الفصل الثالث
توأم الروح
"١"
جاءتْ ريتا إلى مرسمي ذات نيسان دون موعد مسبق..
هلّتْ كنسمة ربيعية وكرفيف الفراشات في محفل النور وكانبثاق الينبوع رسولاً للنماء.
انتظرتْ ريثما تفرّغتُ لها وانتهيتُ من مروري على كلّ طلّاب دورة الرسم المسائية، لإعطائهم ملاحظاتي المبدئية والمباشرة برسم ما اخترتُه لهم ذلك المساء.
كنتُ أظنّها جاءتْ برفقة أحد أعضاء الدورة، فدعوتها بلطف للجلوس، ولم يخطر ببالي أبداً أن تلك الأمسية ستكون فيصلاً في حياتي وتاريخاً لا ينسى.
"ريتا"..... قدّمتْ لي نفسها بابتسامة عذبة وحياء آسر، فإذا بي أرنّمه في سرّي كأنّه تعويذة أو مانترا تكنس من الذاكرة العلائق والعوالق ليبقى معناه شعشعان ألق.
ومعناه عندي، تلك السنين المتأجّجة التي كان فيها محمود درويش نبيّ الثورة الأوحد،
"أنا أحمد العربي فليأت الحصار.. وأنا حدود النار".
سألتُها بعينيّ: هل كلّ ريتا تُختصر مثلك ومثل ريتا درويش "بإلهٍ في العيون العسليّة؟!"
لكنّ عينيها بأهدابها المسبلة لم تحر جواباً.
للأسماء سحر وسرّ
فإن قلنا ريتا حضر محمود درويش وإن قلنا مالينا تثنّت مونيكا ببلوتشي، وإن ذُكرتْ كوزيت حضر ربّ البؤساء.. فيكتور هيجو.
لا أحد يعرف كيف ولمَ يُختصر المبدع باسم رغم غزارة أعماله، أو كيف يخلّده اسم في ذاكرة الجمع لأجيال!
وفيما كنتُ غارقاً في غبطة تداعياتي، كانتْ ريتا تلملم ارتباكها لتشرح لي سبب زيارتها لمرسمي..
أما القدر فكان يحيك على مهل فتحاً جديداً بقصّة حبّ قلبتْ كياني وأولوياتي وأفكاري وتركتني نهب رياحها هباءً منثوراً.
ومن يدري.......
لعلّه سطّر خطوطها مذ كنّا في ضمير الغيب فكرة.
البحث عن أجوبة لأسئلة مراوغة مشاكسة تضييع للفرص ولفتنة اللحظة.
وأنا كنتُ في تلك اللحظة بالذات تحت سطوة فتنة اسمها وعينيها.... ريتا.
بادرتُها قائلاً:
- أشعر أني أعرفك، وجهك أليف جدّاً بالنسبة لي، أكيد تقابلنا من قبل.. ولكن أين.. أين؟؟
أجابتْ بحياء:
- لا أظنّ.. فأنا لستُ من سكّان هذه المنطقة، لقد اضطررتُ وأهلي للهجرة من مدينتنا وتركنا منزلنا بكلّ ما فيه في صباح ماطر عقب احتجاز دام لأسابيع وتحت نيران القصف التي لا يمكن ان تخمّن أكانتْ نيران عدوّ أم صديق! في وقت تختلط فيه الأوراق ولا جهة تتولّى نصرتك كفرد من سواد هذا الشعب، وبحثنا عن أكثر منطقة آمنة.. فقادنا حظّنا الطيّب لهذه البلدة الهادئة".
أبديتُ أسفي الشديد وحزني للحال الذي شمل الكثير من العائلات في ظلّ حرب لا ترحم..
قاطعتِ المشهد الدرامي الذي كان على وشك التحكّم بمشاعرنا معاً، بأن أخرجتْ بعناية من كيس كبير تحمله لوحتين مرسومتين على قماش أبيض بدون إطار وضعتهما على المنضدة وهي تقول:
"هل أطمح أن تعرض لي هاتين اللوحتين للبيع.. لا أعرف لمن اتّجه بطلب كهذا، وقد اقترحتْ عليّ صديقة عزيزة أن أقصد مرسمك لعلّ لوحاتي تنال حظّ عرضها للبيع عندك".
تأمّلتُ كلّ لوحة على حدة باستغراق وطفتْ على وجهي سعادة غير مصطنعة، أحسستُ بأن الألوان أضواء تغمرني بالنشوة وتناهى لسمعي لحن موغل في القدم ينبعث من تناغمها معاً ورأيتُ كأنّ الخطوط فيهما لغة سماويّة التكوين قابلة رغم بساطتها لفسحة التأويل.
أيقظني صوتها العذب من استغراقي، ولا أدري إن كانتْ قد لاحظتْ لمعان عينيّ أمام إبداعها:
- هل أعجبك رسمي.. وهل آمل خيراً بشأن البيع؟!
لم يكن الظرف مناسباً لأخبرها ما فعلته بي لوحتاها، أو بتعبير أصدق وأدقّ.. روحها، إذ كان عليّ أن أعود لطلّابي وأتابع ما رسمه كلّ منهم.
لذلك طلبتُ منها أن تترك اللوحتين وتمّر عليّ لنتحدّث بذلك الأمر في وقت اتّفقنا عليه يناسب كلينا، ثمّ ودّعتها وأنا لا أزال في حالة من السُّكر والذهول.. وكأنّي أودّع روحي.
قضيتُ تلك الليلة أفكّر بريتا، أستحضر ملامحها القريبة الأليفة، أحاول أن أفهم ما حدث لي من لقاء عابر لا يتجاوز عشر دقائق مع أنثى لا أعرف عنها إلا رؤوس أقلام لا تكفي للحكم عليها أو التعلّق بها!
ثمّ ما يدريني إن كانت متزوجة.. مخطوبة.. أو مرتبطة بعلاقة حبّ!
وسألتُ نفسي وأنا أهوّم مع طيفها أهذا ما يدعونه صعقة الحبّ، وهل تحدث هذه الصعقة في عمر كعمري، بعد أن ولّى عمر الرغبات المتأجّجة وأحلام اليقظة في سنين المراهقة؟!
في قلبي غليان لا يصغي لمنطق عقلي واضطرابي يزيد كلما تذكّرتُ ما أراه في أحلامي منذ سنوات.. امرأة تلازمني كظلّ أبيض بلا ملامح.. ضبابيّة الحضور، تضمّني في ضعفي أو تنتشلني من ضيق، تظهر فجأة وتغيب بغرابة حضورها كإلهة جميلة.
قلبي يقول أن ريتا هي امرأة الحلم.. حبيبتي وقدري المكتوب، وعقلي كالعادة يعارض جنونه وهلوساته، ويسخر من أحوال الفنّانين وشطحهم غير المعقول.
ما الذي يحدث لي.. لم أكن أدري!
فخلال سنوات اغترابي صادفتُ وصادقتُ فتيات بأشكال وأفكار متنوعة، لكن لم تعلق ولا واحدة منهنّ بقلبي ولا خفق شوقاً لرؤياها أو لوعة لفراقها، وكلهنّ عبرن حياتي بخفّة دون أثر.
كما أنّ مرسمي بعد عودتي كان مفتوحاً للرائح والغادي، ويتردّد عليه يومياً الكثير من الوجوه من مختلف الأعمار.. وللفتيات حضور عالٍ ودائم فيه، إمّا للتدريب أو للمشاركة في المعارض التي أقيمها، أو لزيارة تلك المعارض وأحياناً لمرافقة أخ أو ابن أو صديق، لكن لم يحصل أبداً أن فُتنتُ أو جذبتني إحداهنّ بشكل ملفت كما فعلتْ ريتا.
عشتُ عمري يستهويني الجمال بكلّ تجلّياته وأتعبّد في محراب الجمال الطبيعي ومحاولات الإنسان عبر الفنون والآداب خلق عالم موازٍ له، وكثيراً ما كنت أتأمل جمال المرأة بهالتها النورانيّة وتضاريس تكوينها وكأنني أمام لوحة ساحرة لا تنازعني في تأمّلي شهوة أو رغبة بالتملّك ولم يحدث مرّة أن تعلّقتُ أو أحسستُ بأنثى على أنها مرآة روحي تتجلّى أناي بها رغم أنها كينونة مستقلّة بذاتها.
وكلّ النساء العاريات في لوحاتي كنّ مقدّسات في عيني ولم أقصد بعريهنّ إلا الوجه السافر للخلق قبل التشويه والتجميل، وكلّ منهنّ عشتار أو إيزيس أو فينوس.. تجلّ للخصب والأمومة وأنوثة الوجود.
بالأمس كنتُ أقول لنفسي في جلسة مكاشفة أني ممتلئ بإحساس الاستغناء وعدم الحاجة، وأن الفنّ يشبع كلّ فراغاتي ونقصي، فكيف يسخر القدر من ادّعاءاتي ويأتي بريتا من وراء سجف الغياب، مسلّطاً الضوء عليها وخالعاً عن مشاعري ثوب اللا مبالاة وكذبة أنّ النساء آخر همّي؟!
أم تراه حنيني هو من جذبها من ثنايا لا وعيي، حيث كنتُ أنتظرها حتى أثناء عدم انتظاري لأي شيء، وربما كنتُ أناديها في وحدتي ووحشتي وأنا أستأنس بتجلياتها كلّما رفّت فرشاتي على بياض اللوحة، فأتت في وقتها كما يأتي الربيع، أم أننا كثيراً ما نتوهّم أموراً ويريحنا ويسعدنا أن نعتبرها حقيقة ويقيناً، لتعرّينا الحياة غير آبهة بما نثرثر ونعتقد.
قلبي ملتاع منذ أوّل حبّ وأوّل خيبة أثناء مراهقتي، قبل سفري أو فراري.. حين فضّلتْ من أحببتها زميلنا الثريّ الذي يحضره والده كلّ صباح إلى المدرسة بسيارة فارهة.
كانتْ تلك أول صدمة عاطفية في حياتي، أنا الذي تصوّرتُ الحياة كما قرأتُ عنها في الروايات أو شاهدتها في الأفلام، ينتصر فيها الحبّ في النهاية رغم كلّ العراقيل.
وما كان بحسباني أنّ الرسائل القليلة التي تبادلناها سرّاً لم تكن إلا حبراً على ورق، وكل تلك العهود فيها قبض ريح، فكأن القدر شاء أن تكون أنثى جهنّمي وأخرى جنّتي.
ثمّ أنه من البديهيّ وجود امرأة أو أكثر في حياة إنسان فنان مرهف الإحساس شفيف الرؤى مثلي يكون لها دور في تغيير أو قلب حياته، أو أن تكون وحيه ومصدر إلهامه، فليس كالحبّ طاقة كونيّة تفجر الإبداع وتكون مدّاً ومدداً، فحتى الأنبياء والأولياء كان في حياة كلّ منهم امرأة ملهمة تآزر وتساند، لا لتكمل نقصها بالعشق، بل هو عناق كينونتين كاملتين كغيمتين بين أخذ وعطاء لانهمار الغيث.
فهل أنا جذبتها فأتتْ، أم هي قد فعلتْ، أم كلانا على مسرح عرائس الدنيا دميتان، تحرّكهما يد كتبتِ النصّ ووزّعتِ الأدوار وأوهمتنا أننا من اختار!
"٢"
أخيراً.. أزف اليوم الموعود....
لم تتأخّر ريتا عن الموعد كثيراً، رغم ذلك أحسستُ تلك الدقائق المعدودات دهراً..
حاولتُ جاهداً أن أداري لهفتي واضطرابي وأن أبدو طبيعيّاً قدر الإمكان، وأتعامل معها كما أتعامل مع كلّ روّاد مرسمي.. وبدتْ لي هي أيضاً بطبعها قليلة الكلام.. تزن جملها لتخرج بلا زوائد أو فضفضة ربما لأنها غريبة عن البلدة وغريبة أيضاً عنّي..
دعوتها لنجلس في حديقة المرسم الصغيرة في فيء العريشة.. وكانتْ شمس الصباح تبثّ الدفء في كلّ مكان وتنشر أشعتها لتنشّف على مهلها برودة الليل المنصرم.
وكالعادة غالبا ما يكون مفتاح الحديث خاصّة حين يلتقي الغرباء عن الطقس، وقد كان الطقس يومها أجمل ما يمكن أن يكون استهلالاً لأيّ حديث، فنيسان يحمل وعد بعث جديد بطقسه اللطيف المنعش وهوائه المشبع بطيب الزهور.. وصادف أنها من مواليد هذا الشهر الساحر.. والأكثر سحراً وغرابة أنها وُلدتْ في الأوّل منه.
ورأيتها وأنا أعدّ القهوة كيف تنقّل نظرها بمتعة بادية بين أحواض الزهور وأصص الحبق التي وزّعتها بكل أركان الحديقة وحتى في الغرف ووضعتُ أصيصاً صغيراً منها وسط المنضدة، ثم مدّتْ يدها لتتغلغل في أوراق الأصيص وتنشّقتْ كفّها الذي عبق بالطيب بعمق ونشوة فوددتُ لو كنتُ الذي يتنسّم ريحه.
عدتُ أحمل القهوة في فنجانين ولا أدري أيّ خاطر راودني جعلني أفضّ غلاف فناجين جديدة لم يشرب قبلنا أحد منهم كنتُ قد أحضرتهم معي من موسكو وقد أحسستُ بهم ينادونني لشرائهم كتحفة فنية.
سألتها وأنا أقدم لها فنجانها:
- يبدو أنّك تحبّين الحبق مثلي!
ردّتْ بابتسامة:
- ومن لا يحب هذا العاطر النضير المتميّز بأنّ طيبه في الورق لا الزهر، أنا أنتظر موسمه من العام للعام.
عبارة بسيطة قالتها بعفوية جعلتني أضيف لصفة فنّانة صفة أخرى هي شاعرة، ورأيتها فيض إحساس رهيف بتفاصيل أنثى.
تحدّثنا بدءاً عن انطباعها عن البلدة ومن تعرف فيها وكم مرّ عليهم وقت وهم هنا.. وسرّني أنها تعرف عدّة أصدقاء مشتركين بيننا.
عرفتُ منها أيضاً أنها كانتْ تدرس الحقوق قبل اندلاع الحرب واضطرتْ لترك دراستها.. وأنها تعمل حالياً سكرتيرة عند محام في البلدة براتب لا يكفي لأيّام، لذلك فكّرتُ ببيع اللوحتين رغم أنهما عزيزتان عليها.
سكبتُ لها المزيد من القهوة وقلتُ:
- احملي فنجان قهوتك وتعالي أريك المرسم.
أبدتْ ريتا إعجابها بطابع المرسم القديم الذي لم يفقده الترميم هويّته كتراث شرقي.. خاصة الجدران المبنية من الحجر.. والأبواب والنوافذ التي كانتْ بشكل قناطر مزخرفة.
قلتُ لها شارحاً:
- هذا المرسم هو بيت جدّي الذي طالما لهونا به صغاراً وضمنا حبّاً وحناناً، ورثته أمّي عن أهلها، ويبلغ عمره حوالي مئة عام.
لقد أرهقني وأنا أعيد بثّ الروح فيه فقد بقي مهجوراً زمناً طويلاً وكانتْ فكرة بيعه تراود أبويّ لكنهما عدلا عن الفكرة أمام إصراري على تحويله لمرسم خاصّ بي. وقد حرصتُ أن أحافظ على طابعه أثناء الترميم مع لمسات فنيّة أضفتْ عليه رونقاً جميلاً ومريحاً.
سألتني ونحن ندخل أوّل غرفة مليئة بلوحاتي.. عن تاريخ أول لوحة لي فأشرتُ لورقة من دفتر رسم صنعتُ لها إطاراً ينسجم مع بساطتها وعليه تاريخ قديم لطفل بعمر سبع سنوات احتفظتْ بها أمّي فرحاً بابنها الموهوب.
وتابعتُ:
- ما زلت أراني في مستهلّ حلمي ذلك الطفل الذي ينقل عوالمه الى القماش أو الورق، وأطمح أن أجعل مرسمي معْلماً حضاريّاً فنيّاً وأدبياًّ رائداً في بلدتي.
قلتُ ذلك وأنا أشير إلى قطعة القماش البيضاء المعلقة على عارضة خشبية والتي لم تنل منها الألوان بعد.
تنقّلتْ ريتا بين اللوحاتِ بصمت أشبه بالخشوع، وفجأة وقفت أمام لوحتي "امرأة الحلم".. تغيّرتْ ملامحها وغابت في أمدية بعيدة كأنها كانت تقرأ روحي.. توقّعتُ أن تسألني من هذه أو ماذا تعني.. لكنها لم تفعل.
خرجنا من الغرفة فيما كنتُ أتابع بشغف ونحن ندخل الغرفة الثانية التي وضعتُ بها مراسم ومقاعد لطلاب دورة الرسم:
- المرسم عالمي أقضي معظم وقتي فيه بعد عودتي من المدرسة التي أعلّم فيها التلاميذ مادة الفنون.. وكثيراً ما أنام هنا، وأشرتُ للغرفة الثالثة التي وضعتُ فيها سريراً وخزانة صغيرة.
الغرفة الرابعة احتوت مكتبة أغلب كتبها هدايا من أصدقائي روّاد المرسم.. وعلى الجدران لوحات قدّمتْ لي كهدايا أو لأعرضها للبيع.
وقفتْ ريتا تتأمّل كلّ لوحة بصمت، دون أيّ تعليق..
ثم فجأة نظرتْ إليّ بدهشة كبيرة باسمة قبل أن تغرورق عيناها بالدموع حين رأتْ لوحتيها على أحد الجدران وقد أحاط بكلّ واحدة منهما إطار أنيق بسيط ينسجم مع اللوحة ولا يطغى على جمالها.. وعيناي تقول لعينيها:
"لقد اشتريتُ اللوحتين بأيّ سعر تطلبين".
ثمّ أردفتُ رابتاً على كتفها بحنوّ:
- اعتبريهما عندي أمانة وسأستوفي منك ثمنهما حين يفرجها الله عليك، ولن تجدي كمرسمي مكاناً يقدّر قيمتهما ويحافظ عليهما، وها أنا أعد نفسي بلوحات قادمة وكلّي ثقة بعودة ملائكة الوحي لهذا الخافق النبيل الجميل.
وسيتبارك بيت الفنّ بأن يشهد إبداعك وتجلّياتك وسأفرد لك ركناً خاصّاً بك منذ اللحظة ترسمين به وغداً أعطيك نسخة من المفاتيح فالمكان منذ اللحظة مكانك.
تضرّج وجه ريتا حياء، وخفضتْ رأسها لتهرب من التقاء عيوننا، ثمّ لملمتِ ارتباكها وقالت لي:
- لا أجيد الشكر كثيراً، ولكني ممتنّة لصديقتي أنها عرّفتني عليك، وجعلتْ مفتاح الفرج بين يديك.
ثم صافحتني وغادرتْ.. بينما بقيتُ لوقت احتضن كفّي الذي صافح كفّها، مواعداً قلبي الذي اضطرب آن الوداع كاضطرابه ساعة اللقاء بمصافحة أخرى قريبة أرقّ وأوثق.
"٣"
بدت كلمة "أُحبّكِ" التي نطق بها لساني لأوّل مرّة بعد شهور من تعارفنا كانفلات الآه من ضرام الشوق في صدر أنفاسه عشق، رغم أني قلتُها آلاف المرّات من قبل في كلّ لقاء يجمعنا بطريقة أو بأخرى.. قلتُها قبل النوم وبعد الاستيقاظ وأثناء انشغالي بأيّ عمل وحتى وأنا بين الأهل والأصدقاء.
قلتُها حين لامس كمّ قميصي هفهفة فستانها عن غير قصد.. فكأنه تلامس روحين من وجد وتوق، لا قميص وفستان.
قلتُها وأنا أتغزّل برائحة عطرها الأثير عندي، وأتنسّمه عميقاً مغمض العينين، ثمّ أفتحهما من جديد لأجدها قد تضرّجتْ حياء تخفي وجهها براحتيها وتعجز عن إخفاء سعادتها.
قلتُها بكفّي الذي يضغط على كفّها كلّما زارتْ أو غادرتْ مرسمي كأنه يأبى أن يغادره.
وقلناها معاً بنفس الاحتراق والصدق عبر الجمل الناقصة التي كان أحدنا يقولها ويكملها الآخر حرفياً.. وبمعرفة كلّ منا ما يجول بذهن الآخر ولو لم يبُحْ.. قلناها بإحساسنا المشترك في لحظات الحزن والفرح والألم لدرجة تصل أن نحسّ بذات الوجع في نفس اللحظة ولو باعدتنا المسافة.
كانتْ محادثاتنا عبر الهاتف تمتدّ لساعات متأخرة من الليل يومياً دون أن نشعر بالوقت، نتبادل بها أفكارنا ومشاعرنا وتجاربنا وقناعاتنا.. ثمّ يعزّ علينا بعدها أن نغلق هاتفينا لنخلد للنوم، وكثيراً ما أفكّر لو أن تلك المحادثات قيّض لها أن تدوّن لنافست أكثر الكتب رواجاً وإقبالاً لقيمتها الفنية والأدبية والإنسانية وحتى السماوية، ولكانتْ كتاب عشق يختلف عن المألوف لأن من خطّه روح واحده بجسدين.
قالتْ لي ريتا بعينيها ما لم تحتَجْ معه للتعبير بالكلام، ولو قيل لي صف عينيها لما وصفتُ إلا النظرة التي تمحوني لتكتبني من جديد، وتبعثرني لتعيد ترتيبي، وتحتويني فأنسى كلّ ما عداها وأهدأ كالطفل بين ذراعيها، مهما تعاظم اضطرابي، وما من مرّة التقينا بها على انفراد إلا وكان الله ثالثنا شاهداً على قدسية هذا الحبّ الذي هو من كتبه وأخرجه واختارنا لتجسيده، وكنت أرى لهفتها عليّ وحرصها على راحتي واهتمامها بتفاصيلي فأغبط نفسي على هذا الحبّ العظيم ولا أملك إلا أن أحبّها أكثر، إن كان هناك أكثر.
شيئاً فشيئاً صار واضحاً ما حاولنا إخفاءه تحت اسم الصداقة أو الاهتمامات المشتركة، فزيارات ريتا المتكرّرة للمرسم وقضاؤها معظم الوقت برفقتي بعد انتهاء دوامها في مكتب المحامي جعلتِ الأهل والأصدقاء يتغامزون ويتساءلون، فقرّرنا ذات مساء أن نعلن الأمر وأن تخبر أهلها بجدّية العلاقة بيننا ففي الإعلان راحة للجميع.
بعد ذلك بفترة دعوتُ ريتا لحضور حفل ميلاد أختي سارة وكانت فرصة ليتعرّف عليها والداي وأخوتي، وقد دخلتْ قلوبهم فعلاً بلا استئذان كما توقّعتُ، للطفها ورقّتها وقبل ذلك محبتها الفطرية غير المتكلّفة.. خاصّة أمّي التي تجيد قراءة معادن الناس من أوّل نظرة وقد أحسّت بأصالة ريتا وطيب منبتها وأعربت عن سعادتها بأن تكون من أفراد العائلة، وكنتُ أراقب نظراتِها تلاحقها مع ابتسامة الرضا وهي تساعد سارة أثناء الحفل وبعده بخفّة وترتيب ولباقة فيطير قلبي فرحاً.
كان الوقت الذي نمضيه يومياً معاً في المرسم غنيّاً مليئاً ملوّناً كلوحة فنّية وكلّ يوم فيه عن ألف عام، وكأنه جنّتنا التي نفجّرها بالحبّ تفجيراً وتنبثق عذوبة ينابيعها بيدين من خصب ونماء، ومذ صارت ريتا جزءاً من تكوينه تغيّر كلّ ما فيه فلمساتها في كلّ ركن وروحها تفيض جمالاً في حضورها والغياب، وحتى لوحاتي التي رسمتها بعد حبنا كانت تشكّل نقلة فنية واضحة، لستُ وحدي من أقرّ بها بل جميع أصدقائي وأهل الذوق من روّاد مرسمي.
كذلك أنجزتْ ريتا الكثير من اللوحات بعد تعارفنا وتطوّر علاقتنا، وبدا لي كم يفجّر الحبّ إمكانياتٍ ما كانت لتظهر لولاه، وكانت لوحاتُها الأكثر إقبالاً ومبيعاً في كلّ معرض يقام ونشارك فيه سواء في مرسمي أو في صالات العرض، مما منحها سعادة مضافة للسعادة التي يهبها العشق، لكن أكثر اللحظات نشوة كانت حين كنا نتشارك برسم لوحة سواء كان انبثاق فكرتها من عندي أو من عندها، ثمّ وقوف زوّار المعرض أمام لوحاتنا المشتركة دون أن يلاحظوا أن من رسمها فنّانان لا فنّان واحد، ويحدث أن نجرّب التنويه لصديق مقرّب بهذه الحقيقة فكان يستعصي عليه التمييز بين ريشتي وريشتها أو أسلوبي وأسلوبها.. وتضيع محاولاته التفريق سدىً.
تقول لي ريتا من حين لآخر:
- ماذا فعلتَ بي يا توأم الروح، وكيف أحلتَ حزن عيني بِشراً وسعادة، وكيف أعدتَ لي ثقتي بالإنسان وقوة الحبّ، بعد أن رأيتُ بأمّ عيني انتهاك الإنسانية وقتلها على يد الوحوش من البشر، وظننتني لن أقدر أن أنسى يوماً جحيم ما عشناه أنا وأسرتي وجميع من نزح ورأى نفسه بقلب الموت والسواد دون أي ذنب؟!
فأجيبها ورأسها على كتفي ويدي تمسّد شعرها المنسدل الناعم:
- من فعل بالآخر يا معبودتي.. أنا أم أنت؟!
ألا ترين كيف روّضت انفعالاتي وقدتني راضيا لسكينتي، وساعدتني للمضي معاً نحو هدفنا الواحد وأحلامنا المشتركة، وأضأتِ على مهاراتٍ ما كنت آبه لها لولا ملاحظاتك وعين البصيرة فيك؟!
تضحك ريتا وتغمز لي:
- كم يطيب لنا في الحبّ أن نعيد الكثير من العبارات والأفكار وحتى الأحداث ككلّ عاشقين دون أن نحسّ بالملل، بل ويبدو لنا أننا نقولها للمرّة الأولى.
- السبب بسيط جداً.. هو أنها تقال كلّ مرّة بإحساس مختلف ولسبب آخر ومن وحي حال مغاير، فتبقى شعلة الحب في اتّقاد ولا تخمد نار العشق حتى في شدّة القرب.
أقولها وأنا أقرّبها من قلبي أكثر وأحيطها بذراعيّ، فتبتسم في غنج هامسة:
- حاذر أن تكسر ضلوعي وأنتَ تضمّني شوقاً.. فأنتَ الساكن فيها.
ثم يمضي الوقت ونحن بين الصحو والغفوة غارقان في عالمنا الأثيري الخاصّ الذي لا يشاركنا فيه روح ثالثة، أنا وريتا التي..
"أحببتُها" منذ الأزل.. "وتحبّني" إلى أبد الآبدين.
"٤"
تحرّرتِ المدينة التي تعتبر مكان ولادة حبيبتي ريتا ومرتع صباها ومجمع تفاصيل ذكرياتها ونحن في أوج علاقتنا، في الوقت الذي كنّا نستعدّ فيه ليضمّنا معاّ عشّ الحبّ بعد خطوبة تمّت بمباركة أهلها وأهلي.
تحرّرتْ بعد قصص دامية دامت لسنوات، ستحتاج الإنسانية لمجلّداتٍ إن خطر لها أن تكتب عمّا شهده الوطن وأهله من موت وخراب وفساد وما لحق بالناس من شرّ وأذى على اختلاف انتماءاتهم.
إنه النصر حقّاً...
النصر الذي يستحقّ التهليل والاحتفال.
لكنه الفرح الحزين...
سيعود النازح ليقف على أطلال مدينته ويحصي عدد من مات ومن فُقد ومن سُجن ومن أُصيب ومن بقي، ثمّ يكون وحده أمام بهتة السؤال: ماذا بعد؟!
لم أرَ ريتا مضطربة مثلما رأيتها ذلك اليوم، ما بين فرح وتوتّر واستحضار لأيام الاحتجاز ثم النزوح، وبدت غير مصدّقة لحقيقة القضاء على التنظيم المسلّح وإجلائه عن مدينتها، ورأيتها كمن يستيقظ من كابوس طويل وما يعقب اليقظة من عدم تصديق وذهول.
صار محور حديثنا اليوميّ حول فكرة العودة للاستطلاع وتفقّد حال منزلهم، لحسم موضوع البقاء في بلدتنا أو العودة لمدينتهم المحرّرة، بينما يدور ألف سؤال في البال بلا جواب، ما دام لم يأت ولو خبر عابر عن حال المدينة بعد تحريرها.
بصعوبة بالغة استطعتُ اقناع ريتا ووالدها أن تؤجَّل فكرة العودة للمعاينة عن قرب واستطلاع الوضع إلى ما بعد زفافنا، حيث ستكون الجهات الرسمية المعنيّة قد أصدرت قراراً يسمح للنازحين بالدخول لتفقّد أملاكهم هناك، بعد أن تمشّط المدينة من الألغام والمتفجرات لتضمن سلامة العائدين.
قلتُ لريتا حاضناً كفّيها بين كفّيّ محاولاً بثّ السكينة بروحها المضطربة وأنا أراها ترتجف قبالتي كقشة في مهبّ الريح:
- تأكّدي يا حبيبتي أن سفرك قبل زواجنا ليس بصالح أحد لا نحن ولا أسرتك..
هل تصوّرتِ الوضع الذي ستكونين عليه قبل يوم الزفاف، وأنت ترين المدينة الجميلة التي شهدت طفولتك وصباك قد صارتْ أنقاضاً ودماراً؟!
فكيف لو أنه لا سمح الله كان وضع المنزل.....
صمتتُ ولم يطاوعني لساني أن أنطق بالمزيد.
ثم ابتسمتُ وأنا أحضن وجهها المبلّل براحتي وأمسح بقبلاتي الحنونة دموعها وأهمس لها:
- دعينا ننسَ لأيام كلّ شيء يعكّر صفو سعادتنا ونمنح أهلنا فرصة أن يفرحوا بنا، ونتذوّق من عنقود الحبّ ما لذّ وطاب، فحصرم الألم في الحياة يهون ما دام قلبي يعانق قلبك، إذ لا فرار من الألم ما دمنا علقنا على هذه الأرض.
وأعدك أن نسافر مع أبيك قريباً، لأنه سيحتاجنا حتماً في هذا المشوار الصعب، ثم لا تنسي أنني أعتبره بمقام ابي وسأكون له الابن الذي حقّاً لم يُرزق به، لكن الله أكرمه بثلاث زهرات كان حظّي منهنّ أوّلهنّ.. بنفسجتي العاطرة.
وهكذا كان... تمّ تأجيل حتى التفكير بالسفر لما بعد طقوس العرس وما يتبعه من مباركات وانشغال وعزائم ومشاوير ونزهات، وعدنا لننشغل بتفاصيل التحضير للعرس واستكمال ما يلزم البيت من أشياء .
كانتْ مشكلة السكن وهي المشكلة الكبرى التي يواجهها أيّ شاب مُقدم على الزواج قد حلّت خلال فترة خطوبتنا حين اقترحت أمّي أن نقسم منزلنا الواسع نسبياً فنستقلّ أنا وريتا بغرفتين ونستفيد من جزء من الحديقة لبناء المطبخ والحمّام، فكان ذلك عرضاً مغرياً لنا تزامن مع عقد عمل تمّ بيني وبين مجلة عربية للأطفال لأتولّى رسوم قصصها، وكنت كلّي ثقة أن وجه ريتا خير عليّ ودعواتها مستجابة، وبتنا نستعجل الأيام لقدوم اليوم الموعود ونحن نتدبّر أمور الأثاث البسيط بمساعدة الأهل واقتراض مبلغ من مصرف التسليف يتمّ تسديده خلال سنتين، وبطبيعة الحال لم تكن ريتا متطلّبة لا في جهاز عرسها ولا في حفل الزفاف لتتمّ نعماء الله عليّ ورضاه عني بتوأم روحي وشريكة حياتي.
تزوّجنا أنا وريتا في حفل بسيط ضمّ الأهل والأصدقاء وبعض المقرّبين…
حبيبتي الجميلة ريتا ترفل بثوبها الأبيض كأنها الكوكب الدرّي، تحيطها هالة نورانية، كحورية قادمة من كتاب الحكايا والأساطير، وأنا أشعر كأن قلبي يكاد ينخلع من صدري وكلّ من في القاعة يسمع تسارع دقّاته.. رغم صوت الأغاني والزغاريد.
هل هذا حقّاً حفل زفافي على أميرتي؟؟!!
أم تراني أحلم؟؟؟!!!
ورحت أتوسّل وأنا أغرق في بُنّ عينيها اللتين زادهما الكحل سحراً:
يا ربّ إن كان حلماً لا توقظني منه
يا الله ساعدني لأتحمّل كلّ هذا الجمال الذي أنعمت به علي
وكن معي يا مولاي لأسعدها وأتممْ نعمتك علي بأن أحيا معها العمر كله.
أما هي..
فلم تغادر عصفورة الضحكة شفتيها لحظة إلّا لتعود إليهما من جديد بينما تشعّ عيناها بألف نجمة عشقاً وفرحاً وأملاً بجنة واعدة سنحياها معاً، ولم أدرِ هل كنت سعيداً بها أم سعيداً لسعادتها، فقد اختلط عليّ الأمر لأننا لم نكن حينها إلا بلبلاً ووردة في رقصة التجلّي والجمال، أو رفيف فراشتين في محفل النور.
لن أحدثكم عمّا يدعونه "شهر العسل" الذي قضينا بعض أيامه في شاليه على البحر، بل سأترك لخيالاتكم أن تصوّر السعادة بأقاصيها والعشق بذروته، ليس لأني أخاف علينا من شرّ الحسد، بل رأفة بمن حُرم من أن يلتقي بتوأم روحه أو أن يتوّج عشقه له باللقاء، ولأن تفاصيل تلك الأيام ونشوتها الخالصة كانتْ أشبه بنبيذ معتّق وأنا حتى اللحظة سكران بمذاقه، رغم كلّ ما سبق ولحق من حصرم الألم.
"٥"
أعترف لك يا ريتا، وقد وصلتِ الآن في قراءة رواية "حصرم الألم" لهذا الفصل بعد طباعتها، وعلمتِ لمَ أحجمتُ عن اطلاعك على مسودّته مسبقاً لأبقيه لك مفاجأة وأسمع جملتك الأجمل التي تعبرين بها عن دهشتك وسعادتك إثر كلّ هدية معنوية أو مادية: " حبيبي الذي لا تنقضي عجائبه"، يا صحوي وسكري والعنب الحلو في حصرم عمري.
لقد خطرتْ فكرة تدوين قصّة حبّنا فجأة كوميض شهاب عابر في ليلة صيفية، حين رآني أتأمّلك نائمة كالملاك مسدلة الأهداب في دعة وسكينة غارقة في ملكوت عالمك الأثيريّ بأنفاس خافتة منتظمة، أسبّح الله في سرّي كي لا أوقظك بتمتماتي، على جمال ما أبدع وخلق من رقّة وتجلٍّ وحدي أستشعر تفاصيله وأنعَم به، رغم أني أخبرته أني لا أعير أهمية لجعل عشقنا قصة تروى يقرأها القاصي والداني مهما بلغ أثرها بوجدانه، حسبي أني أعيش نعيمها في جنّة لا مقطوعة ولا ممنوعة، يا رحمة الله التي أرسلها لي ويا رضاه ورضا والديّ عني، أنا الذي بلغت مقام اليقين بأن حكايتي معك لا تضاهيها أيّ من قصص الحبّ التي أقرأها في الروايات وتجذب الملايين للإعجاب بها، فكأنها السرّ المحفوظ في دفّات الصدور أو اللؤلؤ المكنون في عتمة الصدف، جماله لنا وحدنا، وحدنا فقط.
لكن السكينة التي أخلدتِ بها للنوم كان لها سحر وسطوة جذبت سلاطين الوحي صاغرين وجنّدت ملائكة السماء لتعود بي سنوات للوراء وربما لما قبل الخلق يوم كنا بعالم الذرّ عناق روحين قبل هبوط التجسّد، وليس كالنوم ما يبدي حقيقة الإنسان، بعد أن تهدأ أمواج الفكر المضطربة ويخفت ضجيج الأنا وإثبات الذات، فلا صوت ولا حركة بل هدوء تام كهدوء الطبيعة في غبش الصباح، فكأنك اللوحة التي فتنت بها وأسماها مبدعها الرسّام "الجمال النائم"، وأعذر الفنّان إذ أطلق عليها اسماً، رغم أني كما عهدتني لا أطيق حبس الفنّ ولا الأدب بعناوين، فحقّ القارئ أو المتذوّق أن يسمّي الإبداع بما يشاء، فكم قصّ العنوان جوانح الخيال وحدّ من تحليقه، لكنّ لوحة "الجمال النائم" كانت اسماً على مسمّى، ولو أن الرسّام جرّب أن يختار أيّ اسم آخر لفتح باب التأويل والتكهّن، لكنه أبداً لن يكون روح اللوحة كهذا الاسم.
هو ميقاتي لأمارس عبادتي في تأمّل ملامح وجهك بلا أيّ تعبير أو انفعال فارغاً حتى من مشاعر السعادة، كما أتأمّل بحيرة عذبة صافية فيلوح لي قاعها، أما وجهي فقد غمرته غبطة وشت بعشق سرمديّ ليس به قبل وبعد، ولو قدّر لك أن تفتحي عينيك لرأيت حارسك الأمين يحصي أنفاسك الخافتة نفساً ونفساً ويتعبّد في لطف محيّاك مبتهلاً: "اللهم اقبل صلاتي واحشرني مع من أحبّ، فلا حشر يطيب إلا مع الحبيب".
سألتِني قبل أن تنامي إن كنت أرغب بالنوم فابتسمتُ وقلت:
نامي يا حبيبتي فأنت متعبة، وأنا سأقرأ قليلاً في هذه الرواية التي سمعت أنها حازت على جوائز عالمية، حتى يهيمن عليّ سلطان النعاس وأتبعك إلى عالم أهدأ وأنقى وأنظف.
وسمعتك تتمتمين بين الصحو والغفوة: "غداً ستحكي لي عن هذه الرواية، فمنذ زمن لم أعد أجد الوقت لقراءة الروايات كسابق عهدي".
أقبّل جبينك كأني أقبّل أيقونة وأمسح شعرك بباطن كفّي الذي استودعته كلّ حناني وحبّي وأنا أتوسّل أن تحميك السماء من كلّ شرّ.
وأشرد عن الرواية بين يديّ مفكّراً يا حبيبتي بكلّ المتزوّجين وأصحاب الخبرة الذين أجمعوا على أن الزواج مقبرة الحبّ، وأن الحبّ بعد الزواج يطفئه الاعتياد، وأغبط نفسي جازماً أننا من الشواذ الذين سيزيدهم الزواج شغفاً وتعلّقاً وما كان عناق الأجساد إلا كتحصيل حاصل لانصهار الأرواح.
ثمّ يا حبيبتي، هل كنّا لنتزوّج لولا أنك كنت مثلي ترين أن الحبّ هو الدرب والغاية لتصبح الثنائية وحدة، وتجعل الشراكة بين جسدين ونفسين تداخلاً يصعب فصمه، وأن الحبّ يتربّى ويقوى يوماً بعد يوم إن كان حقّا ليس انفعالاً آنياً أو هوى وميل قابل للانقلاب، وكم من حبّ عاصف تحوّل لنفور، وكم من زواج باطل يأخذ شريّعته من ورقة كما تبطله ورقة، هو اغتصاب وجدانيّ ونفسيّ وقهر إنساني من طرف تجاه الآخر أو من مجتمع تحكمه العادات لكلا الطرفين.
هل تذكرين....
أسمع رنين ضحكتك ملء سمعي رغم اغفاءتك في ملكوت النوم والسكينة وأنت تقاطعينني قبل أن أكمل جملتي:
- حبيبي جواد.. تعرفني نسّاءة فلا تختبر ذاكرتي، لأني أضمن لك فوزك عليّ يا أستاذ التفاصيل والتواريخ واستحضار حتى وهج المشاعر وكأنها بنت اللحظة.
ابتسم كالمسحور مأخوذاً بهذه الضحكة التي أعشق، وبادّعائك النسيان الذي يتهاوى مجرّد البدء بسرد الحدث وأتابع:
- هل تذكرين تلك اللحظة المذهلة التي أرسلت لي بها بعد صباح الخير ما نسخته من أحد المواقع بعنوان "توأم الروح" بنفس الثانية التي أرسلتُ لك بها نفس المقال، وضغطنا معاً على تعبير "أدهشني"، وكلانا مذهول مما يحدث معنا منذ تعشّقت روحي روحك وروحك روحي، وأيقنّا أن الله كان الكاتب والشاهد على هذا العقد السماويّ الأرضيّ غير القابل للانفصام، وأن ما يحدث معنا خبرة كونية عظيمة وكأننا لسنا سوى حرفيّ الكاف والنون بيد الوجود ما أن تعانقا حتى قال كلمته "كن" فكان.
- كان المقال يعدّد سبع علامات لتوأم الروح، وكأنه يتحدّث حرفياً عنا، نحن اللذان ظننّا أن لا مثيل لنا ولا شبيه لقصّة حبنا.
- أرأيت أن ذاكرتك قد تفوق ذاكرتي وليست كما تتندرين قائلة أنها كذاكرة السمك!
- لقد سمّيتك محامي الدفاع عني منذ أول بوح بيننا، حين رأيتك ترفض ما أطلقه على نفسي من صفات لا تروقك وتبدأ باستبدالها بصفات محبّبة كأنك أخبر بي مني.
- حسناً يا موكّلتي ماذا قال المقال عنا؟!
- قال.. ستعرف بحدسك وقلبك توأم روحك حين تقابله، وستشعر باتّصال روحي فوري وبجاذبية غريبة وتكون أمامه كالمسلوب تختبر شعوراً لم تعرفه ولا يشبه كلّ ما عشته سابقاً، سيبدو لك أنك التقيته من قبل، ولكن أين ومتى.. لا تذكر، ثم سيذهلك التوافق العاطفي والعقلي والروحي والكيميائي والفيزيائي بينكما، الذي سيبدو وكأن يداً سماوية ترسمه وتديره بمنتهى الربوبية والقدرة والإدهاش، وتصل ليقين أن الكون رسم خطّته ليجمعك به وأحكم نسج الخيوط بطريقة عجيبة.
ثمّ تابعت وهي تفيض رقة وحناناً وعذوبة غارقة في سواد عينيّ:
- أليس هذا ما حدث معنا يا روحي؟ ومهما نسيت كيف لي أن أنسى يوم عدتُ من مرسمك بعد أوّل زيارة له .. لم أنم ليلتها مثلك تماماً، وأنا أسمع وجيب قلبي ودقّاته المتلاحقة ولم أصدق كيف ستمرّ الأيام لألتقيك مجدّداً.
انتبهتُ فجأة لأجد ريتا ما زالت ترقد قربي فلا هي ضحكتْ ولا هي قالتْ، بل روحها التي تسكنني منذ الأزل.
نامي يا توأم الروح، فأنت معي، في النوم أو في اليقظة، في الوعي أو اللا وعي، ولا زمان ولا مكان يحدّان قصة عشقنا.
نامي يا طفلتي وحبيبتي وصديقتي وأمّي وكلّي.. نامي يا معبودتي وسأرقيك بآيات حبّي لتحفظك السماء بطمأنينة وسلام.
وحدك من أيقظ في داخلي جوهري الحقيقي ووحدك من عشقتها كينونة كاملة واعية لا عن نقص ولا احتياج، ولم أخجل لحظة أمامها من ضعفي أو عيوبي وطباعي، ولم اضطرّ للتبرير أو التفسير لأيّ من سلوكياتي، لأنك كنت كذلك معي مرآة شفيفة صافية، لا تحتاج للكذب والمواربة، حرّرها العشق من مخاوفها القديمة فازهرت أحلامها فنّاً وشعراً ومهاراتٍ لم تخطر يوماً ببالها لتفيض حضوراً يعلن:
إنه الحبّ....
يخرج أجمل ما فينا...
ويبعثنا كلّ حين بحالٍ جديد.
توأم الروح
"١"
جاءتْ ريتا إلى مرسمي ذات نيسان دون موعد مسبق..
هلّتْ كنسمة ربيعية وكرفيف الفراشات في محفل النور وكانبثاق الينبوع رسولاً للنماء.
انتظرتْ ريثما تفرّغتُ لها وانتهيتُ من مروري على كلّ طلّاب دورة الرسم المسائية، لإعطائهم ملاحظاتي المبدئية والمباشرة برسم ما اخترتُه لهم ذلك المساء.
كنتُ أظنّها جاءتْ برفقة أحد أعضاء الدورة، فدعوتها بلطف للجلوس، ولم يخطر ببالي أبداً أن تلك الأمسية ستكون فيصلاً في حياتي وتاريخاً لا ينسى.
"ريتا"..... قدّمتْ لي نفسها بابتسامة عذبة وحياء آسر، فإذا بي أرنّمه في سرّي كأنّه تعويذة أو مانترا تكنس من الذاكرة العلائق والعوالق ليبقى معناه شعشعان ألق.
ومعناه عندي، تلك السنين المتأجّجة التي كان فيها محمود درويش نبيّ الثورة الأوحد،
"أنا أحمد العربي فليأت الحصار.. وأنا حدود النار".
سألتُها بعينيّ: هل كلّ ريتا تُختصر مثلك ومثل ريتا درويش "بإلهٍ في العيون العسليّة؟!"
لكنّ عينيها بأهدابها المسبلة لم تحر جواباً.
للأسماء سحر وسرّ
فإن قلنا ريتا حضر محمود درويش وإن قلنا مالينا تثنّت مونيكا ببلوتشي، وإن ذُكرتْ كوزيت حضر ربّ البؤساء.. فيكتور هيجو.
لا أحد يعرف كيف ولمَ يُختصر المبدع باسم رغم غزارة أعماله، أو كيف يخلّده اسم في ذاكرة الجمع لأجيال!
وفيما كنتُ غارقاً في غبطة تداعياتي، كانتْ ريتا تلملم ارتباكها لتشرح لي سبب زيارتها لمرسمي..
أما القدر فكان يحيك على مهل فتحاً جديداً بقصّة حبّ قلبتْ كياني وأولوياتي وأفكاري وتركتني نهب رياحها هباءً منثوراً.
ومن يدري.......
لعلّه سطّر خطوطها مذ كنّا في ضمير الغيب فكرة.
البحث عن أجوبة لأسئلة مراوغة مشاكسة تضييع للفرص ولفتنة اللحظة.
وأنا كنتُ في تلك اللحظة بالذات تحت سطوة فتنة اسمها وعينيها.... ريتا.
بادرتُها قائلاً:
- أشعر أني أعرفك، وجهك أليف جدّاً بالنسبة لي، أكيد تقابلنا من قبل.. ولكن أين.. أين؟؟
أجابتْ بحياء:
- لا أظنّ.. فأنا لستُ من سكّان هذه المنطقة، لقد اضطررتُ وأهلي للهجرة من مدينتنا وتركنا منزلنا بكلّ ما فيه في صباح ماطر عقب احتجاز دام لأسابيع وتحت نيران القصف التي لا يمكن ان تخمّن أكانتْ نيران عدوّ أم صديق! في وقت تختلط فيه الأوراق ولا جهة تتولّى نصرتك كفرد من سواد هذا الشعب، وبحثنا عن أكثر منطقة آمنة.. فقادنا حظّنا الطيّب لهذه البلدة الهادئة".
أبديتُ أسفي الشديد وحزني للحال الذي شمل الكثير من العائلات في ظلّ حرب لا ترحم..
قاطعتِ المشهد الدرامي الذي كان على وشك التحكّم بمشاعرنا معاً، بأن أخرجتْ بعناية من كيس كبير تحمله لوحتين مرسومتين على قماش أبيض بدون إطار وضعتهما على المنضدة وهي تقول:
"هل أطمح أن تعرض لي هاتين اللوحتين للبيع.. لا أعرف لمن اتّجه بطلب كهذا، وقد اقترحتْ عليّ صديقة عزيزة أن أقصد مرسمك لعلّ لوحاتي تنال حظّ عرضها للبيع عندك".
تأمّلتُ كلّ لوحة على حدة باستغراق وطفتْ على وجهي سعادة غير مصطنعة، أحسستُ بأن الألوان أضواء تغمرني بالنشوة وتناهى لسمعي لحن موغل في القدم ينبعث من تناغمها معاً ورأيتُ كأنّ الخطوط فيهما لغة سماويّة التكوين قابلة رغم بساطتها لفسحة التأويل.
أيقظني صوتها العذب من استغراقي، ولا أدري إن كانتْ قد لاحظتْ لمعان عينيّ أمام إبداعها:
- هل أعجبك رسمي.. وهل آمل خيراً بشأن البيع؟!
لم يكن الظرف مناسباً لأخبرها ما فعلته بي لوحتاها، أو بتعبير أصدق وأدقّ.. روحها، إذ كان عليّ أن أعود لطلّابي وأتابع ما رسمه كلّ منهم.
لذلك طلبتُ منها أن تترك اللوحتين وتمّر عليّ لنتحدّث بذلك الأمر في وقت اتّفقنا عليه يناسب كلينا، ثمّ ودّعتها وأنا لا أزال في حالة من السُّكر والذهول.. وكأنّي أودّع روحي.
قضيتُ تلك الليلة أفكّر بريتا، أستحضر ملامحها القريبة الأليفة، أحاول أن أفهم ما حدث لي من لقاء عابر لا يتجاوز عشر دقائق مع أنثى لا أعرف عنها إلا رؤوس أقلام لا تكفي للحكم عليها أو التعلّق بها!
ثمّ ما يدريني إن كانت متزوجة.. مخطوبة.. أو مرتبطة بعلاقة حبّ!
وسألتُ نفسي وأنا أهوّم مع طيفها أهذا ما يدعونه صعقة الحبّ، وهل تحدث هذه الصعقة في عمر كعمري، بعد أن ولّى عمر الرغبات المتأجّجة وأحلام اليقظة في سنين المراهقة؟!
في قلبي غليان لا يصغي لمنطق عقلي واضطرابي يزيد كلما تذكّرتُ ما أراه في أحلامي منذ سنوات.. امرأة تلازمني كظلّ أبيض بلا ملامح.. ضبابيّة الحضور، تضمّني في ضعفي أو تنتشلني من ضيق، تظهر فجأة وتغيب بغرابة حضورها كإلهة جميلة.
قلبي يقول أن ريتا هي امرأة الحلم.. حبيبتي وقدري المكتوب، وعقلي كالعادة يعارض جنونه وهلوساته، ويسخر من أحوال الفنّانين وشطحهم غير المعقول.
ما الذي يحدث لي.. لم أكن أدري!
فخلال سنوات اغترابي صادفتُ وصادقتُ فتيات بأشكال وأفكار متنوعة، لكن لم تعلق ولا واحدة منهنّ بقلبي ولا خفق شوقاً لرؤياها أو لوعة لفراقها، وكلهنّ عبرن حياتي بخفّة دون أثر.
كما أنّ مرسمي بعد عودتي كان مفتوحاً للرائح والغادي، ويتردّد عليه يومياً الكثير من الوجوه من مختلف الأعمار.. وللفتيات حضور عالٍ ودائم فيه، إمّا للتدريب أو للمشاركة في المعارض التي أقيمها، أو لزيارة تلك المعارض وأحياناً لمرافقة أخ أو ابن أو صديق، لكن لم يحصل أبداً أن فُتنتُ أو جذبتني إحداهنّ بشكل ملفت كما فعلتْ ريتا.
عشتُ عمري يستهويني الجمال بكلّ تجلّياته وأتعبّد في محراب الجمال الطبيعي ومحاولات الإنسان عبر الفنون والآداب خلق عالم موازٍ له، وكثيراً ما كنت أتأمل جمال المرأة بهالتها النورانيّة وتضاريس تكوينها وكأنني أمام لوحة ساحرة لا تنازعني في تأمّلي شهوة أو رغبة بالتملّك ولم يحدث مرّة أن تعلّقتُ أو أحسستُ بأنثى على أنها مرآة روحي تتجلّى أناي بها رغم أنها كينونة مستقلّة بذاتها.
وكلّ النساء العاريات في لوحاتي كنّ مقدّسات في عيني ولم أقصد بعريهنّ إلا الوجه السافر للخلق قبل التشويه والتجميل، وكلّ منهنّ عشتار أو إيزيس أو فينوس.. تجلّ للخصب والأمومة وأنوثة الوجود.
بالأمس كنتُ أقول لنفسي في جلسة مكاشفة أني ممتلئ بإحساس الاستغناء وعدم الحاجة، وأن الفنّ يشبع كلّ فراغاتي ونقصي، فكيف يسخر القدر من ادّعاءاتي ويأتي بريتا من وراء سجف الغياب، مسلّطاً الضوء عليها وخالعاً عن مشاعري ثوب اللا مبالاة وكذبة أنّ النساء آخر همّي؟!
أم تراه حنيني هو من جذبها من ثنايا لا وعيي، حيث كنتُ أنتظرها حتى أثناء عدم انتظاري لأي شيء، وربما كنتُ أناديها في وحدتي ووحشتي وأنا أستأنس بتجلياتها كلّما رفّت فرشاتي على بياض اللوحة، فأتت في وقتها كما يأتي الربيع، أم أننا كثيراً ما نتوهّم أموراً ويريحنا ويسعدنا أن نعتبرها حقيقة ويقيناً، لتعرّينا الحياة غير آبهة بما نثرثر ونعتقد.
قلبي ملتاع منذ أوّل حبّ وأوّل خيبة أثناء مراهقتي، قبل سفري أو فراري.. حين فضّلتْ من أحببتها زميلنا الثريّ الذي يحضره والده كلّ صباح إلى المدرسة بسيارة فارهة.
كانتْ تلك أول صدمة عاطفية في حياتي، أنا الذي تصوّرتُ الحياة كما قرأتُ عنها في الروايات أو شاهدتها في الأفلام، ينتصر فيها الحبّ في النهاية رغم كلّ العراقيل.
وما كان بحسباني أنّ الرسائل القليلة التي تبادلناها سرّاً لم تكن إلا حبراً على ورق، وكل تلك العهود فيها قبض ريح، فكأن القدر شاء أن تكون أنثى جهنّمي وأخرى جنّتي.
ثمّ أنه من البديهيّ وجود امرأة أو أكثر في حياة إنسان فنان مرهف الإحساس شفيف الرؤى مثلي يكون لها دور في تغيير أو قلب حياته، أو أن تكون وحيه ومصدر إلهامه، فليس كالحبّ طاقة كونيّة تفجر الإبداع وتكون مدّاً ومدداً، فحتى الأنبياء والأولياء كان في حياة كلّ منهم امرأة ملهمة تآزر وتساند، لا لتكمل نقصها بالعشق، بل هو عناق كينونتين كاملتين كغيمتين بين أخذ وعطاء لانهمار الغيث.
فهل أنا جذبتها فأتتْ، أم هي قد فعلتْ، أم كلانا على مسرح عرائس الدنيا دميتان، تحرّكهما يد كتبتِ النصّ ووزّعتِ الأدوار وأوهمتنا أننا من اختار!
"٢"
أخيراً.. أزف اليوم الموعود....
لم تتأخّر ريتا عن الموعد كثيراً، رغم ذلك أحسستُ تلك الدقائق المعدودات دهراً..
حاولتُ جاهداً أن أداري لهفتي واضطرابي وأن أبدو طبيعيّاً قدر الإمكان، وأتعامل معها كما أتعامل مع كلّ روّاد مرسمي.. وبدتْ لي هي أيضاً بطبعها قليلة الكلام.. تزن جملها لتخرج بلا زوائد أو فضفضة ربما لأنها غريبة عن البلدة وغريبة أيضاً عنّي..
دعوتها لنجلس في حديقة المرسم الصغيرة في فيء العريشة.. وكانتْ شمس الصباح تبثّ الدفء في كلّ مكان وتنشر أشعتها لتنشّف على مهلها برودة الليل المنصرم.
وكالعادة غالبا ما يكون مفتاح الحديث خاصّة حين يلتقي الغرباء عن الطقس، وقد كان الطقس يومها أجمل ما يمكن أن يكون استهلالاً لأيّ حديث، فنيسان يحمل وعد بعث جديد بطقسه اللطيف المنعش وهوائه المشبع بطيب الزهور.. وصادف أنها من مواليد هذا الشهر الساحر.. والأكثر سحراً وغرابة أنها وُلدتْ في الأوّل منه.
ورأيتها وأنا أعدّ القهوة كيف تنقّل نظرها بمتعة بادية بين أحواض الزهور وأصص الحبق التي وزّعتها بكل أركان الحديقة وحتى في الغرف ووضعتُ أصيصاً صغيراً منها وسط المنضدة، ثم مدّتْ يدها لتتغلغل في أوراق الأصيص وتنشّقتْ كفّها الذي عبق بالطيب بعمق ونشوة فوددتُ لو كنتُ الذي يتنسّم ريحه.
عدتُ أحمل القهوة في فنجانين ولا أدري أيّ خاطر راودني جعلني أفضّ غلاف فناجين جديدة لم يشرب قبلنا أحد منهم كنتُ قد أحضرتهم معي من موسكو وقد أحسستُ بهم ينادونني لشرائهم كتحفة فنية.
سألتها وأنا أقدم لها فنجانها:
- يبدو أنّك تحبّين الحبق مثلي!
ردّتْ بابتسامة:
- ومن لا يحب هذا العاطر النضير المتميّز بأنّ طيبه في الورق لا الزهر، أنا أنتظر موسمه من العام للعام.
عبارة بسيطة قالتها بعفوية جعلتني أضيف لصفة فنّانة صفة أخرى هي شاعرة، ورأيتها فيض إحساس رهيف بتفاصيل أنثى.
تحدّثنا بدءاً عن انطباعها عن البلدة ومن تعرف فيها وكم مرّ عليهم وقت وهم هنا.. وسرّني أنها تعرف عدّة أصدقاء مشتركين بيننا.
عرفتُ منها أيضاً أنها كانتْ تدرس الحقوق قبل اندلاع الحرب واضطرتْ لترك دراستها.. وأنها تعمل حالياً سكرتيرة عند محام في البلدة براتب لا يكفي لأيّام، لذلك فكّرتُ ببيع اللوحتين رغم أنهما عزيزتان عليها.
سكبتُ لها المزيد من القهوة وقلتُ:
- احملي فنجان قهوتك وتعالي أريك المرسم.
أبدتْ ريتا إعجابها بطابع المرسم القديم الذي لم يفقده الترميم هويّته كتراث شرقي.. خاصة الجدران المبنية من الحجر.. والأبواب والنوافذ التي كانتْ بشكل قناطر مزخرفة.
قلتُ لها شارحاً:
- هذا المرسم هو بيت جدّي الذي طالما لهونا به صغاراً وضمنا حبّاً وحناناً، ورثته أمّي عن أهلها، ويبلغ عمره حوالي مئة عام.
لقد أرهقني وأنا أعيد بثّ الروح فيه فقد بقي مهجوراً زمناً طويلاً وكانتْ فكرة بيعه تراود أبويّ لكنهما عدلا عن الفكرة أمام إصراري على تحويله لمرسم خاصّ بي. وقد حرصتُ أن أحافظ على طابعه أثناء الترميم مع لمسات فنيّة أضفتْ عليه رونقاً جميلاً ومريحاً.
سألتني ونحن ندخل أوّل غرفة مليئة بلوحاتي.. عن تاريخ أول لوحة لي فأشرتُ لورقة من دفتر رسم صنعتُ لها إطاراً ينسجم مع بساطتها وعليه تاريخ قديم لطفل بعمر سبع سنوات احتفظتْ بها أمّي فرحاً بابنها الموهوب.
وتابعتُ:
- ما زلت أراني في مستهلّ حلمي ذلك الطفل الذي ينقل عوالمه الى القماش أو الورق، وأطمح أن أجعل مرسمي معْلماً حضاريّاً فنيّاً وأدبياًّ رائداً في بلدتي.
قلتُ ذلك وأنا أشير إلى قطعة القماش البيضاء المعلقة على عارضة خشبية والتي لم تنل منها الألوان بعد.
تنقّلتْ ريتا بين اللوحاتِ بصمت أشبه بالخشوع، وفجأة وقفت أمام لوحتي "امرأة الحلم".. تغيّرتْ ملامحها وغابت في أمدية بعيدة كأنها كانت تقرأ روحي.. توقّعتُ أن تسألني من هذه أو ماذا تعني.. لكنها لم تفعل.
خرجنا من الغرفة فيما كنتُ أتابع بشغف ونحن ندخل الغرفة الثانية التي وضعتُ بها مراسم ومقاعد لطلاب دورة الرسم:
- المرسم عالمي أقضي معظم وقتي فيه بعد عودتي من المدرسة التي أعلّم فيها التلاميذ مادة الفنون.. وكثيراً ما أنام هنا، وأشرتُ للغرفة الثالثة التي وضعتُ فيها سريراً وخزانة صغيرة.
الغرفة الرابعة احتوت مكتبة أغلب كتبها هدايا من أصدقائي روّاد المرسم.. وعلى الجدران لوحات قدّمتْ لي كهدايا أو لأعرضها للبيع.
وقفتْ ريتا تتأمّل كلّ لوحة بصمت، دون أيّ تعليق..
ثم فجأة نظرتْ إليّ بدهشة كبيرة باسمة قبل أن تغرورق عيناها بالدموع حين رأتْ لوحتيها على أحد الجدران وقد أحاط بكلّ واحدة منهما إطار أنيق بسيط ينسجم مع اللوحة ولا يطغى على جمالها.. وعيناي تقول لعينيها:
"لقد اشتريتُ اللوحتين بأيّ سعر تطلبين".
ثمّ أردفتُ رابتاً على كتفها بحنوّ:
- اعتبريهما عندي أمانة وسأستوفي منك ثمنهما حين يفرجها الله عليك، ولن تجدي كمرسمي مكاناً يقدّر قيمتهما ويحافظ عليهما، وها أنا أعد نفسي بلوحات قادمة وكلّي ثقة بعودة ملائكة الوحي لهذا الخافق النبيل الجميل.
وسيتبارك بيت الفنّ بأن يشهد إبداعك وتجلّياتك وسأفرد لك ركناً خاصّاً بك منذ اللحظة ترسمين به وغداً أعطيك نسخة من المفاتيح فالمكان منذ اللحظة مكانك.
تضرّج وجه ريتا حياء، وخفضتْ رأسها لتهرب من التقاء عيوننا، ثمّ لملمتِ ارتباكها وقالت لي:
- لا أجيد الشكر كثيراً، ولكني ممتنّة لصديقتي أنها عرّفتني عليك، وجعلتْ مفتاح الفرج بين يديك.
ثم صافحتني وغادرتْ.. بينما بقيتُ لوقت احتضن كفّي الذي صافح كفّها، مواعداً قلبي الذي اضطرب آن الوداع كاضطرابه ساعة اللقاء بمصافحة أخرى قريبة أرقّ وأوثق.
"٣"
بدت كلمة "أُحبّكِ" التي نطق بها لساني لأوّل مرّة بعد شهور من تعارفنا كانفلات الآه من ضرام الشوق في صدر أنفاسه عشق، رغم أني قلتُها آلاف المرّات من قبل في كلّ لقاء يجمعنا بطريقة أو بأخرى.. قلتُها قبل النوم وبعد الاستيقاظ وأثناء انشغالي بأيّ عمل وحتى وأنا بين الأهل والأصدقاء.
قلتُها حين لامس كمّ قميصي هفهفة فستانها عن غير قصد.. فكأنه تلامس روحين من وجد وتوق، لا قميص وفستان.
قلتُها وأنا أتغزّل برائحة عطرها الأثير عندي، وأتنسّمه عميقاً مغمض العينين، ثمّ أفتحهما من جديد لأجدها قد تضرّجتْ حياء تخفي وجهها براحتيها وتعجز عن إخفاء سعادتها.
قلتُها بكفّي الذي يضغط على كفّها كلّما زارتْ أو غادرتْ مرسمي كأنه يأبى أن يغادره.
وقلناها معاً بنفس الاحتراق والصدق عبر الجمل الناقصة التي كان أحدنا يقولها ويكملها الآخر حرفياً.. وبمعرفة كلّ منا ما يجول بذهن الآخر ولو لم يبُحْ.. قلناها بإحساسنا المشترك في لحظات الحزن والفرح والألم لدرجة تصل أن نحسّ بذات الوجع في نفس اللحظة ولو باعدتنا المسافة.
كانتْ محادثاتنا عبر الهاتف تمتدّ لساعات متأخرة من الليل يومياً دون أن نشعر بالوقت، نتبادل بها أفكارنا ومشاعرنا وتجاربنا وقناعاتنا.. ثمّ يعزّ علينا بعدها أن نغلق هاتفينا لنخلد للنوم، وكثيراً ما أفكّر لو أن تلك المحادثات قيّض لها أن تدوّن لنافست أكثر الكتب رواجاً وإقبالاً لقيمتها الفنية والأدبية والإنسانية وحتى السماوية، ولكانتْ كتاب عشق يختلف عن المألوف لأن من خطّه روح واحده بجسدين.
قالتْ لي ريتا بعينيها ما لم تحتَجْ معه للتعبير بالكلام، ولو قيل لي صف عينيها لما وصفتُ إلا النظرة التي تمحوني لتكتبني من جديد، وتبعثرني لتعيد ترتيبي، وتحتويني فأنسى كلّ ما عداها وأهدأ كالطفل بين ذراعيها، مهما تعاظم اضطرابي، وما من مرّة التقينا بها على انفراد إلا وكان الله ثالثنا شاهداً على قدسية هذا الحبّ الذي هو من كتبه وأخرجه واختارنا لتجسيده، وكنت أرى لهفتها عليّ وحرصها على راحتي واهتمامها بتفاصيلي فأغبط نفسي على هذا الحبّ العظيم ولا أملك إلا أن أحبّها أكثر، إن كان هناك أكثر.
شيئاً فشيئاً صار واضحاً ما حاولنا إخفاءه تحت اسم الصداقة أو الاهتمامات المشتركة، فزيارات ريتا المتكرّرة للمرسم وقضاؤها معظم الوقت برفقتي بعد انتهاء دوامها في مكتب المحامي جعلتِ الأهل والأصدقاء يتغامزون ويتساءلون، فقرّرنا ذات مساء أن نعلن الأمر وأن تخبر أهلها بجدّية العلاقة بيننا ففي الإعلان راحة للجميع.
بعد ذلك بفترة دعوتُ ريتا لحضور حفل ميلاد أختي سارة وكانت فرصة ليتعرّف عليها والداي وأخوتي، وقد دخلتْ قلوبهم فعلاً بلا استئذان كما توقّعتُ، للطفها ورقّتها وقبل ذلك محبتها الفطرية غير المتكلّفة.. خاصّة أمّي التي تجيد قراءة معادن الناس من أوّل نظرة وقد أحسّت بأصالة ريتا وطيب منبتها وأعربت عن سعادتها بأن تكون من أفراد العائلة، وكنتُ أراقب نظراتِها تلاحقها مع ابتسامة الرضا وهي تساعد سارة أثناء الحفل وبعده بخفّة وترتيب ولباقة فيطير قلبي فرحاً.
كان الوقت الذي نمضيه يومياً معاً في المرسم غنيّاً مليئاً ملوّناً كلوحة فنّية وكلّ يوم فيه عن ألف عام، وكأنه جنّتنا التي نفجّرها بالحبّ تفجيراً وتنبثق عذوبة ينابيعها بيدين من خصب ونماء، ومذ صارت ريتا جزءاً من تكوينه تغيّر كلّ ما فيه فلمساتها في كلّ ركن وروحها تفيض جمالاً في حضورها والغياب، وحتى لوحاتي التي رسمتها بعد حبنا كانت تشكّل نقلة فنية واضحة، لستُ وحدي من أقرّ بها بل جميع أصدقائي وأهل الذوق من روّاد مرسمي.
كذلك أنجزتْ ريتا الكثير من اللوحات بعد تعارفنا وتطوّر علاقتنا، وبدا لي كم يفجّر الحبّ إمكانياتٍ ما كانت لتظهر لولاه، وكانت لوحاتُها الأكثر إقبالاً ومبيعاً في كلّ معرض يقام ونشارك فيه سواء في مرسمي أو في صالات العرض، مما منحها سعادة مضافة للسعادة التي يهبها العشق، لكن أكثر اللحظات نشوة كانت حين كنا نتشارك برسم لوحة سواء كان انبثاق فكرتها من عندي أو من عندها، ثمّ وقوف زوّار المعرض أمام لوحاتنا المشتركة دون أن يلاحظوا أن من رسمها فنّانان لا فنّان واحد، ويحدث أن نجرّب التنويه لصديق مقرّب بهذه الحقيقة فكان يستعصي عليه التمييز بين ريشتي وريشتها أو أسلوبي وأسلوبها.. وتضيع محاولاته التفريق سدىً.
تقول لي ريتا من حين لآخر:
- ماذا فعلتَ بي يا توأم الروح، وكيف أحلتَ حزن عيني بِشراً وسعادة، وكيف أعدتَ لي ثقتي بالإنسان وقوة الحبّ، بعد أن رأيتُ بأمّ عيني انتهاك الإنسانية وقتلها على يد الوحوش من البشر، وظننتني لن أقدر أن أنسى يوماً جحيم ما عشناه أنا وأسرتي وجميع من نزح ورأى نفسه بقلب الموت والسواد دون أي ذنب؟!
فأجيبها ورأسها على كتفي ويدي تمسّد شعرها المنسدل الناعم:
- من فعل بالآخر يا معبودتي.. أنا أم أنت؟!
ألا ترين كيف روّضت انفعالاتي وقدتني راضيا لسكينتي، وساعدتني للمضي معاً نحو هدفنا الواحد وأحلامنا المشتركة، وأضأتِ على مهاراتٍ ما كنت آبه لها لولا ملاحظاتك وعين البصيرة فيك؟!
تضحك ريتا وتغمز لي:
- كم يطيب لنا في الحبّ أن نعيد الكثير من العبارات والأفكار وحتى الأحداث ككلّ عاشقين دون أن نحسّ بالملل، بل ويبدو لنا أننا نقولها للمرّة الأولى.
- السبب بسيط جداً.. هو أنها تقال كلّ مرّة بإحساس مختلف ولسبب آخر ومن وحي حال مغاير، فتبقى شعلة الحب في اتّقاد ولا تخمد نار العشق حتى في شدّة القرب.
أقولها وأنا أقرّبها من قلبي أكثر وأحيطها بذراعيّ، فتبتسم في غنج هامسة:
- حاذر أن تكسر ضلوعي وأنتَ تضمّني شوقاً.. فأنتَ الساكن فيها.
ثم يمضي الوقت ونحن بين الصحو والغفوة غارقان في عالمنا الأثيري الخاصّ الذي لا يشاركنا فيه روح ثالثة، أنا وريتا التي..
"أحببتُها" منذ الأزل.. "وتحبّني" إلى أبد الآبدين.
"٤"
تحرّرتِ المدينة التي تعتبر مكان ولادة حبيبتي ريتا ومرتع صباها ومجمع تفاصيل ذكرياتها ونحن في أوج علاقتنا، في الوقت الذي كنّا نستعدّ فيه ليضمّنا معاّ عشّ الحبّ بعد خطوبة تمّت بمباركة أهلها وأهلي.
تحرّرتْ بعد قصص دامية دامت لسنوات، ستحتاج الإنسانية لمجلّداتٍ إن خطر لها أن تكتب عمّا شهده الوطن وأهله من موت وخراب وفساد وما لحق بالناس من شرّ وأذى على اختلاف انتماءاتهم.
إنه النصر حقّاً...
النصر الذي يستحقّ التهليل والاحتفال.
لكنه الفرح الحزين...
سيعود النازح ليقف على أطلال مدينته ويحصي عدد من مات ومن فُقد ومن سُجن ومن أُصيب ومن بقي، ثمّ يكون وحده أمام بهتة السؤال: ماذا بعد؟!
لم أرَ ريتا مضطربة مثلما رأيتها ذلك اليوم، ما بين فرح وتوتّر واستحضار لأيام الاحتجاز ثم النزوح، وبدت غير مصدّقة لحقيقة القضاء على التنظيم المسلّح وإجلائه عن مدينتها، ورأيتها كمن يستيقظ من كابوس طويل وما يعقب اليقظة من عدم تصديق وذهول.
صار محور حديثنا اليوميّ حول فكرة العودة للاستطلاع وتفقّد حال منزلهم، لحسم موضوع البقاء في بلدتنا أو العودة لمدينتهم المحرّرة، بينما يدور ألف سؤال في البال بلا جواب، ما دام لم يأت ولو خبر عابر عن حال المدينة بعد تحريرها.
بصعوبة بالغة استطعتُ اقناع ريتا ووالدها أن تؤجَّل فكرة العودة للمعاينة عن قرب واستطلاع الوضع إلى ما بعد زفافنا، حيث ستكون الجهات الرسمية المعنيّة قد أصدرت قراراً يسمح للنازحين بالدخول لتفقّد أملاكهم هناك، بعد أن تمشّط المدينة من الألغام والمتفجرات لتضمن سلامة العائدين.
قلتُ لريتا حاضناً كفّيها بين كفّيّ محاولاً بثّ السكينة بروحها المضطربة وأنا أراها ترتجف قبالتي كقشة في مهبّ الريح:
- تأكّدي يا حبيبتي أن سفرك قبل زواجنا ليس بصالح أحد لا نحن ولا أسرتك..
هل تصوّرتِ الوضع الذي ستكونين عليه قبل يوم الزفاف، وأنت ترين المدينة الجميلة التي شهدت طفولتك وصباك قد صارتْ أنقاضاً ودماراً؟!
فكيف لو أنه لا سمح الله كان وضع المنزل.....
صمتتُ ولم يطاوعني لساني أن أنطق بالمزيد.
ثم ابتسمتُ وأنا أحضن وجهها المبلّل براحتي وأمسح بقبلاتي الحنونة دموعها وأهمس لها:
- دعينا ننسَ لأيام كلّ شيء يعكّر صفو سعادتنا ونمنح أهلنا فرصة أن يفرحوا بنا، ونتذوّق من عنقود الحبّ ما لذّ وطاب، فحصرم الألم في الحياة يهون ما دام قلبي يعانق قلبك، إذ لا فرار من الألم ما دمنا علقنا على هذه الأرض.
وأعدك أن نسافر مع أبيك قريباً، لأنه سيحتاجنا حتماً في هذا المشوار الصعب، ثم لا تنسي أنني أعتبره بمقام ابي وسأكون له الابن الذي حقّاً لم يُرزق به، لكن الله أكرمه بثلاث زهرات كان حظّي منهنّ أوّلهنّ.. بنفسجتي العاطرة.
وهكذا كان... تمّ تأجيل حتى التفكير بالسفر لما بعد طقوس العرس وما يتبعه من مباركات وانشغال وعزائم ومشاوير ونزهات، وعدنا لننشغل بتفاصيل التحضير للعرس واستكمال ما يلزم البيت من أشياء .
كانتْ مشكلة السكن وهي المشكلة الكبرى التي يواجهها أيّ شاب مُقدم على الزواج قد حلّت خلال فترة خطوبتنا حين اقترحت أمّي أن نقسم منزلنا الواسع نسبياً فنستقلّ أنا وريتا بغرفتين ونستفيد من جزء من الحديقة لبناء المطبخ والحمّام، فكان ذلك عرضاً مغرياً لنا تزامن مع عقد عمل تمّ بيني وبين مجلة عربية للأطفال لأتولّى رسوم قصصها، وكنت كلّي ثقة أن وجه ريتا خير عليّ ودعواتها مستجابة، وبتنا نستعجل الأيام لقدوم اليوم الموعود ونحن نتدبّر أمور الأثاث البسيط بمساعدة الأهل واقتراض مبلغ من مصرف التسليف يتمّ تسديده خلال سنتين، وبطبيعة الحال لم تكن ريتا متطلّبة لا في جهاز عرسها ولا في حفل الزفاف لتتمّ نعماء الله عليّ ورضاه عني بتوأم روحي وشريكة حياتي.
تزوّجنا أنا وريتا في حفل بسيط ضمّ الأهل والأصدقاء وبعض المقرّبين…
حبيبتي الجميلة ريتا ترفل بثوبها الأبيض كأنها الكوكب الدرّي، تحيطها هالة نورانية، كحورية قادمة من كتاب الحكايا والأساطير، وأنا أشعر كأن قلبي يكاد ينخلع من صدري وكلّ من في القاعة يسمع تسارع دقّاته.. رغم صوت الأغاني والزغاريد.
هل هذا حقّاً حفل زفافي على أميرتي؟؟!!
أم تراني أحلم؟؟؟!!!
ورحت أتوسّل وأنا أغرق في بُنّ عينيها اللتين زادهما الكحل سحراً:
يا ربّ إن كان حلماً لا توقظني منه
يا الله ساعدني لأتحمّل كلّ هذا الجمال الذي أنعمت به علي
وكن معي يا مولاي لأسعدها وأتممْ نعمتك علي بأن أحيا معها العمر كله.
أما هي..
فلم تغادر عصفورة الضحكة شفتيها لحظة إلّا لتعود إليهما من جديد بينما تشعّ عيناها بألف نجمة عشقاً وفرحاً وأملاً بجنة واعدة سنحياها معاً، ولم أدرِ هل كنت سعيداً بها أم سعيداً لسعادتها، فقد اختلط عليّ الأمر لأننا لم نكن حينها إلا بلبلاً ووردة في رقصة التجلّي والجمال، أو رفيف فراشتين في محفل النور.
لن أحدثكم عمّا يدعونه "شهر العسل" الذي قضينا بعض أيامه في شاليه على البحر، بل سأترك لخيالاتكم أن تصوّر السعادة بأقاصيها والعشق بذروته، ليس لأني أخاف علينا من شرّ الحسد، بل رأفة بمن حُرم من أن يلتقي بتوأم روحه أو أن يتوّج عشقه له باللقاء، ولأن تفاصيل تلك الأيام ونشوتها الخالصة كانتْ أشبه بنبيذ معتّق وأنا حتى اللحظة سكران بمذاقه، رغم كلّ ما سبق ولحق من حصرم الألم.
"٥"
أعترف لك يا ريتا، وقد وصلتِ الآن في قراءة رواية "حصرم الألم" لهذا الفصل بعد طباعتها، وعلمتِ لمَ أحجمتُ عن اطلاعك على مسودّته مسبقاً لأبقيه لك مفاجأة وأسمع جملتك الأجمل التي تعبرين بها عن دهشتك وسعادتك إثر كلّ هدية معنوية أو مادية: " حبيبي الذي لا تنقضي عجائبه"، يا صحوي وسكري والعنب الحلو في حصرم عمري.
لقد خطرتْ فكرة تدوين قصّة حبّنا فجأة كوميض شهاب عابر في ليلة صيفية، حين رآني أتأمّلك نائمة كالملاك مسدلة الأهداب في دعة وسكينة غارقة في ملكوت عالمك الأثيريّ بأنفاس خافتة منتظمة، أسبّح الله في سرّي كي لا أوقظك بتمتماتي، على جمال ما أبدع وخلق من رقّة وتجلٍّ وحدي أستشعر تفاصيله وأنعَم به، رغم أني أخبرته أني لا أعير أهمية لجعل عشقنا قصة تروى يقرأها القاصي والداني مهما بلغ أثرها بوجدانه، حسبي أني أعيش نعيمها في جنّة لا مقطوعة ولا ممنوعة، يا رحمة الله التي أرسلها لي ويا رضاه ورضا والديّ عني، أنا الذي بلغت مقام اليقين بأن حكايتي معك لا تضاهيها أيّ من قصص الحبّ التي أقرأها في الروايات وتجذب الملايين للإعجاب بها، فكأنها السرّ المحفوظ في دفّات الصدور أو اللؤلؤ المكنون في عتمة الصدف، جماله لنا وحدنا، وحدنا فقط.
لكن السكينة التي أخلدتِ بها للنوم كان لها سحر وسطوة جذبت سلاطين الوحي صاغرين وجنّدت ملائكة السماء لتعود بي سنوات للوراء وربما لما قبل الخلق يوم كنا بعالم الذرّ عناق روحين قبل هبوط التجسّد، وليس كالنوم ما يبدي حقيقة الإنسان، بعد أن تهدأ أمواج الفكر المضطربة ويخفت ضجيج الأنا وإثبات الذات، فلا صوت ولا حركة بل هدوء تام كهدوء الطبيعة في غبش الصباح، فكأنك اللوحة التي فتنت بها وأسماها مبدعها الرسّام "الجمال النائم"، وأعذر الفنّان إذ أطلق عليها اسماً، رغم أني كما عهدتني لا أطيق حبس الفنّ ولا الأدب بعناوين، فحقّ القارئ أو المتذوّق أن يسمّي الإبداع بما يشاء، فكم قصّ العنوان جوانح الخيال وحدّ من تحليقه، لكنّ لوحة "الجمال النائم" كانت اسماً على مسمّى، ولو أن الرسّام جرّب أن يختار أيّ اسم آخر لفتح باب التأويل والتكهّن، لكنه أبداً لن يكون روح اللوحة كهذا الاسم.
هو ميقاتي لأمارس عبادتي في تأمّل ملامح وجهك بلا أيّ تعبير أو انفعال فارغاً حتى من مشاعر السعادة، كما أتأمّل بحيرة عذبة صافية فيلوح لي قاعها، أما وجهي فقد غمرته غبطة وشت بعشق سرمديّ ليس به قبل وبعد، ولو قدّر لك أن تفتحي عينيك لرأيت حارسك الأمين يحصي أنفاسك الخافتة نفساً ونفساً ويتعبّد في لطف محيّاك مبتهلاً: "اللهم اقبل صلاتي واحشرني مع من أحبّ، فلا حشر يطيب إلا مع الحبيب".
سألتِني قبل أن تنامي إن كنت أرغب بالنوم فابتسمتُ وقلت:
نامي يا حبيبتي فأنت متعبة، وأنا سأقرأ قليلاً في هذه الرواية التي سمعت أنها حازت على جوائز عالمية، حتى يهيمن عليّ سلطان النعاس وأتبعك إلى عالم أهدأ وأنقى وأنظف.
وسمعتك تتمتمين بين الصحو والغفوة: "غداً ستحكي لي عن هذه الرواية، فمنذ زمن لم أعد أجد الوقت لقراءة الروايات كسابق عهدي".
أقبّل جبينك كأني أقبّل أيقونة وأمسح شعرك بباطن كفّي الذي استودعته كلّ حناني وحبّي وأنا أتوسّل أن تحميك السماء من كلّ شرّ.
وأشرد عن الرواية بين يديّ مفكّراً يا حبيبتي بكلّ المتزوّجين وأصحاب الخبرة الذين أجمعوا على أن الزواج مقبرة الحبّ، وأن الحبّ بعد الزواج يطفئه الاعتياد، وأغبط نفسي جازماً أننا من الشواذ الذين سيزيدهم الزواج شغفاً وتعلّقاً وما كان عناق الأجساد إلا كتحصيل حاصل لانصهار الأرواح.
ثمّ يا حبيبتي، هل كنّا لنتزوّج لولا أنك كنت مثلي ترين أن الحبّ هو الدرب والغاية لتصبح الثنائية وحدة، وتجعل الشراكة بين جسدين ونفسين تداخلاً يصعب فصمه، وأن الحبّ يتربّى ويقوى يوماً بعد يوم إن كان حقّا ليس انفعالاً آنياً أو هوى وميل قابل للانقلاب، وكم من حبّ عاصف تحوّل لنفور، وكم من زواج باطل يأخذ شريّعته من ورقة كما تبطله ورقة، هو اغتصاب وجدانيّ ونفسيّ وقهر إنساني من طرف تجاه الآخر أو من مجتمع تحكمه العادات لكلا الطرفين.
هل تذكرين....
أسمع رنين ضحكتك ملء سمعي رغم اغفاءتك في ملكوت النوم والسكينة وأنت تقاطعينني قبل أن أكمل جملتي:
- حبيبي جواد.. تعرفني نسّاءة فلا تختبر ذاكرتي، لأني أضمن لك فوزك عليّ يا أستاذ التفاصيل والتواريخ واستحضار حتى وهج المشاعر وكأنها بنت اللحظة.
ابتسم كالمسحور مأخوذاً بهذه الضحكة التي أعشق، وبادّعائك النسيان الذي يتهاوى مجرّد البدء بسرد الحدث وأتابع:
- هل تذكرين تلك اللحظة المذهلة التي أرسلت لي بها بعد صباح الخير ما نسخته من أحد المواقع بعنوان "توأم الروح" بنفس الثانية التي أرسلتُ لك بها نفس المقال، وضغطنا معاً على تعبير "أدهشني"، وكلانا مذهول مما يحدث معنا منذ تعشّقت روحي روحك وروحك روحي، وأيقنّا أن الله كان الكاتب والشاهد على هذا العقد السماويّ الأرضيّ غير القابل للانفصام، وأن ما يحدث معنا خبرة كونية عظيمة وكأننا لسنا سوى حرفيّ الكاف والنون بيد الوجود ما أن تعانقا حتى قال كلمته "كن" فكان.
- كان المقال يعدّد سبع علامات لتوأم الروح، وكأنه يتحدّث حرفياً عنا، نحن اللذان ظننّا أن لا مثيل لنا ولا شبيه لقصّة حبنا.
- أرأيت أن ذاكرتك قد تفوق ذاكرتي وليست كما تتندرين قائلة أنها كذاكرة السمك!
- لقد سمّيتك محامي الدفاع عني منذ أول بوح بيننا، حين رأيتك ترفض ما أطلقه على نفسي من صفات لا تروقك وتبدأ باستبدالها بصفات محبّبة كأنك أخبر بي مني.
- حسناً يا موكّلتي ماذا قال المقال عنا؟!
- قال.. ستعرف بحدسك وقلبك توأم روحك حين تقابله، وستشعر باتّصال روحي فوري وبجاذبية غريبة وتكون أمامه كالمسلوب تختبر شعوراً لم تعرفه ولا يشبه كلّ ما عشته سابقاً، سيبدو لك أنك التقيته من قبل، ولكن أين ومتى.. لا تذكر، ثم سيذهلك التوافق العاطفي والعقلي والروحي والكيميائي والفيزيائي بينكما، الذي سيبدو وكأن يداً سماوية ترسمه وتديره بمنتهى الربوبية والقدرة والإدهاش، وتصل ليقين أن الكون رسم خطّته ليجمعك به وأحكم نسج الخيوط بطريقة عجيبة.
ثمّ تابعت وهي تفيض رقة وحناناً وعذوبة غارقة في سواد عينيّ:
- أليس هذا ما حدث معنا يا روحي؟ ومهما نسيت كيف لي أن أنسى يوم عدتُ من مرسمك بعد أوّل زيارة له .. لم أنم ليلتها مثلك تماماً، وأنا أسمع وجيب قلبي ودقّاته المتلاحقة ولم أصدق كيف ستمرّ الأيام لألتقيك مجدّداً.
انتبهتُ فجأة لأجد ريتا ما زالت ترقد قربي فلا هي ضحكتْ ولا هي قالتْ، بل روحها التي تسكنني منذ الأزل.
نامي يا توأم الروح، فأنت معي، في النوم أو في اليقظة، في الوعي أو اللا وعي، ولا زمان ولا مكان يحدّان قصة عشقنا.
نامي يا طفلتي وحبيبتي وصديقتي وأمّي وكلّي.. نامي يا معبودتي وسأرقيك بآيات حبّي لتحفظك السماء بطمأنينة وسلام.
وحدك من أيقظ في داخلي جوهري الحقيقي ووحدك من عشقتها كينونة كاملة واعية لا عن نقص ولا احتياج، ولم أخجل لحظة أمامها من ضعفي أو عيوبي وطباعي، ولم اضطرّ للتبرير أو التفسير لأيّ من سلوكياتي، لأنك كنت كذلك معي مرآة شفيفة صافية، لا تحتاج للكذب والمواربة، حرّرها العشق من مخاوفها القديمة فازهرت أحلامها فنّاً وشعراً ومهاراتٍ لم تخطر يوماً ببالها لتفيض حضوراً يعلن:
إنه الحبّ....
يخرج أجمل ما فينا...
ويبعثنا كلّ حين بحالٍ جديد.