محمد محضار - طابور العالم الأخر...

كان الظّلام ما يزال يَحتض المدينة ويَنشر عَتمته، وكانت الأجواء الباردة تحط الرِّحال، لأن الفصل كان شتاء، ودرجات الحرارة تتهاوى إلى درجات قياسية، بشكل يجعل ظُروف الحياة قاسية لمن لا مأوى لهم من المشردين والبؤساء.
اِستيقظ مُولود مبكرا كعادته، ألقى نظرة على ساعته، تبين له أنها قد تجاوزت الرابعة صباحا بعشر دقائق، اندفع مُغادرا البيت، تاركا خلفه زوجته مستغرقة في نومها، عندما أصبح خَارج البيت شعر برطوبة الجو واِنتابته قشعريرة شديدة نتيجة لسعات البرد القوية فرفع ياقةَ مِعطفه ولفّ وِشَاحه الصُّوفيّ حول عنقه، ثم مضى يَسْتَحِثُّ الخُطى نحو نُقْطةِ بَيْعِ الحَلِيب.
هِيَ مِحنة صباحية يعيشها مِثل غَيره مِن بَنِي جِلْدته، حَيث أصبحت طَقسا يوميّاً يَبْدأُ مع تباشير السَّحر و يَسْتَمِّر حتى مطلع الفجْر، يتكون طابور طويل يتجاوز أحيانا مسافة المَيْل، تَشُوبه عادة المشاحنات والخصومات المتبادلة بين الأضِنَّاء، التِّي قد تَصِل أحيانا إلى تبادل الضَّرب المُفْضِي للجُرح.
عندما وصل إلى نقطة البيع كان الكثيرون قد سبقوه إلى أخد أماكنهم في طَابور الصَّباح، وهم يتدافعون بالمَنَاكِب والمَرَافِق، في اِنْتِظَار ظُهور شاحنة الحليب، تقطع من الزَّمن رَدْحٌ والنَّاس في حالة شرود، ووجهوهم المَكدودَة يبدو عليها التَّجَهُّم والتَّرَقُّب، بَعد طُول اِنتظارٍ جاءت الشَّاحنة وبدأت عَمَليّة البيع، تعالى الصُّرَاخُ وزَادت حدة المناوشات، "شكارة حليب" تُساوي معاناة وألماً، كان مُولُود يحس بدونية غريبة، وغربة قوية بين أهله وذويه، ولديه قناعة أنه مواطن من درجة "بَئيس"، والبؤْس بَند أسَاسِيٌّ في دستور البلد، يُقابله بَنْد الثَّراء الفَاحش الذي تَسْتَأثِر به عُصْبة من كِبار القوم الذين يَتَسَلّون بعذابات أمثاله، ولا يتردّدون في تبذير خيرات البلاد على كل من هب ودب، لهم المغاني الكبيرة وله ولأمثاله الجوع والطوابير، لهم البذخ ونادي العرعر وله ولأهل الفاقة بيوت القصدير وحاويات القمامة، هم يستمتعون "بالبطوشيات" الثخينات غير العفيفات وله ومن على شاكلته الناطحة وما أكل السبع، لهم ريع الغاز والذهب الأسود وله ومعه أحباب الله من المدجنين، الشعارات الرنانة وشماعة "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، و خرافة دعم تقرير مصير الشعوب.
نظر إلى ساعته، مضى من زمن الوقوف ساعتان، والطابور يتحرك بِبطءٍ شديد، كانت تقف بجوره سيدة عجوز لا تكاد تقيم أوَدها، تستند إلى عكاز خشبي، رقّ قلبه لها وأحس بحزن وشجن وهو يراها ترتعش بسبب درجات الحرارة المنخفضة وشدة البرد القارس، سألها بصوت خافت: " أليس لك يا خالة ابن يحُلُّ محلك في هذا الطابور المقيت"، ردّت العجوز بصوت يشوبه الشجنُ : " بلى كان لي ابن، لكنه صار طعاما لسمك البحر الأبيض المتوسط بعد أن ضاق به الحال وفقد الأمل في وطن لا يرحم أبناءه، رغم الخيرات والثروات التي تختزنها أرضه الطيبة".
جاء دوره بعد طول صبر ومعاناة، ابتاع كيسي حليب، ضمهما إلى صدره كطفل وليد، وانطلق يعدو وهو سعيد بما ظفر به، فالأمر جلَلٌ في وطن باع أهلَه، لأنه سدرة المنتهى وغَايَة المرتجى.
دخل البيت وقد تملكه نوع من الخيلاء، وكيف لا وقد ظفر بما عزّ على غيره، حليب مبستر في كيس من البلاستيك، وضع غنيمته في المطبخ وأيقظ زوجته أم السعد وأبناءه الثلاثة من النوم.
محمد محضار 15 يناير 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى