وطريقة إخراجه ، ونوع الحرف وحجمه الذي كُتبَ به .
مكتبتي غير مُفهرسةٍ ، فليس لديَّ وقتٌ أنفقُه لذلك ، لكنَّني كخورخي لويس بورخيس (1899 - 1986ميلادية ) أحلم بمكتبةٍ لي في الجنَّة ؛ كي لا أكفَّ أو أتوقفَ عن القراءة المُلهِمة والتي تؤدِّي – حتمًا – إلى الكتابة اليومية أو شبه اليومية ، بلا فوضى أو انقطاعٍ ، أو قُل الفوضى التي يحكمُها النظام .
فأنا من الذين يقرءون يوميًّا لساعاتٍ طوال ( في البيت ، السيارة ، الطائرة ، المطارات ، الفنادق ، المقاهي ، مكتبي في الأهرام ) ، وهي أماكن كتابة أيضًا ، وإذا أردتُ الكتابة فيما يشغلني ، أسبق الكتابة بالقراءة فيه لأيامٍ أو أسابيع أو أشهر ؛ حتى أنتهي مما أكتب .
أقرأ لأن لديَّ رغبة في الكشف ، ومعرفة الحقيقة ، والوصول إلى اليقين الذي لن يصل إليه من كان مثلي ابنًا للشكِّ والسؤال غير النهائي .
عشتُ أومن أن العالم مكتبة لا تُدْرَك ، واسعة كقلبي ، وما أنا إلا مكتبة تتزوَّد كل يوم ، وتتجرَّد – أيضًا – من بعض ما لديها من كتب ، فأنا مكوَّن من رقائق وحكايات وقصص ووقائع وقصائد وأحلام وأوجاع وأحزان لا تنتهي و... كتاب لا نهائي الأبجدية .



أحمد الشهاوي/ مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى