إبراهيم محمود - أنا الأسد ملِك الغابة... قصة

سُئلتُ ذات مرة، بيني وبين نفسي، لو طلِب مني أن أتحول إلى كائن آخر، ماالذي سأختار، كان جوابي دون تردد: أن أكون أسداً!أسد أسد... إنه ملِك الغابة.
لعِلم من يريد أن يعلم، ليس تأكيدي عليه، حباً بالظهور أو الزعامة، وإنما لأن الأسد لا بيت محدداً له، فعرينه حيثما كان واستقر في الطبيعة، فهو واضح ولا يغيّر لونه، أو يخفض صوته.
ماذا يعني هذا التحول؟ أضحك هنا" أضحك طويلاً في سرّي، لأن هناك تصنيفاً للتحول: النسخ، من إنسان إلى إنسان، أما التالي، وهو معنى سلبي: المسخ، تحول إنسان إلى حيوان، لأن الرتبة متدنية. أذكّر بهذا الصدد، أن هناك ممن يتباهون بإنسان " سيد الطبيعة، كما هو مزعوم " أنه لا يجوز تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق، كما يتردد ذلك بألسنة فلاسفة اليونان، دون أن يفقه هؤلاء مدلول الحيوان هنا، وفي الوقت الذي يمكنني التأكيد أنه توجد حيوانات كثيرة، أرشق قوماً، وأكثر تنظيماً لحياتها من الإنسان، وحتى أكثر جمالاً ، والأسد مثال حي هنا.
لا يهمني قول الزاعم بالمسوخية، جرّاء جهل مستطير فيه، فلي رأي آخر، ولهذا تحولت إلى أسد، وقبِلتُ أسداً.. يا لفرحتي!
أشير هنا إلى أن جماعة الأسود التي التقيت بها، مارست حركة لولبية لرؤوسها وهي تلمحني عن بُعد، وراقبت حركاتي، ومارست شمشمة، وكأنها تتفحصني، وتتأكد من أنني أنتمي إلى فصيلتها.
لم ترحّب بي، كما هو متوقع، أو كما قدَّرتُ أنا بحساباتي الخاصة، ذلك من حقها، إنما بقيتْ لبعض الوقت وهي تركّز بأنظارها علي، وأفسِحَ في المجال لي لأكون بينها، وهي تتمسح بي، وتمسحتُ بها، كما هو العناق والاحتضان بيننا...
كان هناك ذكور وإناث، وعيونها لا تفارقني. لا بد أنها تحصي كل شيء فيّ، لتتأكد من أنني أنتمي إليها حقاً.
يا لهيبتها ورهبتها، بأحجامها وأشكالها ونظراتها الهادئة والعميقة. تُرى، ألمْ أورط نفسي في اختيار كهذا؟ ألم أكن متسرعاً، واستجابة لحالة نفسية، كما يحدث ذلك كثيراً في أقوالنا وأفعالنا؟
غير أنني حاولت ضبط نفسي. لم يعد في الإمكان الانسحاب، أو الاعتذار. هل يمكن المزاح مع الأسود؟
كنت أسداً بلبدة دائرية، وجسم كبير، وهيئة معتبَرة، لا بد أنها كانت وراء اهتمامها بي. تصوروا لو أنني كنت أصغر من ذلك، لو أنني وئيد الخطى. أكانت تدعني وشأني يا تُرى ؟
لقد سمحت لي أن أقيم معها، أن أشاركها طعامها في ذلك اليوم حتى اليوم التالي.
كان علي أن أستعد لاختبار الانتساب، كما يظهر، أن أتأهل أسدياً، من خلال نظراتها علي.
ثمة لبوات توددت إلي. هناك أسود ذكور، كانت ترمقني جانبياً، كأنها تراقب تحركاتي، وسلوكي معها.
كنت أعرف بغريزتي الأسدية المستجدة، أن عليَّ الظهور حسنَ التصرف، جهة التزامي بالمعايير القائمة..لاطفتُ لبوة في أوان طلعتها، ولم أعر انتباهاً إلى بقية اللبوات، وهي التي كانت تمارس مسحاً للمكان كعادتها، إنما دون أن تغفل عني، إلى جانب ذكور في الجوار..
كان ثمة أسد ذكر يتقرب من لبوة على مسافة أمتار، وهذه كانت تلتفت إلي بين الحينة والأخرى، وكذلك الأسد الذكر. قلت في نفسي، لماذا احتكار اللبوات كلها لي.. لتكن العلاقة أكثر مرونة وحميمية، أكثر مما هو معتاد بينها.
كان ذلك الخرق الأول لقاعدة التعامل القائمة:
أن يكون هناك أسد مسيطر ويتزعم القطيع، وهو يتميز بقوة تسمح له بالحيلولة دون إخلال بالعلاقة هذه.
هزت رؤوسها، إناثاً وذكوراً، وهي تتبادل النظرات، وتنظر في اتجاهي، لم تكن مريحة. هكذا قدَّرت.
تالياً، رأيت قطيع بقر، اشتهيت مطارة بقرة فيه، لأظهِر للأسود قوتي وخفة حركتي.. فكانت المباغتة، حين انطلقت، لكن سرعتي لم تمكنّي من أي بقرة أو حتى عجل في شهوره الأولى.
لقد تسرّعت، وقبل ذلك، والأهم، أنه كان علي أن ألازم المكان، فثمة إناث هي الأقدر على ذلك.
لقد جرى الخرق الثاني.
شعرت بتذمر ملحوظ في حركات الأسود، وهي تنظر إلي شذراً.
مر قطيع بقر في الجوار، ضبطت نفسي، منتظراً من يقوم بالمهمة. انطلقت لبوة بسرعة البرق، وتمكنت من الوثب على بقرة سمينة، وألقتها أرضاً، وانتظرت ما يجب القيام به.
في الحالة هذه، يتقدم الذكر الأكثر قوة، لينال كفايته من اللحم، ويتنحى جانباً، مخلياً المكان للبقية.
لكنني، حين اقتربت، لم أبدأ بالتهام اللحم مباشرة، كنت أنظر إلى الأسود التي وقفت على مقربة. اشتهيتُ الوليمة جماعية، وتباطأتُ، وأنا أشعر أن العيون اتسعت أكثر من ذي قبل، وهي ناظرة إلي.
لقد جرى الخرق الثالث.
تبيّن لي ذلك، إنما بعد فوات الأوان، ولأنني لم أجد في نفسي ذلك الدافع الأسدي، في التكيف الذي يكسِب رضاها.
وجدتني محاطاً بحلقة الأسود، يتقدمها الأكبر بينها، قدَّرت أن في الأمر خطباً جللاً، وقد خططتُ للانسحاب كلياً.
-إلى أين أنت ماض، يا ابن آدم؟
قالها كبيرها، وهو يلوح ببراثنه!
تلعثمت، ثم حاولت لملمة قواي، فما زلت أشعرني أسداً بصورة ما:
-سأخرج من هنا، لئلا أزعجكم.
أومأ الكبير برأسه لكي أقف حيث يكون. برزت أنيابه علامة : احذر التحرك دون إشارة منا.
كانت الأسود تنظر إلي، وتتبادل النظرات فيما بينها، وهي تنتظر الأسد الكبير، وما يمكنه قوله.
لقد كانت محاكمة:
منذ أن رأيناك، قدَّرنا أنك لن تستطيع التحول إلى أسد. تلك مشكلتكم الكبرى أيها البشر. أنتم معروفون بغروركم الكبير، ترفعون أصواتكم، وتطلبون ما لا قدرة لكم على بلوغه،وتبالغون في تقدير قواكم، وتعظيم شأنكم. ولم يحصل أن تمكنتم من إيجاد حل يستحق الذكر لمشاكلكم، فتبلون الآخرين، منا نحن التي تعتبروننا كائنات عجماوات" حيوانات بتعبيركم" بمشاكل تزداد مع الزمن، وأنتم تروننا أدنى مرتبة منكم.اخترت أن تكون أسداً. هكذا ببساطة، أيها الحيوان العاري الشعر! ذلك سببه تفاخركم باسمكم وجرثومتكم البشرية. لو اخترت أن تكون ابن آوى، ربما كان مقبولاً أكثر، للتفكير وقابلية التكيف. غضضنا الطرف عنك، وتغابينا، لنرى إلى أين تمضي بنا. أردت منذ البداية أن تخل بمعايير علاقاتنا نحن الأسود، يعني أنك لم تستطع التجرر من جرثومتك.. وفشلت تماماً. وفوق هذا وذاك، تريد أن تنسحب كما تريد، ودون أن تعطي اعتباراً لنا..يعني أنكم لا تبالون بتبعات أفعالكم..
قلت بصوت منخفض، وأنا في موقف لا يُحسَد عليه:
نعم، نعم، ولهذا أردت الانسحاب، اعترافاً مني بفشلي.
رفع الأسد الكبير إحدى قائمتيه الأماميتين، وهو يزأر قليلاً:
دخولك إلينا غير خروجك من بيننا..ولن نسمح لمن أراد دخول مجتمعنا برغبته، وأساء التصرف، أن يخرج برغبته، يجب أن تحاسَب على قرارك وتبعات قرارك.. لا بد من تطبيق القانون الخاص بنا. ثم رفع قائمته الأمامية تلك أكثر وهو يقترب مني مرفقاً بزئيره ذي الصدى..
يا له من حلم رهيب !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى