د. بهية كحيل - أراد أن يقول...

الامتداد الرحب للمنظر الرائع خلف النافذة ، لم يعد يثير اعجابه ، ولا حتى تلك الطيور البيضاء التي راحت تجول مرفرفةً فوق صفحة المياه اللامعة
الغرفة جميلة ، مترفة ، لكن ثمة وحشة قاتلة ، موقد الحطب يشعل حكايات في رأسه المتعب
استغرق في خرافية المشهد، انتابته قشعريرة ، وخطر له :
ماذا لو علا الموج الساكن ، ورفرفت تلك الطيور فزعة
ماذا لو هاج كل هذا الجمال أمامه ؟ دخل الى غرفته
استدار يمنة ، فرأى على الطاولة المجاورة، قرب الأريكة الفاخرة ، جهاز قياس الضغط ، علب الدواء
نسمة باردة منعشة هبت من النافذة ، داعبت وجهه .
( ابتسم وهو يعدَ بلاطات الشارع الصغيرة السوداء ،ويراقب باب الجيران الخشبي الكبير الذي بدا مواربا .. أشار لها وهو يتفادى "أبو اسماعيل"صاحب دكان الحي ، الذي راح يرشقه بنظراتعابسة مؤنبة
حث الشاب خطاه ليصعد الدرجات الثلاث ، ويدلف الى ساحة المنزل
وهناك راح يحجب قرص الشمس بيديه ، ويتطلع الى السماء الصافية ... لمحها على سطح المنزل المجاور ، تظهر وتختفي وراء شرشف ناصع البياض معلق على حبل الغسيل
فأسرع يطوي درجات السلم الخشبي المتهالكة ،المتكئة على جدار حجري حجب جزء منه بشجرة لبلاب امتدت بحنو
ثلاثة خطوات وأصبح هناك ، أحنى رأسه تحت أغصان الدالية الهرمة ، المثقلة بعناقيدها ثم راح يزحف ببطء ليجتاز الحد الفاصل بين السطحين .
نظر اليها ببهجة ،هواء تموز الحار يداعب وجهه ويعبث بتنورتها ... شبت على رؤوس أصابعها محاولة الوصول الى حبة عنب، أشعل المشهد رأسه، خجلت ولملمت تنورتها
ناداها : تعالي !
خفضت رأسها تحت الأغصان الملتفة ، جرها من يدها وجلسا على الأرض .
الحركة المفاجئة ، أفزعت قطتين كانتا تلهوان بين الأشياء المتراكمة في زاوية المكان ، لحقت احداهما بالأخرى واعتليتا الحائط ،
ضحكا معا لمنظر القطتين ، ثم طلبت منه عنقود عنب ... الدالية عالية ، والعنقود أبعد من أن تصل اليه يده ، وهي تشتهيه
سحب صندوقاًخشبياً،ثم اعتلاه ، مد جسده للأعلى باحثاً عن العنقود الأسود الداكن بين الوريقات الخضراء الزاهية ، خافت عليه أن يسقط ، أمسكت به ، فلامست يدها البضة ساقه المفعمة قوة وحياة .
شعرت بهدير الدماء في عروقه ، وصلابة عضلات فخذيه ، ارتبكت ، سقطت ، فسقط فوقها ضاحكاً وبيده عنقود عنب أسود .. انتزع منه ثلاث حبات ، ووضعها في فمها دفعة واحدة ، أطبقت أسنانها ، فتناثر رحيق العنب على شفتيها ،
منتشياً راح يراود حبات العنقود عن فمها حبة حبة ، فالسقطة جعلت وجهه قريباً جداً من وجهها ، وجسده ملاصقاً لجسدها )
جرس الباب يقرع ، الخادمة الشابة تفتح الباب وتعلن انه الطبيب .. بدا منكسراً وهو يشيح بوجهه جانباً
قاس له الطبيب الضغط ، عاير السكر في دمه ،
قطب حاجبيه قائلاً : مابك يا رجل ؟ ضغطك عال وسكرك مرتفع ، يجب أن تخفف الانفعالات ، وأن تتجنب السكريات حتى تتحسن صحتك
متهالكاً يجلس في شرفته الأنيقة ، يراقب أسراب الطيور ، وصفحة المياه بصمت حزين
( ذهبت ابنة الجيران على عجل ، فالقطتان أعلى الجدار أسقطتا قطعة خشبية كانت مستندة الى الحائط ، أثارت فزعها،
هربت من بين يديه ، وراحت تجري برشاقة لتختفي وراء حبل الغسيل
ناداها : تعالي !
ضحكت ، تراجعت ، مدت له لسانها ، ثم هرولت على درج المنزل ، وعلى أرض السطح الاسمنتية ظلت بقايا عنقود العنب المعتصرة تحت أشعة الشمس اللاهبة .. سائل خمري يلمع تحت قبة السماء )
سمع الطبيب يقول معاتباً،_ لم تفعل هذا بنفسك ؟
نظر اليه بصمت ، أراد أن يقول : أن ضغطه ، ونبضه يرتفعان لأن صدى صوتها ورنين ضحكتها ما زالا يسكنان أذنيه ويغشيان قلبه وسكره يعلو، لأن الطعم الحلو لعصير العنب الذي تناثر على شفتيها هو السبب لكنه صمت ثم أطرق حزيناً

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى