ضحى أحمد الباسوسي - كنتُ إنسانًا... ثم نسيتُ كيف يكون ذلك.

في البدء، كنتُ أفتحُ عينيّ على ضوءٍ يشبه وعد الفجر، وكانت الحياة تهمس لي كما تفعل الأم حين توقظ طفلها لحلم جديد، قلبي كان عصفورًا يختبئ بين أزهار الأمل، يغرد في حضن الريح، وكانت روحي تتقافز بين الأمنيات كفراشة لا تعرف غير اللهو في حدائق الضوء.

لكن الزمن... الزمن لصٌ محترف، سرقني من بين يديّ دون أن أشعر.
صرت أفتح عينيّ لا لأرى، بل لأتحقق إن كنتُ ما زلت أتنفّس، رغم أن أنفاسي باتت تشبه ركام الريح حين تعبر بيتًا مهجورًا.

تحوّلتُ إلى ظلٍ بلا جسد، إلى غبارٍ يخجل أن يستقر، إلى نبضٍ بلا قلب، لا سلام في هذا السكون، بل هو سكون مقبرة طُمست معالمها ونسيت الأسماء المنقوشة على شواهدها،وصمتي؟ صمتي ليس هدوءاً، بل هجرة مفاجئة لكل الحروف من لغتي، كأنّ الحبال الصوتية قد عُقدت في طقس حداد لا ينتهي.
وصرت أُتقن فن التظاهر... تظاهر الحياة، تظاهر السعادة، تظاهر "أنني بخير".
لكنّ الحقيقة؟
أنا دون روح، يلفّني صمتٌ هشّ اسمه "النجاة اليومية".
أعيش بين الناس كتمثالٍ أُحسن تقليد الوجود، أبتسم بوجهٍ لا يسكنه شيء، أجيب كما تفعل الأجهزة المُعدّة مسبقًا، وأمرّ على الأيام كما تمرّ الريح فوق ماء راكد لا يضطرب.

في داخلي رجلٌ جلس منذ زمنٍ طويلٍ في ركنٍ مظلم من ذاتي، تخلّى عن الكلام، تخلّى عن الرجاء، وتوقّف عن عدّ الفصول، يمرّ الناس من حوله، يتفقدونه بكلماتٍ جوفاء، يرشقونه بعواطف جاهزة، لكنه لا يرفع رأسه، عيناه مغروزتان في جرحٍ لا يُرى، سقط فيه ذات ألمٍ... ولم يصعد منذ ذلك اليوم.

صرت أُجيد الاختفاء داخل جلدي، أُجيد أن أكون موجودًا جسديًا فقط، بينما تنسلّ روحي من بين ضلوعي كالماء من غربالٍ مثقوب، أُجيد فن الموت البطيء، ذاك الذي لا يحتاج إلى نعي، بل يكفيه أن تُقال جملة: "أنت تبدو بخير."

أتساءل كثيراً:
هل هذا أنا؟
أم أنني فقدتني حين كنت أركض وراء أحلامٍ لم تعد تخصّني؟
هل سمع أحدٌ صرخةً لم أطلقها؟
هل لمح أحدٌ خوفي حين قلت إنني قوية؟
هل شعر أحدٌ أنني تلاشيْت؟
تمامًا كما تتلاشى القصص التي تُولد ولا تُقرأ.

ربما سأبقى هكذا...
إلى أن يزهر داخلي حنينٌ ما، أو إلى أن أنسى كلياً أنني كنتُ، يوماً، إنساناً يضحك، يهتم، ويساعد من قلبه، لا من ذاكرة الصور...

بقلم: ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى