ليلى تباني- قراءة فلسفية مقارنة في روايتي البطء وكائن لا تحتمل خفته للروائي الفيلسوف "ميلان كونديرا" البطء والخفّ

بين بطء ينشد اللّذّة و خفة تقدّس الصورة"، رحلة بحث مضنية عن المعنى .

البطء زمن ثقيل مخاتل لذيذ ، يُعاد تشكيله باستمرار داخل الوعي المبتور من الخفّة المهيمنة على زمن تسوده السرعة و السطحية ، و تسمه النرجسية الرقمية، وتضيع فيه اللذّة و العمق والخصوصية . وبين الخفّة والثقل والبطء تناصّ فلسفي وسجال وجودي وجدل معنى ،أين يستكشف كونديرا بتهكّم وسخرية ، ثلاثية فلسفية وجودية على درجة عالية من الأهمية ، تحيلنا تلك الثلاثية الفلسفية إلى السؤال :

ــــ هل من الأفضل أن نحيا بخفة و بلا مسؤوليات، أم بثقل، حيث كل القرارات ذات معنى؟ وما معنى البطء كأيقونة أدبية تحمل فكرة فلسفية مهمة جدا ؟

يتأمّل كونديرا الفكرة وليس الأحداث ، قيقول أن الخفة المطلقة قد تكون فارغة، والثقل قد يكون خانقًا، لكنهما معًا يشكلان التجربة الإنسانية. ، على الرغم من هذا التفسير القريب الى غاية الكاتب من طرح فكرة الخفة والثقل ، إلاّ أن هناك من الآراء التي تذهب الى تأويلات أخرى .

بعد قراءات عديدة لأعمال كونديرا ، اتضح أنها تكمل بعضها وانها تصب كلها في بوتقة واحدة هي النضال ضد السلطة والدعوة الى الحرية والعودة الى الطبيعة ونقد عصر التسليع والسرعة و تثمين القيم العليا . فيتطرق إلى قيم الكون العليا كالحب الذي يراه غموضا فلسفيا ، يكمن في التناقض الحاصل في الشعور بين الألم والعذوبة والخفّة والتكلّف ، والاختيار والصدفة ، ليجد المحبّ نفسه حائرا يتساءل :

ــــ هل أنا أحب هذا الشخص لأنه استثناء ؟ أم لأنّه تكرار لصورة داخلية أنا أبحث عنها أم هو صرخة لصوت مدوٍّ بداخلي ؟

ويذهب كونديرا أعمق من ذلك ، فيطرح فكرة النسيان ويرى أنه أكثر قسوة من الموت وان الانظمة الشمولية تمارس النسيان بشكل تعسفي على الشعوب وتفضي تأملاته إلى أن "النضال ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان" ( 1) ، لكنه يربط الذاكرة بالبطء من جهة أخرى فيرى في احدى رواياته وضمن تأملاته أنّ الثنائية بين البطء والخفّة تمثل واحدة من أبرز الثيمات الفلسفية والأدبية في أعمال ميلان كونديرا، خصوصًا في روايته "البطء" (La Lenteur) الصادرة عام 1995، والتي تتقاطع في روحها مع أفكار سبق له أن تناولها في "خفة الكائن التي لا تحتمل" (La Légèreté de l'être) عام 1984. في فلسفة كونديرا، البطء ليس مجرد إيقاع، بل هو موقف وجودي ضد التفاهة والاندفاع. والخفّة ليست مجرد شعور، بل تحدّ وجودي يضعنا أمام سؤال جوهري:
هل نفضل حياة تغوص بثقل المعنى، أم حياة تطفو فوق السطح دون جهد؟

فالبطء كقيمة وجودية وفكرية يربط بين التأمل والذاكرة والرغبة الحقيقية في عيش اللحظة . كما يرتبط بالزمن الدائري الذي يخلّد اللّحظات ، يرى كونديرا أنّ البطء على علاقة وثيقة بالذاكرة كما انّ الاخيرة ليست وسيلة لحفظ الماضي فقط، بل هي فعل مقاومة ضد الاندثار والنسيان ،تلك اللحظة من الذاكرة التي تخلق لحظة الخلود الفارقة حيث لحظة واحدة يمكن أن تختصر وجودًا كاملاً ،فما الزمن سوى ماض وحاضر يتداخلان بشكل حلزوني يعيد تشكيل الماضي في اللحضات الحاضرة وفق وعي ورغبة و إرادة .

يسمح البطء للإنسان بأن يحيا بعمقو يتأمل في ذاته وفي العالم ، يرتبط بالحنين والرغبة والحب، وخصوصًا تلك المشاعر التي تتطلب وقتًا ومساحة نفسية كي تنضج ، يبرز هذا الموقف من خلال مقارنة كونديرا بين مشهدين لعاشقين، أحدهما يسير ببطء ويمنح الرغبة وقتًا للنمو، والآخر يندفع بسرعة نحو المتعة، فيفقد جوهر التجربة ، فلو تعمقنا أكثر في نصوص كونديرا نجد أنّه امتطى الكلمات ذات المعاني العميقة المتشظية ، كي يبرز لنا أنّ البطء مثلا هو شكل من أشكال التمرد على عصر السرعة ، أمّا الخفّة في مقابل البطء فترتبط بانعدام الجذور و بغياب المعنى، وكأن الشخص يعيش بلا عبء أو مسؤولية. كونها مغرية و مخيفة أيضًا، لأنها تجعل الحياة تبدو سطحية وعابرة.

امتدت فكرة الخفة في "البطء"، حيث تجلّت الخفّة في اندفاع الإنسان الحديث نحو السرعة و الاستهلاك و اللحظة العابرة ، وصارت علامة يتسم بها العصر الحديث ، وجد كونديرا نفسه من أشدّ المنتقدين لللمركزية ومقومات الحداثة من جهة ومن جهة اخرى من ألدّ أعداء السرعة المفرطة ، فكان ممن انتقدوا ثقافة تقديس السرعة ، لأنّها حسبه تفقر التجربة الانسانية ، فالانسان السريع لا يتأمّل ، ولا يتذكر ، ولا يشعر (لا يعيش اللحظة ) فهو فقط يعبر ، كانّه يعيش على السطح .

إنّ العلاقة الوطيدة بين البطء والذاكرة ، وبين السرعة والنسيان تكاد تكون علاقة سحر غير مصرّح به ، فالبطء لا يعني بالضرورة العطلة بمفهومها السلبي والسكون والجمود الذي يعاز للبطء ،كما أنّ الخفّة لا ترتبط بالضرورة بالتسرع والعجلة ، و لا تنتج لنا حتمية السطحية وقلّة الاتقان ، فقد تكون النتيجة عكس ما نتوقع ، فلنفكّر قليلا ، بل علينا أن نتأمّل بعمق في ذلك التفكير القليل والكلمات الضئيلة في نصوصه ، فيصل كلّ منا بعد قراءة نصوص كونديرا إلى تأويليات تعدّدية قد تتقاطع عند سؤال المعنى ، الذي يفضي بنا إلى اشكالية ما إذا كان انسان اليوم يريد حياة بطيئة عميقة محمّلة بالألم والمعنى ؟ أم يرغب بحياة خفيفة سريعة مليئة بالهروب والسطحية والافتراض الموسوم باللذّة المؤقتة ؟














1 ــــ كتاب "الضحك والنسيان"، ترجمة أنطوان أبو زيد، الصادر عن دار الآداب بيروت ، عام 1990 ، الطبعة الثالثة ، ص 22

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى