إبراهيم محمود - ضبْع... قصة

جاورتُه لبعض الوقت، حيث تعرفت على بعض من عالمه عن قرْب. لم يسمح لي أن أكون ملاصقاً له. نبّهني إلى ضرورة الحفاظ على مسافة الأمان بيننا، وهو يردد على مسمعي:
-أنتم جنس لستم محل ثقة، لا أكثر مما تقولونه، وتمارسون خلافه.
التزمتُ بالحدود التي رسمها فيما بيننا، إنما بعد مضيّ زمن، بدا أنه يختبرني. لم ألمْه، لأنني أنا الذي أردت ذلك، أنا الذي عرضت عليه فكرة أن تكون بيننا علاقة جيرة، وتجاوب بعد تردد.
لا يمكنني أن أنسى الكثير مما يعرَف به هو النوع الحيواني، ومدى إخلاصه لحقيقته التي لم يرد الحديث عنها إلا باقتضاب، وهو لا يخفي انزعاجه.
سألته عن اسمه ولماذا هو بهذا الاسم!
باعد ما بين فكيّه" أتراه كشَّر عن أنيابه من باب الضيق؟" ورد وهو يهز رأسه:
لا علاقة لنا بهذا الاسم. أنتم، كما هو معروف عنكم، تحبون إطلاق الأسماء التي تخصكم علينا. تفصلون فيما بيننا، وتعبّرون بذلك عن ضعفكم. تراني ضبعاً. هذا الاسم ملحق بي، ولا صلة لي ولا أي منا به، لأننا لا نحتاج لأن نحمل اسماً، ونعرَف به، كما هو وضعكم. نحن الحيوانات" الضواري وغيرها " ننتمي إلى عالم واحد، وعلاقاتنا تميّزنا، لكل منا حدوده، ونحن لا نتنازع أو نتصارع أو يفترس أحدنا الآخر، كما تزعمون.. إنها لعبة الطبيعة بالذات .
وهذه الرائحة ؟
ستقول: إنها رائحة منفّرة ، أليس كذلك؟ قالها مع هزة من رأسه. إنها تسميتكم لها. تسمونها رائحة" كذا " ونحن، كما هو اسمنا، نعيش ما يصدر عنا، مذ كنا، وبكل ما يخصنا نلتزم به.
ثم أردف قائلاً: وأنتم لا تكفون عن بخ أجسامكم بالعطور.. أليس لأنكم تخافون من رائحتكم، حتى فيما بينكم؟ كما هي ملابسكم. تتعطرون لتتقربروا من بعضكم بعضاً، وتخفون حقيقة رائحكتم..
والأنياب القاطعة؟ قلتها وأنا أشير إلى فكيه!
هذه أيضاً بدعتكم! قالها، وقد بدا وكأنه يسخر مما قلت. نحن خلافكم أيها الضعاف. ألا ترى كم هي أحجامنا صغيرة، ورغم لنا نكون محل خشية الآخرين، وحتى الأكبر حجماً، والأبرز قوة. تاريخنا العريق محفور في أنيابنا، فضل استمرارنا وهيبتنا يعود إليها. وأنتم ماذا تملكون؟ كل شيء يكون مصطنعاً.. هل جرَّبتوا أن تكونوا كما أنتم، لتعرفوا مدى ضعفكم عراة ؟!
يعجبني هذا التوحد فيما بينكم!
قلتها، ليس لأنني أردت إرضاءه، وإنما للتعبير عن تقدير..
هز رأسه وقال: وهذه صفة تتوقف علينا كثيراً. لا نسمح لأي كان أن يعتدي على أي منا.. إنما نحاول إبعاد خطره عنا، دون حساب للنتائج، ونحن نجتمع معاً وننطلق معاً، هل لديكم رابطة كهذه؟ هل تصرفتم ذات مرة مثلنا، وأنتم تنالون من بعضكم بعضاً؟!
كان في الذي أعلمني به ضبع من الضباع، الكثير مما قرّبني من نفسي، وشدني إلى عالمه.
ذات مرة، وأنا أتابعه بين أفراد جماعته، وعيناه علي، حاولت الاقتراب ولو قليلاً، لأن رغبة رؤية ما يجري عن قرب، دفعت بي إلى ذلك، ودون أن أفكّر بالذي حذّرني منه.
توقفت فجأة، لا بل وتراجعت إلى الوراء، حين كشَّر عن أنيابه، وثبَّت ناظريه علي !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى