مقتطف ثناء درويش - حصرم الألم / الفصل الثاني... ما بين هنا وهناك

الفصل الثاني -
ما بينَ هنا وهناك

"١"


كانتْ تلك المرّة الأولى التي أركب بها المترو، ولم يسبق لي أن رأيته إلا في الأفلام، وبقيتُ مذهولاً أمام هذا الإنجاز الحضاري الهائل وهو يعبر بنا الأنفاق تحت الأرض بسرعة فائقة، جعلتني أستحضر وقوفي لساعات لانتظار الحافلة في بلدي، والاستقتال لأظفر بمقعد خالٍ، عدا عن سيل الشتائم ورائحة العرق من تكدّس الأجساد وتلاحمها، وتساءلتُ بسذاجة كم سنة ضوئية نحتاج لنحقّق إنجازاً كهذا على سبيل المثال، يحكمه النظام التلقائي والطبيعي.
وصلتُ غرفتي في السكن الجامعيّ، لأجد شابين عربيين يشاركاني السكن، قدّم لي كلّ منهما نفسه:
- عليّ.. من العراق، سنة أولى طبّ.
- عبد الرحيم.. من تونس، سنة ثالثة رياضيات.
استعصى عليّ فهم اللهجة التونسية ولكن الأمر لم يدم طويلاً إذ أصبحتْ لهجاتنا خليطاً عجيباً مع اللغة الروسية التي كان علينا أن نتكلّم بها لتقوى محادثاتُنا.
كان العراقيّ عليّ وديعاً مسالماً بملامح أقرب للأنثوية لكنّه مغلق على نفسه، ولم ألحظ انفعاله مرّة إلا حين كان يتذكّر أبيه الذي قضى في السجن زهرة شبابه كمعارض شيوعيّ متّهم بالنشاط السياسي لإسقاط النظام، أما عبد الرحيم فكان على العكس تماماً شخصية انفعالية لكنّها تضجّ بحبّ الحياة والإقبال عليها، ورغم أنه لا يشبهني باندفاعه ونهمه وصوته العالي، أحببته وتمنّيتُ في لحظات كثيرة لو أنّ لي صخبه، خاصّة حين كان يرفع صوت أغنية ما من أغاني الراب ويرقص عليها، ويلحّ علينا لنرقص معه، متحمّساً لهذا النوع من الغناء الذي يعتبر المغرب العربيّ انبثاقاً له في تسعينيات القرن الماضي.
كان طيّباً سهل العريكة بملامحه الخشنة وسمرته، خلاف عليّ الذي رغم نعومته وهدوئه بدا لي صندوقاً مغلقاً لا تضمن في أيّ لحظة يمكن أن ينفجر، وأنا كنتُ بينهما ما بين حالين.. الحفاظ على خصوصيتي التي لا أحبّ أن أراها متاحة للآخرين، وانفتاحي عليهما لأنهما يشتركان معي في معظم التفاصيل اليومية الحياتية.
بالتأكيد كانتْ سنتي الجامعية الأولى صعبة جدّاً، وحتى اللحظة كلما تذكّرتها أرى أيّ طفل كنتُ، وكم يلعب الأهل دوراً في مركّباتِ النقص ونقاط الضعف عند أبنائهم دون أن يشعروا وغالباً بدافع الحبّ والحرص فتكون النيّة طيّبة والنتائج سيّئة، بينما يفترض أن تكون التربية خلقاً آخر لا استنساخاً عقيماً، وحينها وعبرها يتمّ بناء المجتمع السليم.
فليس كلّ شابّ قادراً مثلي على قهر ضعف متوارث، أو اتّخاذ قرار الانتصار عليه بالإرادة والاستعداد النفسيّ والعقليّ من جهة وتوافر الظروف المساعدة لذلك من جهة أخرى.
لا.. لم ألُمْ أبويّ يوماً على مخاوفي، فهما أيضاً ضحيّة تربية خاطئة وظروف غير مساعدة، في واقع يجعلك تخاف حتى من نفسك.
بل على العكس أحمد الله الذي جعلني أولد في أسرة طيّبة محبّة ترى أن الدّين لله والوطن للجميع، ومدّني بالطّاقة الكونيّة التي تعهّدتْ بذرة الرفض بوجداني، لأكون متوازناً قدر الإمكان.. ولأنسجم قلباً وعقلاً ونفساً مع الوجود ومع محيطي، وأحيا الانفتاح بعقل واع يوازن دوماً أمام كلّ هوى أو غواية بين الأسباب والنتائج، وكم يحرم العقل صاحبه متعاً آنية ويساوي بين الشّاب والكهل، فيقلّل خيباتِ سنّ الشّباب لكنه يحرمه من توهّج شعلة الفتوّة بما يجب وما لا يجب.
"أن تكون عاقلاً يعني بالمحصّلة ندماً أقلّ.. وفرحاً أقلّ.. مقابل الكثير من الرضا عن الذات"


"٢"

فارقتُ وطني وأهلي وأصدقائي وكلّ مألوفاتي التي أحببتها وتعلّقتُ بها، وكان بي توق كبير لمرحلة جديدة من حياتي مستقّلاً حاملاً مسؤوليّة هذا الاستقلال، وقد خالط توقي خوف من المجهول في بيئة أجهل كلّ شيء عنها.. ابتداء باللغة وانتهاء بسياستها، إلّا ما قرأتُه في سنّ مبكرة لأدبائها وأعجبتُ به جدّاً وأسرني بإنسانيته، فكم مرّة أعدتُ قراءة السفينة البيضاء.. شجيرتي في منديل أحمر.. المعلّم الأول.. المعطف.. لمن أشكو كآبتي.. وغيرها من روائع الأدب الرّوسي بنفس الدهشة وخفقان القلب، كأنّني أقرأها للمرّة الأولى.
ثم ابتدأ الإحساس بالفقد وراحتْ سوسة الحنين تنخر قلبي وأنا أعاني من صعوبة تعلّم هذه اللغة الجديدة والثقيلة على لساني، وتعثّر انسجامي مع كلّ ما حولي، وما أكثر ما كنتُ أبكي حين أضع رأسي على الوسادة وأغمره بالغطاء فلا يلاحظ رفيقاي اللذان يشاركاني الغرفة ضعفي وقهري، وأغلب الظنّ أنّهما أيضاً عانيا ما عانيتُ، وكثيراً ما كنت أتّصل في الشهور الأولى بآنا ونتحادث عبر الهاتف أو نخرج لنمشي أو نجلس في حديقة أو مطعم فيطمئنّ قلبي، لكن آنا عادتْ بعد انتهاء إجازتها وشعرتُ بعد سفرها بالفقد والحاجة ومعنى الغربة والوحدة، رغم أن الأستاذ فائق لم يتخلّف أبداً عن التواصل معي عبر الهاتف، ولا أنسى مواقفه الرجولية معي حتى لحظتي الأخيرة في تلك البلاد.
مضى العام الأول بطيئاً، وأنا أتحدّى نفسي أنّني سأغدو أقوى من كلّ ما قد يعرقل وصولي لتحقيق حلمي، ثمّ شيئاً فشيئاً بدأتُ أعتاد العالم الجديد وأحبّه، فقد خلقتُ لي أجواء شفّافة من الجمال عبر حضور المعارض والاطلاع على تجارب أعظم فنّاني العالم، بكلّ المدارس الفنيّة على تباين أنواعها، وأطرب لثناء أساتذتي على بصمتي الخاصّة في الفنّ، وتوقّعهم لي مستقبلاً مشرقاً إن حافظتُ على طاقتي الإبداعية فيما لو تغيّرتِ الظروف، وتفجير طاقاتٍ جديدة كامنة لو حالفني الحظّ.
ورحتُ بكلّ طيبتي وتلقائيتي أتواصل إنسانياً مع مختلف الجنسيّاتِ والعروق لإيماني بالجوهر الجميل الواحد الذي يجمعنا، وأحاول ان أتجنّب الحواراتِ التي قد تثير حساسيّة عند الطرف الآخر، فلا أمسّ لأحد معتقداً ولا انتماء وأتجنّب أن أُستفزّ إن حاولوا المساس بأموري الشخصيّة، وأكتفي بمتعة التناغم الفنّي والأدبي مع أصدقائي، وغالباً ما أحرف مثل تلك الحواراتِ إلى حيث أريد، أو أنسحب منها بكلّ هدوء، مع أنّي كنتُ في بلد الحرّيات وحقّ التعبير شرط ألا تمسّ أمن البلد الذي أنت في ضيافته.
لقد ساعد على ذلك بالتأكيد أنّي نشأتُ في بلدة كأسرتي معتدلة مناخاً وفكراً، وقد كانتْ حقّاً منطقة وسطى كما تمّ تقسيمها جغرافياً، فقد حوتْ خليطاً عجيباً من الأديان والمذاهب والأحزاب، لم يوحِ بأنّ هذا الانسجام كان ينتظر شرارة صغيرة ليبدأ الانكماش وعملية شدّ الحبل كلّ حسب انتمائه، بينما يضيع صوت اللا منتمي وسط كلّ ذلك الضجيج.
بعد أقلّ من عام على سفري، اندلعتْ أوّل شرارة في الشارع العربي وفي تونس تحديداً تطالب بالتغيير، فالمواطن العربيّ في كلّ بقاع الوطن كانت له نفس المطالب رغم تباين الأولويّاتِ، ثمّ بدأتِ الشرارة تمتدّ من شارع لشارع ومن مدينة لأخرى، حتى وصلتْ لبلدي.
أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد في أواخر عام ٢٠١٠ وتحديداً في السابع عشر من كانون الأول، احتجاجاً على الشرطيّة التي صفعته أمام الملأ لأنه رفض أن يغادر مع عربته المحمّلة بالفواكه والخضار والتي كان يعتاش منها، وبعد ثمانية عشر يوماُ توفّي متأثّراً بحروقه، فكانتْ هذه الحادثة فتيل اندلاع الثوراتِ التي انتقلتْ من بلد لآخر كنار في الهشيم.
لم يعد عبد الرحيم هو نفسه الذي عهدته فرحاً ضحوكاً متحفّزاً، انطفأتْ ضحكته وتحوّلتْ لنقمة وسيل من الشتائم وصار يقضي وقتاً طويلاً يتابع ما يجري ويشعر بالعجز والتقصير لأنه لا يشارك رفاقه ثورتهم على الظلم والاستبداد.
ولن أنسى أبداً صباحاً استيقظنا فيه على صوت عبد الرحيم يودّعنا فيه لأنه قرّر أن يعود لتونس ملغياً منحته الدراسية ولم نفلح أبداً في إقناعه بالعدول عن قراره، كان قد وضع روحه على كفّه وقرّر أن يشارك أيضاً كباقي شباب بلده في إسقاط النظام، لولا أن عرف أن الرئيس قد سقط فعلاً بعد حوالي شهر، فاحتفلنا معه بهذه المناسبة وبمناسبة إلغاء فكرة سفره.
في كلّ اتصال مع أسرتي للاطمئنان كان يصلني خبر ما عن أحد أعرفه استشهد أو اعتقل أو صار "معفّشاً" وهو المصلح الشعبيّ لمن ينهب البيوت التي خلتْ من سكّانها نتيجة الحرب، ومع كلّ اتّصال أسمع دعاء أمّي وهي تحمد الله على أني لم أبق بالبلد ولم أسمع منها يوم ترجّتني ألّا أسافر.
يمكن القول أن بلدتي كانتِ الأقل تضرّراً إذ لم تتعرّض للقصف أو للدمار، وظلّتْ بمنأى عن الانشقاقات التي ولّدتْ حركات دينية متطرّفة ولكن الوضع عموماً كان مأساوياً بامتياز، وقد دفع بالكثير من أبنائها للهجرة وتسليم أنفسهم للبحر والمتاجرين بالبشر، والذي تحتاج البشرية لكتب ومجلّدات لكتابة تفاصيل من بقي ومن هاجر ومن مات.
لكنّ أولويّة أنني ببلد أجنبي وعليّ أن أدرس ولا أعرّض نفسي لأيّ أذى ولو عبر حوار، جعلتني أقصي نفسي حتى عن صفحاتِ الانترنيت لأني لم أشأ أن أُحسب ولو عبر كلمة على أيّ طرف من الأطراف ليستخدمني لتعزيز موقفه، بعد أن امتلأتِ السجون بالمعتقلين، ونشأتْ حركات دينية متطرّفة تدعمها دول خارجية اتّخذتِ الجهاد في سبيل الله عنواناً لنشاطها وأفلتتِ الأمور من زمامها لتصبح بيد تجّار الأزمة.
كان وجه أبي يلوح لي فجأة وأسمع صوته كأنه حقيقة يسرّ لي:
- كلّ ما رُسم لدمار هذا البلد تحقّق بالحرف، وما كان الشارع الهادر الذي يحلم بالعدل والحرية والمساواة إلا أداة محلّية لتنفيذ المخطّط العالمي، خاصة بعد مدّه بالسلاح...
لو أنك ما زلتَ هنا، ربما منعتك بالقوّة من أن تشارك فيما كنتُ أرى نهايته!
ويختفي وجه أبي ويخفت صوته بغرابة حضورهما، أما أثره فباق كالوشم بي، ويمكنني اليوم أن أتفهّم خوفه عليّ أكثر، وأرى كم كان به من الحكمة، وأستذكر ما كان يسرّه لي مؤكّداً أنّ لكلّ مواطن عربيّ مواطناً آخر يتبعه كظلّه ليرصد تحرّكاته ويكتب حتى نوبات غضبه واعتراضه ويقدّم تقريراً عنه ثمّ يقبض ثمن مهمّته في حماية الوطن.
او حين يعيد قصّ حكاياه بنفس المرارة وكأنه يخاف عليّ من ذات المصير:
- آه لو تدري يا بنيّ ما فعلوا ويفعلون بكلّ من يخالف ما تعارفوا عليه حتى صارت مخالفته تعني الكفر الصريح، والخيانة العظمى، والشذوذ الواضح، في ذلك الثالوث الخطير".
تدمع عيناه وهو يتخيّل ويجعلني أتخيّل معه ما فعلوه وما يمكن أن يفعلوه بكلّ مخالف أو خارج عن النّسق يرون به موقظ للفتنة.. مخرّب للوطن.. مدمرّ للأخلاق ومحرّض على الفساد.
يصمت فأقرأ في صمته صرخة مخنوقة وأستشعر شوكاً عالقاً في حنجرته.
بينما تحدّثني دموعه وهو يقرأ القرآن أو الإنجيل أو المخطوطات القديمة الصفراء التي انطفأتْ عيناه وهو يبحر في لجّتها سابراً أغوارها محلّقا في سماواتها.. كم عاش من القهر الوجوديّ وكم حلم بالإنسان خليفة الله على الأرض وكم حلّق فكره بأمدية من الحرّية، في غد لا تكمّ فيه الأفواه فحقّ الاختلاف بدهيّة وجوديّة تكرّم الإنسان بدل أن تجعله عبداً لمن يعتلون المنابر ويجلسون على الكراسي، في سلطة التخويف بدل تكريث مفهوم الرحمة في الاختلاف، ولم يجد لأحلامه ظلّاً على الأرض إلّا السراب.
أتأمل اليوم الفرق بين الحكمة والخوف مادام كلاهما يجعلنا نحجم عن أمر ونحن نرى العاقبة لو فعلناه، فأرى أن الامتناع عن أمر بدافع الخوف يكون بسبب توهّم أشياء غير موجودة أو تضخيمها لضعف في بناء الشخصية، أما الحكمة فتستشفّ ما يمكن أن يحدث وفقاً لمعطيات الواقع والتجربة التي يحكمها العقل، فتنتهي النفس عن أمر لأنّها ترى سلفاً النتائج المترتّبة عن القول أو الفعل، وعبر العين الثالثة ترى ما لا يرى وتكبح جموح الهوى والاندفاع.
وها أنا اليوم أردّد ما كان أبي يقوله لي، ويبدو أني كنت أحتاج أن أبتعد وأنضج لأفهم أن:
"الحياة أثمن بكثير من كلمة تعبير، تراها من حقّك لكنها قد تدقّ عنقك".

"٣"

في تلك البلاد الباردة.. احترق قلبي.
هناك.. تجرّعتُ أولى كؤوس القهر بعد الدلال الذي عشته في كنف أسرتي، وهناك حيث ظننتُ أنّي سأحيا حلمي بالعدالة والحرّية علمتُ أنّ الأرض سجن كبير، والحرّية ما هي إلّا حلم الشعراء والفنانين السذّج أمثالي لا غير.
هناك.. بين ليلة وضحاها وجدتني مرميّاً في زنزانة كأيّ مجرم خطير، بلا إثم ولا ذنب سوى عشقي للجمال والخير والمحبّة والسلام.
هناك أيضاً.. إن كان للأماكن ذاكرة لتشهد، كانت المرّة الأولى التي أجدّف فيها على السماء، وكأن الحصاة في فمي تكاد تخنقني، أكفر وأسخر وأنا في ذروة الضّيق، دون خوف من ربّ يراني ولا أراه، أصرخ في أوج بلائي.. قل لي بماذا تفرق عنهم ما دمتَ لا تتدخّل، وأين أنتَ من كلّ هذا الظلم والتجنّي؟!
يا لقسوة تلك الأيام، رحلتْ مع عذاباتها تاركة ندبة في القلب وتشويشاً في الإدراك والعجز عن الفهم.
كنتُ آنذاك في سنتي الدراسيّة الأخيرة، مشغولاً بالتّحضير لأطروحة التخرّج التي أردتها أن تكون حول "دور الفنّ في حركة التغيير".
رغم كلّ سلامي الداخليّ الذي كنت أحياه، وكمن وجد نفسه بقلب كابوس مرعب ولا يقوى على الاستيقاظ وجدتني بين يوم وليلة محشوراً في زنزانة ضيّقة مع جنسيّات مختلفة، تمرّ عليّ الأيام ولا أدري ما تهمتي، والهواجس تنخر رأسي وألف احتمال يراودني....
هل يكتبون التقارير هنا كما عندنا بخطوط أنيقة منمّقة؟!
هل يرشّون البهارات على جملة قيلتْ بلا قصد لتغدو طعاماً مسموماً بنظرهم؟!
هل أبناء بلدي حملوا معهم غلّهم وغيرتهم إلى هنا للخلاص منّي بأيد نظيفة.
ومن له تصفية حساب مع شاب خجول مسالم مثلي، لا يشكّل خطراً حتى على نملة؟!
وهكذا تمرّ الأيام والليالي في محاولات التخمين وتذكّر أحداث وأحاديث أيام ما قبل السجن.. فلا أجد فيها ما يريب، ما خلا تفجير أحد الملاهي في موسكو من قبل جماعات إرهابية كما ذكرتِ الأخبار.
كان المحقّق الذي لا يفتأ يستدعيني ليسمع كلّ مرّة اعترافاتي كما يتوقّع بحنكة وذكاء عشرات العقول مجتمعة.
فالسؤال ذاته يتكرّر بألف صيغة فيما عيناه تسبران أقصى نقطة بمن يحقّق معه.
الذي عليه في قمّة خوفه وعجزه.. سواء كان متّهماً أو بريئاً أن يوحّد إجابته مهما تقلّب السؤال.
ولأنّي عشت كصفحة بيضاء، بلا أيّ تجربة أو خلفيّة أو حقد تجاه مخلوق، بلا أيّ انتماء رغم إعجابي برموز الثورة الاشتراكية، كانتْ أجوبتي متلعثمة مرتجفة لكنّها حتماً صادقة.
وهكذا بدأ ذهني يتفتّق عن ألف سؤال ولا أجد له إجابة، تتمحور حول العدالة والظلم والجدوى والعبث، وكم استحضرتُ أبي من خلف المسافات لأسأله.. أن يخبرني كيف انتهى الحال بي هنا مع المجرمين طالما التزمتُ بعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي نهاني عنها؟!
ثمّ وجدتني أتجرّأ على السماء، أقف أمامها كندّ أو خصم وأطالبها بأن تشرح لي ما أعجز عن استيعابه، وأبكي في أسري بدمع مالح وغصّة مرّة مستدرّاً عطف الله كصعلوك متمرّد بقهري السافر:
"لو كنتَ موجوداً أرني قدرتك، وأنت الغنيّ عن دعائي تراني ولا أراك!".
كان في ضآلتي وهول قهري وألمي محاولة استفزاز نومه ليصحو، علّ عين رحمته تقع عليّ بين الزحام الذي خلقه وانشغل عنه، وأعرض أمامه تاريخي الطيّب منبتاً وتربية وحتى نيّة كأنه لا يعرفه، ثمّ أذكّره بصفاء سريرتي ومساعدتي للآخرين ومسامحتي لمن أساء وكأنّه ينسى.
وحين لا يأتي منه ردّ ويقابلني بالصّمت أو التجاهل، أصرخ بكلّ عجزي وأركل الجدران.
لا أدري بأيّ لغة كنتُ أجدّف وأكفر في سرّي، هل بلغتي الأمّ أم بلغة البلد المضيف أم من غير لغة؟!
كلّ ما أدريه أنني صرتُ أتلمّس السواد الذي امتدّ على مرآتي الصافية، والخراب الذي طال أفكاري المنضّدة، والسكينة التي خسف أرضها زلزال غير متوقّع.
رغم تشوّش حواسي واختلال توازني أثناء التحقيق المتكرّر كنتُ ألحظ كيف يشدّد المحقق أثناء استجوابي على كلمة الإرهاب، وكنتُ أمام هذا المصطلح الرهيب كصعلوك أو ككائن ضئيل همّه أن يحيا في الظلّ بعيداً عن العنف والأذى ولو عبر الكلمات.
كيف استقام للمحقّق مثلاً أن يساوي بيني وبين من يفجّر نفسه نصرة لفكرة عشّشت في أوهامه حتى صارت حقيقة، وعلى ماذا اعتمد لأكون في نظره إرهابياً!!؟؟
ليته عاش معنا في بيتنا الأشبه بمناخ خطّ الاستواء من حيث الاعتدال، ليته فحص حليب أمي النقيّ الطاهر الذي رضعناه صغاراً ورأى سلام أبي الداخلي الذي حافظ عليه في أشدّ الظروف اضطراباً.
لكنّ المحقّق يثق بالورق أكثر من خرافات قصصي عن بيتنا الهادئ الحنون.. والله وحده يعلم ما كتب ضدّي في هذا الورق، أم لعلّه تشابه أسماء.. كيف لي أن أعلم؟!
كان ألمي في ذلك العمر كحصرمٍ لم تعتّقه شمس التجربة بعد، وحيد في بلاد الصقيع، غنيّ بثقافتها الاشتراكية، ممتلئ بفلسفة لينين وماركس، لكنّ كلّ ذلك الإعجاب لم يشفع لي أمام هويّتي العربية المغضوب عليها.
لا حفظي لأشعار عرّابها الخالد بوشكين ولا صور عظمائها على جدران غرفتي.. جعلت المحقّق يقتنع بصدقي وبراءتي واستنكاري لتهمة ملفّقة.
فنظرته لي لم تتغيّر عبر كلّ جلسات التحقيق، نظرة تعتبرني مجرماً مخرّباً جاء يخلّ بأمن دولة هادئة ويروّج لنشر الإسلام، بل ويربطني بتنظيم أتّبع تعليماته بدقّة موعوداً بالجنان والحوريّات الحسان.
كيف.. ومتى.. وأين وكلّ أدوات الاستفهام التي خطرت ببالي لم أجد لها جواباً يريحني لأعرف جريمتي، وعلى أي أسس بُني هذا الاتهام الذي لا يشبهني؟!
ثمّ بعد سجني لشهور حسبتها دهوراً، اليد التي أدخلتني ذلك الدهليز المظلم المغلق، هي ذاتها أخرجتني منه، دون أن أعلم لماذا دخلتُ وكيف خرجتُ.
الإله الذي جدّفتُ عليه بكلّ جهلي وحزني وعجزي يتولّاني حين تخلّت عني حتى حكومة بلدي، فالسّياسة لا تكترث للأفراد وما يحدث معهم، ومباحثات الدول بين بعضها عامّة وتخصّ مصالح البلدين ولا تعنى بمواطن هنا او هناك، أقُتل أم ظُلم أو حتى انتحر إفلاساً من العدالة؟؟!!
هكذا يتدخّل اللطف الخفيّ، يفتح كوّة في النفق المظلم ويسحبني كشعرة من العجين، وسط ذهولي الذي لبس منذ ذلك اليوم ثوب التُّقى.. وكأنّي أقرّ من خلال زهدي وتصوّفي بأنّي ربما لم أعرف الكبير بعين العقل لكنّي رأيته بعين القلب، حين سُدّتْ سبل الخلاص الدنيويّ وأفلستُ من كلّ حول وقوّة، رأيته يتجلّى لي طاقة فوق الحواس والمعقول، فصرتُ كالممسوس أردّد: هوْ.. هوْ.... وأعذر كلّ مجاذيب العشق الذين أحبّوه لا رغباً ولا رهباً ولكن لأنه أهل لذاك.
هي ليلة لا أنساها.. كنتُ فيها أتكوّر كجنين في رحم ظلمتي، قانطاً من أيّ فرج محتمل، سمعتُ حارس المهجع ينادي باسمي فنهضتُ مفزوعاً إلى مصيري، لكنّه لم يأخذني لغرفة التحقيق بل لمدير السجن الذي أعاد لي هاتفي المحمول وما كان في جيوبي من بطاقات ومال ومفاتيح، وختم ورقة إخلاء السبيل مع صكّ براءتي من أيّ جرم دون أيّ توضيح!
فخرجتُ مذهولاً غير مصدّق أنّي حقّاً استعدتُ حرّيتي، مع نتيجة توصّلتُ لها بعد هذه التجربة المريرة في عمر لم يزل غضّاً أن لا حرية مطلقة أو دائمة، ورحتُ أستشعر في ضعفي قوّة، وفي ادّعاء معرفتي جهل، وضاعتْ مني كلّ التعريفات بين الأضداد كالإيمان والكفر، لكنّ مرحلة جديدة بدأتْ في حياتي، لعلّها الرؤية بعد عمىً، أنّ الوجود الذي نجهل كلّ شيء عنه قد يسكن قلوبنا دون أن تعنيه ثرثراتنا بين تأييد واعتراض، وأنّ فركة أذن صغيرة قد تكون إشارة منه لنكون حيث يجب أن نكون.. بآدميّتنا الحقّة.
حينها صار همّي استدراك ما فاتني لإكمال رسالة التخرّج والعودة إلى بلدي، مع فارق واضح بين ما كنته قبل هذه التجربة المريرة وما صرتُ عليه...
"فكلّ خبرة هي ولادة جديدة، وما الحياة الحقّة إلّا حيّة، تسلخ جلدها كلما أعاق نمو باطنها".


"٤"

عدتُ إلى وطني حاملاً شهادة تخرّجي كفنّان ممتلئاً بالنعمة والغبطة، ليس ابتهاجاً بتحصيلي العلميّ فقط، وإنما ليقيني حينها أنّ الله كان معي وعبر بي وحيداً ضيق المعبر وظلمته وقوّاني لأتجاوز محنتي، وهنا المفارقة الطريفة لشابّ عائد من بلد علمانيّ، آخر همّ سكّانه أمور الغيب والسماء؟!
غادرتُ تلك البلاد الجميلة التي أحببتها بكلّ معالمها الحضارية ولفتاتها الإنسانية، والتي طالما تمنّيتُ أن تكون مستقرّي ما بقي من عمري قبل الظلم الذي لحق بي فيها، حيث صار همّي أن أعود للوطن، لأنه ظلّ يعني لي دفء أهلي وحارتي وذكرياتِ طفولتي، وما كنتُ أعلم أن الوطن ما عاد وطناً إلا وأنا أرى صور الدمار في طريق عودتي من المطار للعاصمة ثم من العاصمة لبلدتي.
أحياء بأكملها صارتْ أكوام حجارة وساوتِ الأرض، جفّتْ دماء قاطنيها وخفت عويل نسائها وصراخ أطفالها حتى تلاشى، وأنا أسأل سائق السيارة أسئلة متلاحقة ثمّ لا أصغي لأجوبته التي لا تطفئ احتراق روحي، لم يكن يعنيني في تلك اللحظة من الظالم ومن المظلوم، من الجاني ومن المجني عليه، فالحرب بنت كلب وطاحون تطحن الكلّ برحاها والكلّ في النهاية قشّ تذروه الرياح، وحده من يتاجر حتى بلقمة عيش هذا الشعب المسكين يفوز ببرِّها ويتنعّم بتبرِها!
بقيتُ زمناً بعد خروجي من السجن الذي رأيته إعجازاً إلهياً أعيش بإحساس الوصل مع الله، حيثما خطوتُ وكيفما نطقتُ أو استمعتُ ألقى إشارة منه، يخاطبني بها على لسان البشر وينطق بها حتى الحجر، فإذا غفوتُ لاحقتني الرؤى والكشوفاتُ، وأنا بين سعادة الكشف وثقل الحقيقة، ووهم خصوصيّتي بعين الله، خاصة حين تتحقّق الرؤيا بحرفيّتها أو أتنبّأ بأمر ويحدث، وأنا وسط دهشتي وذهولي التي مهما برع العقل في التحليل لا يجد جواباً منطقياً أو علمياً لها.
ولطالما حاولتُ أن أقصّ بعد عودتي لأرض الوطن طرفاً مما يحدث معي لأهلي أو لأصدقائي فيتلعثم لساني وتقصر الكلمات عن ترجمة هول الحقيقة التي كنتُ أراها بل وألمسها، ويزيد ألمي أن يقابل احتراقي بالبرود أو اللا مبالاة، حينها أنكفئ من جديد على نفسي وأندم على البوح، وأعود لأحيا سرّانية التجربة واجداً لهم ألف عذر، متيقّناً أن طريقي لي وحدي، وتجربتي لا تخصّ سواي.
ثم بدأتُ أميل للصمت لعجزي عن إيصال ما أراه، ولي من عبارة النفريّ مستنداً أتّكئ عليه:
"كلما اتّسعتِ الرؤية ضاقتِ العبارة"
خاصّة وأن البلد كانتْ لا تزال تحت وطأة الحرب وتداعياتها، والناس تشكو العوز في أبسط متطلّبات الحياة ولا تعنيها الغيبيات أمام غياب حقوقها الإنسانية، وكنتُ ألمح حتى في صمتي نظراتِ الشفقة في عيون أقرب الناس لي وأحيانا قد تصل للاستنكار، فقد كنتُ أبدو لهم منسلخاً عن الواقع غير متوازن، مهووساً بالما ورائيات، حيث لكلّ أمر ولو كان تافهاً غاية، بينما كان عليّ أن أنظر للأرض لا للسماء، وأرى ما يمكن أن أفعله لي ولأسرتي للمساعدة في تدبّر أمور المعيشة.
بعد مدّة قصيرة بحساب الزمن، طويلة بكثافة ما اختبرتُ، أرهقني الحال الذي وجدتُ نفسي عالقاً به كأنه برزخ بين الأرض والسماء، خاصّة أني صرت أحيا في مدارات كشفي أكثر مما أحيا مع حواسي وتفاصيل حياتي.. وكأنني شبح، أؤوّل رؤاي على هواي، وأعتمد عليها في الكثير من قراراتي أو انطباعاتي بعقل يجيد الربط بطريقة مذهلة.
وكثيراً ما كنتُ أقف عند سؤال لا أدري إن كنتُ أسأله لنفسي أم هي من تفعل:
"هل أنا أجذب الرؤى لأني أدمنتُ الدهشة والذهول الذي أحياه ولا أفهمه؟! أم الرؤى تجذبني إليها لشفافية هالتي الأثيريّة ولأنها رأت كم لديّ استعداد واحتراق لخرق السبع الطِّباق على براق الشوق، حيث لكلّ منا إسراؤه ومعراجه؟!"
ثم في لحظة قوّة قرّرتُ أن أغادر مدار الرؤى رغم جماليّته وأعود للأرض، وذلك أمرّ عجز عنه الكثيرون ممن صارتِ الكشوفات دليلهم ومنهجهم والرسالة الأصدق لترجمتها لواقع وسلوك.
بإرادتي الحرّة قلت للرؤى وداعاً جدي لك غرّاً غيري، فكلّ ما رأيتُه لم يزدني إلا جهلاً بالكون والوجود والخالق، لكن شتّان بين ما قبل الاختبار وما بعده.
وتزامن قراري هذا مع انشغالي بتدريس مادة الفنون في إحدى مدارس بلدتي، ثمّ بتأسيس مرسمي الخاصّ ودخولي الحياة العمليّة من أنظف أبوابها.. باب الفنّ.
وعدتُ لأحيا بشكل طبيعيّ متصالحاً مع بشريّتي بكلّ ما فيها من نزوات وأخطاء، متحفّظاً عن البوح باستنتاجاتي بعد رحلتي وتفاصيل وصولاتي مع العرفان، خشية أن تصبح كتاباتي هنا مَعْلماً يمضي على أثره سواي، فمن أنا لأقطع أو أبتّ بأمر الغيب مهما عظُمتْ خبرتي الروحيّة فيه!
نسيتُ او تناسيتُ سنواتِ الألم والتيه، وامتلأتُ بيقين أن الحياة التي تعتبرني ابنها لا تريد مني الا أن أكون بارّاً بها محقّقاً لإنسانيّتي ما استطعت لذلك سبيلاً، وأنه اذا كان لي رسالة يجب عليّ أداؤها فستكون عبر الفنّ دون وصاية او إملاء من مخلوق، فالفنون هي مرآة الحياة الأسمى والأصدق وعبرها نخلق عالماً موازياً حين نعجز أن نحياه في ضيق الواقع.
وهكذا أفرغتُ ذهني من الماضي لأحيا ألق واندفاع اللحظة غافلاً عما سيأتي ناسياً ما قد مضى، ورحتُ أهيّئ مرسمي وفق الظروف المتاحة كما أحلم به، في بلدتي الهادئة التي بقيتْ طوال فترة الحرب تحرص على أن تظلّ وحدة أطياف في وجه المدّ الطائفيّ وتمادي الفساد.
وقد كانتْ بطولة فعلاً آنذاك ان يحافظ أحدنا على توازنه أمام اندحار القيم الإنسانية في حرب قتلتْ كلّ ما هو سام وجميل ، لكنّه كان الخيار الأصعب، فإما الانسياق مع التيار المودي للإفلاس المعنويّ والماديّ، وإما التشبّث لآخر لحظة بقيمتنا كبشر لا "كقطيع" او "كوحوش".

يتبع...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى