كانت الليالي العتيقة مكتوبةً على كلِّ ورقةٍ من أوراقها...؛ ليالي الألم الصامتِ والفرحِ المنتظر لمعنى يكبر داخلَ أمعاء الكون. شجرة صمدت بوجه ِ حفيف ِ الاكتئاب الذي كنتُ أنحته على جذعِها وبين أليافِها...!
أذكرُ الآن ليلةً كأنَّها ليلةُ قدرٍ لعاشقٍ لا يملّ من التذاذِه برؤيةِ حبيبته، لذته بها كألفِ لذةٍ مما يعرفون...؛ هي ليلة السابعِ والعشرين من آذار عام ٢٠١٦م، الليلة التي صمتَ فيها القَمرُ، وتحدًّثَت أوراقُ الشَّجرةِ من حفيف ِ الهواء الذي حَرَّك جسدَ حبيبتي الشهواني المُقَدَّس...! حرَّكه ليتحدَّث بصوتِ الصمتِ، بلغةِ الشَّهوةِ التي تكتب المعنى بشبقِ العيونِ حين تلتقي وهي تقذف ماءها كاملا.
تَحدَّث جسدها وتحدَّث حتى كاد أن يُحييَ العظامَ من الجدث، قال لي:
حين هدأ الكونُ، وتنفّست الشَّجرةُ امتزجَ الدفء والجنس والجنون، بالفكر الحنون ومنطقٍ كالنون...، جلسَ المختار أمامي بعينين مدهشتين، حدّثني عَمَّن أمرنا بالصمتِ حين لا نجد ما نتحدّث عنه، عن فيلسوفِ اللغةِ المدهشِ جبرائيل، قال وهو يبتسم حتى بدت نواجذه:
[لنتحدث عن الصمت، عمَّا لا نستطيع أن نتكلم عنه، عن صمتِنا المكتمل الذي يُشبه لذةَ اندفاق الحبر الأخير في العلبة...]
أملتُ رأسي إلى كتفِ المختار، وغطى شعري نهارَ وجهِه فأشرقتُ به، وظللتُ أسمعه بعاطفةٍ شاهدةٍ، ومنطقٍ غائبٍ بحضوره، كلعبة لغوية بديعة:
فهمسَ المختار واستدار:
[شَعركِ يَهمسُ بالشِعر، وشِعرك صمتٌ كصمتِ السَّاحر الذي استقلّ عن عزبةِ الجِنّ، كصمتِ الموسيقيّ الذي طُرِدَ من مملكة الصوت، كصمت فيزيائي يشرح الخيارات وهي معلقة في فضاء لا وجود له، كصمتِ فِراش زوجات الأنبياء الذي يقلق مضجع فيلسوف اللغة جبرائيل.]
قلتُ له:
أتخالف جبرائيل وهو يُشاركنا الشجرةَ المروجيّة، الشجرةَ التي أحلنا عليها كلَّ أفكارِ الحب ومقولاته؟
قال لي:
لا يهم ذلك يا سيدةً كُتِبَت سيادتُها على آثارِ زجاجٍ متكسر؛ لا يهم أنتخالف أم نتوافق!؛ المهم أنَّ الصمتَ والحديثَ وجهان لعملةٍ واحدة، فما لا يُقال أحيانًا أعمق مما يُقال.
جبرائيل لم يكن عاشقًا للشجرة، كان فيلسوفًا يريد أن يُضاجع الشجرة لتنطق باللغةِ الأخيرة، وتقول:
لا تدفعوا كلماتكم حين يكون المقابل بلا معنى. لا تسموا الأشياء إلا إذا استطعتم أن تضاجعوها وتحسوا بلذة وجودها العقلي.
.
.
.
ابتسمتُ لحديثكِ، واندفقت لذةٌ غير مفهومة...، أدرتُ مفتاح السيارة واتجهنا إلى شاليه الممرات الأولى، واغتسلنا بحوضِ السباحة بعد أن غادر جبرائيل من حديثنا ونحن نقفز إلى المسبح.