مقتطف ثناء درويش - حصرم الألم /الفصل الأول.. حصاة تحت لساني

حصاةٌ تحتَ لساني

"١"


أخيراً حانتِ اللحظة...
اللحظة المصيرية التي أرمي بها الحصاة من فمي، وأقف وجهاً لوجهٍ أمام خوفي، فقد آن أن تغادرني إلى غير رجعة بعد أن صار عمرها بعدد سنين عمري.
أعتذر منكما يا والديّ، لأني سأقول "لا" لأوّل مرة في حياتي، وأبصق الحصاة التي دسّها كلاكما تحت لساني منذ طفولتي بقصد أو عن غير قصد، ثمّ رفدتِ المدرسة ما بدأتماه تحت مفهوم العيب والحرام والممنوع، ليتولّى المجتمع ورجالاتُه الباقي فيما بعد، فتصبح الحصاة في فمي مكبحاً أو كاتماً للصوت كلما أردتُ أن أعترض، أو أقول رأياً مغايراً، أو أعبّر عمّا أحبّ وأكره، أو حتى أتنفّس، فلا أنا قدرتُ على التخلّص منها، ولا اعتدتُ عليها كحالة طبيعية، لأكبر وتكبر الحصاة دون حتى أن تلاحظا كيف غدتْ صخرة خانقة تجثم على صدري مع توالي الكبت والصّمت، لترافقني متلازمة الخوف، بدءاً من عقل لساني وشفتيّ كي تمنع انفلات كلمة غير مناسبة للآخرين، وانتهاءً بغلّ يدي عن أن تفعل، وقدمي عن أن تخطو، وعقلي عن أن يتساءل، حيث الحصاة قيد وعرقلة، في مجتمع أبعد ما يكون عن حقّ التّعبير وبدهيّة الاختلاف.
أعتذر.. لأني لأوّل مرّة سأختار ما أحبّ، لا عن تهوّر واندفاع أحمق، فأنا لا زلتُ كما تصفاني "العاقل"، بل لأني لا أرى نفسي إلا كفنّان.
لقد نظرتُ لرأسي مراراً، فرأيتُه لوحة كتب عليها الجميع ما يحبّون بحبر قاتم، بقصد حمايتي أو حماية أنفسهم، إلّا أنا، بقيتُ طوال الوقت أقف متفرّجاً، وكأن اللوحة تخصّ سواي، فأمسكتُ بقلمي ورسمتُ حلمي ولوّنتُه زهرةَ نيلوفر تطفو على سطح أهوائهم، ويمامةً تسمو فوق أسوارهم.
سأغادر هذه البلاد يا سارة، لأحقّق حلمي وأنعتق من الخوف المعرقل المسكون بالحبّ الذي أحاطني ما يقارب عشرين عاماً، وأختبر نفسي بعيداً عن الرعاية والإملاء، في بيئة مختلفة يحكمها القانون المدنيّ والناس أمامه سواسية، لا تحاكم الفرد وفق ولادته منتمياً لطائفة أو عشيرة، وسأحيا حلمي المنشود في جوّ حرّ وفي بلد ناضل رموزه لإرساء أسسه الاشتراكية والعيش بكرامة واحترام.
كانتْ سارة لا تزال تحت تأثير المفاجأة ولم تستوعب ما أقوله لها، فقد هبط الخبر بها فجأة من سماواتِ فرحتها بتميّزي في الشهادة الثانوية وحصولي على معدّل يخوّلني دراسة الطبّ، ورماها على فجاجة قراري بالسفر، وأنا أحاول عبثاً أن أجعلها تتعاطف معي ومع قراري:
- أنت أكثر من يعلم يا أختاه شغفي بالرسم منذ كنتُ صغيراً، وتعلمين أيضاً كم حلمتُ بأن أصبح فنّاناً مشهوراً، بل حلّق بي الحلم لأرى لوحاتي في معارض العالم، والكلّ يشهد لتفرّدي وتجربتي الخاصّة في الرسم.
ثمّ تابعتُ وأنا أحاول أن أجعل صوتي أرقّ وملامحي أليَن:
- ثمّ يا سارة، إنه مستقبلي ولي حرّية تقرير مصيري فيه، وأنا من سيحياه لا سواي!
اقتربتْ سارة وجلستْ قربي وكنتُ أرى أيّ حال هي فيه، المسكينة كانتْ موزّعة بين أمنيتها في أن أحقّق حلمي ولو على حساب بعدي عنها، فهي بأمسّ الحاجة لي كأخ وصديق، وبين خوفها من ردّة فعل والديّ لو علما بقراري.
وضعتْ يدها على كتفي وهي تقول:
- أتعلم ما تفعله بنا جميعاً بقرارك هذا يا أخي؟؟!! ثم أسألك: لماذا لم تخبرنا من قبل، أو حتى تلمّح لنا لنتهيّأ نفسيّاً على الأقلّ؟! ولماذا أتعبتَ نفسك بالدّراسة وسهرتَ الليالي ما دمتَ ستختار دراسة الفنون؟!
وفيما كنتُ أهمّ بالردّ أنّي لم أكن أرغب بفتح جبهات عليّ سلفاً، دخلتْ أمّي فجأة وقد سمعتْ بعض أطراف الحديث، وراحتْ تصرخ بجملٍ غير مترابطة، والحقيقة أنني لم أرها مرّة بمثل هذا الانفعال وفقدان سيطرة على أعصابها، فعقلها لم يستوعب أمرين: دراستي لغير الطبّ وتحديداً للفنون، وسفري بعيداً عنها ولم أبلغ العشرين عاماً بعد.
- ستتركنا وتسافر يا جواد! ستلحق بأوهامك وتضحّي بمستقبلك! ستكسر قلبي الذي رعاك يوماً بيوم ليراك طبيباً "قدّ الدنيا"، وأفاخر بك أمام الجميع بأنّ تعبي قد أثمر ولم يضِعْ؟!
صمتتْ لحظة وأنا غارق في حزني عليها وأمنيتي أن تتفهّم طموحي.. ثمّ تابعتْ:
- ستهدر كلّ هذا المعدّل العالي لأجل اختصاصّ لا يحتاج نصف هذه الدرجات!
ثم غطّتْ وجهها براحتيها وأجهشتْ بالبكاء، ولم أفلح بإقناعها أو تهدئتها، كذلك لم تصغِ لسارة التي كانتْ تقول لها:
- دعيه يا أمّي، وسيحصد نتائج خياراته إن كانت خيراً أو شرّاً.
- أتدرين يا سارة ما سيحدث حين يعود من غربة دراسته؟ سينتظر وربما لسنوات قرار تعيينه مدرّساً لمادّة الفنون وربما جاء تعيينه في منطقة نائية..
ثم أنتِ تعلمين كما هو يعلم أنّ حصّة الفنون في مدارسنا للتسلية، ويدرجونها كفاصل ترفيهيّ بين المواد الأساسية للتّخفيف عن الطلّاب وإراحتهم بقليل من الفوضى…
مسحتْ دموعها وقالتْ وهي تنهض مغادرة الغرفة:
- ستحيا عمرك شحّاذاً، ولن تجد في جيبك حتى ثمن الخبز.
ربما كانتْ أمّي على حقّ، من حيث نطقها بواقع الحال، لكنّها تعلم بحدسها أيضاً أن عين الطموح عمياء، ولو لم تكن كذلك ما تفتّحتْ بصيرة تلك العين لتبدع وترى الأوسع.
لا أدري كيف مضتْ تلك الليلة على أفراد أسرتي وخاصّة على أبي، بعد أن أخبرتْه أمّي برغبتي وقراري، أما أنا فكان قلبي في اضطراب لم أعهده من قبل، وغفوتُ وأنا أراني قاب قوسين من حلمي، يتوّجني رضا والديّ عليّ.


"٢"

معذورةٌ الفراشة التي يجذبها النور رغباً وتقصيها النار رهباً، فتلك هي الحياة الحقيقية، وروحي كانتْ حينها كتلك الفراشة لا ترى إلّا نور الحلم يناديها ولو احترق جناحاها، وهل تراها تمتنع لو ألف مجرّب نصحها بالتوبة؟!
استيقظتُ وأنا أتوسّل أن يبارك أبي قراري ولا يدفعني باعتراضه على سفري لسلوك لا يرضيه، ويبدو أن دعائي استجيب، فقد سألني فيما نتناول الفطور متعمّداً عدم النظر في عينيّ عن موعد تقديم أوراقي للمنحة الدراسية، ففهمتُ أنّه لم ينم ليلة أمس أبداً.. وأنّ والدتي أقنعته بأسلوبها ودموعها أنّ الإذعان لرغبتي خير من أن يفقداني.
وهكذا كان ذاك الصباح مختلفاً، لأني به أمسكتُ مقبض الباب الموصد أمام حرّية اختيار مستقبلي، لأخطو خطوتي الأولى المتعثّرة، لكنّها الواعدة حتماً بأن تصير جناحاً أحلّق به نحو آفاق رحبة وأمدية لا تحدّها الأسوار.
لم يتأخر الردّ بقبولي في إحدى جامعات روسيا الحكومية ذات الاختصاصات بالرسم والموسيقى والرقص، وكنتُ شبه متأكّد من أنّهم سيقبلونني، بعد اجتزتُ امتحان التّقديم بامتياز، فسارعتُ للتّسجيل بدورة لتعليم اللغة الروسية، وكنتُ فعلاً قد أتقنتُ قليلاً منها عبر متابعتي لبرامج عبر الإنترنيت، كان حماسي يغلب مخاوفي كلما طفتْ على السّطح، وأشعر كأنّي أملك العالم في قبضتي، وأن القادم أجمل.. أجمل حتماً!
خلعتْ أمّي خاتم زواجها من بنصر يسراها وأعطتني إيّاه لأبيعه ولم يكن تمنّعي ليفيد في تلك اللحظة فقد كنتُ بحاجة للمال، وتلعثمتُ وأنا أعبّر لها عن امتناني ووعدي لها بأن أعوّضها حين أتخرّج خيراً.. فابتسمتْ، وكم لابتسامة الأمّ في مواقف كهذه معان يصعب علينا استيعابها، فكأنّها تقول.. كونوا بخير ولا أريد عوضاً عن تضحياتي المادية والمعنوية غير أن أراكم سعداء وناجحين.
ساعدتني أمّي في حزم أمتعتي وتهيئة حقيبة السّفر، وكانتْ سارة تعيد كلّ مرّة على مسمعها مراجعة الورقة التي كتبتُ بها لوازمي وأنا أطلب منها الاختصار للالتزام بالوزن المسموح به في المطار، وللمرّة الألف تتلو وصاياها عليّ بأن أتجنّب برد تلك البلاد ما استطعتُ لذاك سبيلاً، وأن أتدارك الصّداع الذي لازمني منذ طفولتي حال إحساسي به قبل أن تلزمني نوباتُ الشّقيقة الفراش وتجعلني أتقيّأ ما بجوفي.
وحذّرتني من الغرباء الذين سيشاركونني غرفتي:
- برضاي عليك لا تترك مصروفك في الغرفة حين تخرج، وضعه تحت رأسك حين تنام، هؤلاء ليسوا أباك ولا أمّك ولا أخوتك ليهمّهم أمرك! ولا تدعهم يستغلّونك خاصّة إن كانوا أكبر سنّاً منك، وكما عهدتك لا تصعّد أيّ حوار مع أيٍّ كان فسلامتك هي الأهمّ.
ثمّ يا بنيّ، أخشى ما أخشاه من بنات تلك البلاد، لقد نشأن على حرّية العلاقاتِ ويا خوفي أن تقع في شراك إحداهنّ.
وكانتْ تعيد النصائح بقلب الأمّ وسارة تغمزني بطرف عينها أنّ في الإعادة إفادة، بينما أخواي التوأم ورد ومجد يلازمانني كظلّي، أكتم عنهما شوقاً يسبقني منذ اللحظة إليهما.
عند الباب وقفنا جميعاً بانتظار السيّارة التي ستنقلني إلى المطار.. حيث سيمرّ عليّ المهندس فائق الموفد كمعيد ليدرس الدكتوراه في الهندسة المدنية، وقد قال لأبي قبل أيام أن لا يقلق عليّ حين رآه مصرّاً على مرافقتي إلى المطار، وواعده بأنّه سيتوّلى الاهتمام بي كأخيه الأصغر، ولا أدري كيف أذعن والدي مرغماً رغم خوفه عليّ باعتباري لم أزل طفلاً في عينه، فشارباي اللذان خطّا وصوتي الذي اخشوشن وقامتي التي طالتْ لم تزده ثقة بقدرتي على التوازن في ذلك العالم الشاسع، ولكون خوفه وعدم ثقته أقوى من وعود الأستاذ فائق ولم يطمئن قلبه تماماً، كثّف اتصالاته ليعرف أنّ زوجة صديقه الأوكرانية مسافرة لتزور أهلها وقد عدّلتْ تاريخ سفرها ليكون على ذات الرحلة، وأكّدتْ له أنها ستلاقيني في المطار وتهتمّ بي.
ضممتُ والدتي مودّعاً وأنا أجاهد كي لا تجرّني دموعها لبكاء مماثل، ثمّ ضممتُ سارة وأنا أهمس لها:
- إيّاكِ أن تتواني عن إخباري بكلّ تفصيل عنك لأني سأبقى سندك كما كنتِ، سأتابع قراءة كتاباتك فتابعي نشر ما تسمّينه خربشاتٍ.. هذه الخربشات من فتاة في الخامسة عشر من عمرها أبلغ بكثير من معظم رواياتِ هذه الأيام!
ثم حضنتُ ورد ومجد معاً وقبّلتُ خدودهما الطريّة وعنقيهما الغضّين مبلّلاً إيّاها بدموع غدرتني:
- أيّها الشقيّان.. إيّاكما أن تحتلّا غرفتي وتستعمرا سريري وخزانتي وأشيائي بعد مغادرتي، وأعدكما بإحضار دبّ قطبيّ لكلّ منكما، وإن استطعتُ نقل فيل الماموث من صقيع سيبيريا فسأفعل، شرط أن تدرسا وتكونا من المتفوّقين.
كان أبي آخر من ودّعته، ضمّ كتفيّ بكفّيه بقوّة قبل أن يعانقني وهو يقول لي: "كن رجلاً بأخلاقك وعلمك ولا تخذل أباك"، وكلّي ثقة أنّه اصطنع التجلّد أمامي كي لا يضعفني، وأنّه سيخلو بعد رحيلي لساعات وربما لأيام مع طفولتي وصبوتي، وستعصف به المشاعر ما طاب لها.
ثم ركبتُ السيّارة من الخلف فاسحاً المجال للأستاذ المهندس فائق أن يجلس قرب السّائق، فأغلق الباب الأماميّ للسيارة وصعد ليجلس بجانبي وهو يلتفتُ إليّ قائلاً بابتسامته المعهودة:
- أنا منذ اللحظة أخوك الأكبر ولا داعي لأن تناديني بلقب الأستاذ، ثم إنّ الطريق إلى العاصمة طويل وسنستعين بالدردشة ليصبح الوقت أسرع.


"٣"

كان الأستاذ فائق بحراً من العلوم والخبرة، وكنتُ أصغي إليه طوال الطريق مأخوذاً بثقافته وأسلوبه الشيّق في الحديث، بحيث لم أشعر بالوقت أو المسافة، وأتساءل كيف لعدّة سنوات بيننا أن تنضج الإنسان بهذه الطريقة في الشخصية والتجربة والأفكار؟!
سألته بمعرض حديثنا:
- أستاذ فائق، أنا فعلاً لا تفارقني الدهشة، وأستغرب كيف ومتى اكتسبتَ كلّ هذه المعرفة وامتلكتَ الوقت لقراءة هذا الكمّ من الكتب؟!
يبتسم بودّ وهو يربت على كتفي ويقول:
- قريباً ستفوقني بكلّ ما ذكرتَ، لأن لديك ميزة ليست لديّ، هي أنك فنّان، وما دمتَ بهذا الشغف والاندفاع سأذكّرك يوماً بما ستكون عليه بعد سنوات إن مدّ الله بعمرينا!".
لقد منحتني كلماتُه دعماً كبيراً جعل طاقتي تزداد توثّباً، واستعجلتُ الأيام لأراني فعلاً بذات حضوره الواثق، فيا لسحر الكلمة كم تفعل بنا، وهي ترفعنا لنطال النجوم، أو تهوي بنا في لجّة الإحباط، كما يمكن لشخص أن يدفعنا كريح طيّبة في إبحارنا نحو الحلم المشتهى، أو يحطّم مجاديفنا برؤيته أن كلّ ما نفعله وهمٌ وسراب.
لن أنسى أبداً اللحظة التي نظر بها إلى عينيّ مباشرة، وهو يقول لي:
- صدّقْ أني أستطيع أن أقرأ حتى طفولتك، فجواد.. الطفل الهادئ المسالم لم يكن كما يبدو للجميع، وطاعته ما كانت إلّا احتراماً لوالديه أو معلّمه أو ربّما من خوف وتجنّب للعواقب.
رأسك الذي تعوّد على الانحناء كان يعرف أيضاً حين تكون وحدك كيف يعبّر بالرفض أو الاستياء، وما أكثر ما كنتَ تميل للوحدة، لتعبّر عن رفضك أو رغباتك من خلال رسومك على الورق، حين تحاصر بتحديد ساعات النوم والاستيقاظ، أو اختيار الصداقاتِ، أو حتّى في أكلك ولبسك.
يزداد ذهولي لإحساسي أن الأستاذ فائق كان ملازماً لي منذ طفولتي، خاصّة حين يستطرد:
- أراك تكبر، تدخل مرحلة المراهقة لتبدأ التغيّراتُ الفيزيولوجية والنفسية بالظهور فتشي بأنّك لم تعد طفلاً، لكنّ الخوف يبقيك في دائرة وجوب الطاعة دون حوار، لأن مخاوف الأهل عليك تزداد بدل استيعاب التغيّر الجديد.
- ما أقدرك على قراءة كتاب النفس يا أستاذ، مع أنك رجل علم وهندسة!
تفتح كلمات الأستاذ فائق الباب الموارب بيننا، وأشعر أني أنساق للبوح له بثقة وطمأنينة، دون خوف من سوء فهم أو حسابات واحتمالات، فأحدّثه عن شبح الخوف الذي عشّش بداخلي طوال سنين عمري منذ سنيني الأولى يوم كانت العتمة ترعبني، وأتهيّب لقاء الغرباء، وأتوتّر من الأصوات العالية، ثمّ كيف شطح خيالي في تصوّر ما يقصّه رفاقي عن الجنّ والأشباح والوحوش واللصوص وأبالغ في تحويلها لأفلام رعب، وأسررتُ له أني حتى اللحظة لا تفارقني صورة المعلّم بعصاً غليظة يعاقب بها كلّ من يهمل كتابة الواجب أو يسيء الأدب أثناء الدرس، وكلّ النصوص التي قرأتها لاحقاً لم تحسّن صورة المعلّم بعقلي.
كانتْ كلّ كلمة تخرج من فم الأستاذ فائق تقع بقلبي وعقلي وأنا أرى به الصديق لا الواعظ، يصغي إليّ ويدفعني لأكون كما أنا دون خجل أو خوف.
تابع قائلاً:
- ما أعظم من قال "خير طريقة للقضاء على الخوف هو الوقوع فيه"، وها أنتَ تفعل بكلّ شجاعة، وبخطوة سبقتْ بها أقرانك، الخوف يا جواد سمة طبيعية عند كلّ الكائنات، أما غير الطبيعي فهو تكريسه عمداً أو عن غير قصد.
أنا مثلك يا جواد شببتُ لأقرأ قائمة المحظوراتِ الكبيرة التي تشكلّ خطراً علي، وتضافرتْ جميع الجهاتِ لمنعي من ممارسة حرّيتي تحت اسم حمايتي، ولأخبرك مثلاً كيف يسري الخوف إلينا من أهلنا دون أن ننتبه.. كانتْ أمّي حنونة جدّاً وفي منتهى التفاني، لكنّها كانتْ بحالة من الخوف الدائم .. إن زاد ملح الطعام، أو أهملتْ كيّ قميص أبي، أو سمعتْ كلمة لا تروقها، أو اضطرّتْ للسفر، أو مرضتْ، أو نسيتْ وقت الصلاة، أو تعاركتُ مع أحد الأطفال، أو.. أو...فانتقلتْ مخاوفها إليّ لا شعورياً.
صار كلّ ما هو خارج أسرتي غولاً سيأكلني، وصدّقتُ أن للحيطان آذاناً تلتقط كلّ كلمة وتبلغها لأولي الأمر، حتى الله برع الجميع بتصويره منتقماً جبّاراً يسلخ الجلود ويوقد النار العظيمة ويتفنّن بوسائل التعذيب لحرق الخارجين عن طاعته، ولم أجد جواباً لسؤالي: "لماذا يزداد عدد المجرمين رغم كلّ هذا التخويف؟!"
ثم بدأتِ الأسئلة النائمة تستيقظ في عقلي دون أن ألقى أجوبة تقنعني، حينها بدأتْ مرحلة جديدة عندي بالتأمل والإصغاء لما يقوله قلبي.
وختم حديثه بابتسامة جعلتني أبتسم بدوري، وهو يمسك كفّي بين كفّيه معزّزاً ثقتي بنفسي، فيما نتأهّب لولوج المطار.
بقي الأستاذ فائق مرجعيتي الأوثق وأخاً كبيراً لي طوال فترة دراستي، وقد استفدتُ حقاً من ارشاداتِه ودعمه النفسيّ، وكثيراً ما كنتُ ألجأ إليه كلما أُشكل عليّ أمر خاصّة في سنتي الدراسية الأولى، وكان يصبر على جهلي وخجلي بأخلاق حافظتْ حتى النهاية على سموّها ومعدنها الأصيل.
وكانتْ كلمة الشكر التي خصصته بها ضمن إهداءات أطروحة التخرّج، أقلّ ما يمكن أن أفعله عرفاناً بأثره الإيجابيّ عليّ، في نقلتي الحياتية والنفسية الجديدة.
وبقيتْ عبارته حتى اللحظة ترنّ بأذني بوضوح:
"استفتِ قلبك ولو أفتوكَ".


"٤"


المطار متاهة حقيقية، وأنا كطفل أضاع أمّه في الزحام، أحاول أن أركّز انتباهي جيّداً على اللوحاتِ المضاءة التي تحدّد الرحلة وموعدها، ونوافذ انهاء الأوراق وختم جواز السفر، وشريط الحقائب، الى ما هنالك من تفاصيل تحتاج لخبرة سابقة، وكان يخفّف تصاعد توتّري ومخاوفي كلّ من الأستاذ فائق وزوجة صديق أبي آنّا التي بقيتْ معي خطوة بخطوة، فوجدتُ فيها نعم الرفيقة اللطيفة.
حين صعدنا سلم الطائرة وتوجّهنا إلى مقاعدنا، وجدتُ آنا تتحدّث إلى المضيفة، ثم تركتْ مقعدها وجلستْ بجواري مبتسمة فبادلتها الابتسامة بامتنان، يبدو أنّ المضيفة يسّرتْ أمر جلوسها على المقعد المجاور خاصّة وأنّه ظلّ فارغاً مما جعلني أخمّن أنّه لا يخصّ راكباً من الركّاب.
قلتُ لآنا قبل أن يطلبوا منا شّد الأحزمة بقليل أنّ لدي رهاب المرتفعات والسفر جوّاً، وأنّي أحسّ بقلبي يخفق بسرعة وسيتوقف لحظة إقلاع الطائرة، وأخبرتُها أنّ عقلي يرفض تصديق بقائي معلّقاً في الجوّ لمدّة أربع ساعات!
فضمّتني بحنان، وأعطتني ورقة، ثمّ طلبتْ مني بلغتها العربية المكسّرة القريبة للقلب أن أدوّن اسمي عليها لمرّاتٍ باليد التي لا أستعملها للكتابة عادة لتشتيت انتباهي عن الخوف، ومراقبة تحسّن مهارة كتابتي مرّة بعد مرّة.
ثم أعطتني قصبة شرب بلاستيكية لأضعها في فمي، وأنشغل في محاولة التنفّس من خلالها، حيث ستساعد هذه العملية في خفض تسارع الأنفاس الذي قد يصيب الخائفين.
لم أصدّق حقّاً أنّي تغلّبتُ على رهاب السفر جوّاً، فقد انشغلتُ عن رعبي بتأمّل العاصمة من النافذة التي بدأتْ تصغر وتبتعد عن عيني، ثم بتتبّع الغيوم التي تمرّ بنا بشكل ساحر ومرعب معاً، بينما تبدو الأرض لي بقعاً زرقاء وخضراء وصفراء.....
ثم أخرجتْ آنا من حقيبتها اليدوية حلوياتٍ ومكسّراتٍ وفواكه مجفّفة ووضعتهم أمامنا، وأخذتنا الأحاديث بعيداً عن الطائرة ومخاوفها، فلم أشعر بفارق العمر الكبير بيننا، وأحسستُ أنّي كسبتُ صداقة قلب كبير وأمومة فيّاضة.
حدّثتها عن حلمي بدراسة الفنّ وكيف رضخ أهلي لقراري في اختيار السفر لتحقيق طموحي، وأبديتُ لها مخاوفي من المجهول القادم إليه ولا أعلم عنه إلّا معلوماتٍ عامة أو قراءات أدبية لا أكثر، فشجّعتني وأثنتْ على إرادتي ونضجي، وبثّتِ السكينة في روحي وهي تقول:
- سعيدة بك يا جواد، وكم أجد نفسي في تحدّيك قبل عشرين عاماً!
ابتسمتْ عينان بلون البحر وكأنّها تستحضر تلك الأيام البعيدة بنفس انفعالاتها، وتابعتْ وهي تسرح في سماواتٍ بعيدة نحو ذلك الماضي:
- لم يكن زوجي كأيّ شابّ أعرفه أو عرفته، جذبتني وسامته العربية بلون بشرته الأسمر والملامح الواضحة والمواقف الرجولية التي كنتُ أراها تسفر عن وجهها يوماً بعد آخر، وقد تعلّقتُ به لدرجة إحساسي بأنّ قدري مرتبط بقدره وأنّ حياتي محال أن تكون بدونه.
لم آبه لاستنكار والديّ المنفصلين أصلاً منذ كنتُ صغيرة ولا لتحذيراتِ صديقاتي، كنتُ مسحورة تماماً يقودني الحبّ كعمياء حيث شاء.
لن أحدّثك كيف مرّتْ تلك السنين عليّ بعيدة عن أهلي ووطني، في بلد عانيتُ فيه من التباين في الثقافة والطباع والحضارة ومفهوم الأخلاق تحت بنديّ "عيب وحرام"، ولا كيف كبرتْ ابنتاي في الهوّة الشاسعة بين حرّيتي وقيود مجتمع لا يشبهني، ولكنّي أقول لك بأني لستُ نادمة.. فقد كان خياري، والسعادة ألّا نجبر على أمر مهما كان، لأننا سننعم بخير ما اخترنا ونتحمّل شرّه برضانا.
صمتتْ آنا، ووعدتني بتواصل أكيد بيننا لاستكمال الحكاية، كذلك لذتُ بالصمت وأنا ما زلتُ متأثّراً بكلماتها.
ثمّ لا أدري كيف سرقني النوم فغفوتُ، لأراني في الحلم أحلّق بخفّة طائر فوق ثلاثة خطوط حمراء، وكنتُ أحمل بمنقاري ريشة مغموسة بالألوان، تحيل الخطّ الأول ينبوع ماء والخطّ الثاني سرب يمام وتجعل من الخطّ الثالث حديقة زهور.
ألتفتُّ بعد انتهائي، فوجدتُ طيوراً من كافّة الأشكال والأحجام تحذو حذوي دون خوف، في رقصة وجودية ما بين تغريد ورفيف أجنحة لتشكّل لوحة بديعة، فإذا بالثالوث الخطير "سياسة.. دين.. جنس" الذي حذّرونا منه يغدو حياة طبيعية بدون قهر وقتل وكبت، ورأيتُ المشهد من الأعلى بعين أوسع ينظمه قانونٌ حاكم، وضميرٌ فرديّ يقظ، وعاداتٌ سليمة تربّتْ منذ الصغر.
استيقظتُ بعدها على صوت المضيفة تطلب من المسافرين التهيّؤ للهبوط.
"فكأنّ الطائرة ما كانتْ إلّا وسيلة تحمل الطائر إلى حيث يغدو الحلم حقيقة".


يتبع....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى