– "أنا أخافه..."
– "تخافين من ابنك، يا نجلاء؟"
قالت بصوت متحشرج: "كلّما كبر، أشعر أنه... سيكسرني، يخونني، يتركني... مثل كلّ الرجال الذين عرفتهم."
منذ أن بلغ سليم الخامسة، لم تعرف نجلاء طمأنينة النوم. كانت تصحو على نظرته الساكنة، في عينيه ظلّ أبيه، تحدّقان فيها كأنهما تفضحان سرًّا دفينًا.
ذات مرّة، حطّم دمية صغيرة حتى انكسرت يدها، ثم قال بهدوء:
– "ما بيحبّش ماما."
ارتعشت، وضمّته إلى صدرها، لكنه ظلّ يحدّق في الفراغ. ومنذ تلك الليلة، بدأ الخوف ينبت كشوكٍ في قلبها.
اقتربت منها أمها رحيمة ، ونظرت إلى قلبها المتخشّب كلوح جليد لم تمسّه شمس، ثم قالت:
– "سليم مش واحد من رجّالتك... ده ابنك. يمكن يكون الوحيد اللي لسه بيحبّك من غير شروط."
منذ الطلاق، خفتت ضحكات سليم.
تزوّجت نجلاء من فؤاد، المحامي المعروف، لكنه لم يكن سوى ظلّ قاتم يخنق الطفل ويجلده باسم "التربية".
رفعت نجلاء شعارات الحريّة والمساواة، كأنها أعلنت الحرب على كلّ الرجال.
أما حسن، زوجها الأول، فكان مهندسًا مهذّبًا، من عائلة كبيرة ومرموقة، يتحدّث الجميع عن تواضعه ورقيّه، وضحكته الصافية.
لم تمنحه بسمة، بل أهانته أمام الناس، وصرخت فيه أمام سليم:
– "إنت ولا حاجة!"
كان حسن يغضب، يثور، يتشاجر معها، وهي لا تكلّ من الشكّ، ولا يجفّ سيل اتهاماتها:
– "أنا ليّ حقوق، وإنت عليك مسؤوليات. لو مش قدّها، ليه تعذّب بنات الناس؟"
وحين انفجرت فيه، أخذت سليم، وغادرت بكلّ متعلّقاتها: ذهبها، حليّها، أشياؤها الثمينة.
، ولجأت إلى فؤاد، المحامي الشهير بلعبه المزدوج.
استغلّت القانون والشعارات، زعمت الضعف، ثم تزوّجته، وكان هو يمسك بخيوط كلّ شيء.
في الصف الخامس، رسم سليم وجهًا بنصفين: نصفٌ مبتسم، ونصفٌ مشوّه بعين باكية.
سألته المعلمة:
– "ده مين؟"
قال:
– "أنا... ومش أنا."
خافت المعلمة، واتصلت بأمّه.
رأت نجلاء الرسم... ثم مزّقته.
عاد سليم يومًا متأخرًا بعد مباراة كرة قدم مع أصدقائه.
فتح الباب، فاندفعت ريح باردة إلى الداخل، كأنها روحٌ هاربة من قبرٍ قديم.
أغلق الباب ببطء، بينما صوت فؤاد يرتفع من الداخل:
– "اتأخّرت ليه؟"
لم يُجب، نظر إلى الأرض. فانقضّ عليه فؤاد كصقرٍ جائع، قبض على كتفه، وهزّه بعنف، ثم ألقاه أرضًا.
كانت نجلاء جالسةً على الأريكة، تدخن سيجارتها بتأنٍّ، عيناها على شاشة التلفاز، كأنّ المشهد لا يعنيها.
– "بتتوجّع؟ تستاهل!"
صاح فؤاد وهو يسحب الحزام من خصره:
– "أنا اللي مأكّلك وشاربك، تنزل من غير إذني؟"
نجلاء لم تلتفت، لكنها قالت ببرودٍ هادئ:
– " لازم يتعلّم..."
سحب فؤاد الحزام، وصفعه على ظهره.
صرخة خرجت من حلقه.
– "قُم اعتذر!"
لم يتحرّك.
اقترب فؤاد أكثر، جثا على ركبتيه، همس في أذنه:
– "لو ما اتعلّمتش الأدب، هشربك المرّ."
ظلّ سليم منكمشًا، يتنفس بصعوبة.
أمسك فؤاد شعره، وجرّه على الأرض حتى المطبخ، فتح الماء البارد، وسكبه عليه.
وقفت نجلاء على الباب، وجهها جامد كالحجر.
– "يا نجلاء، الولد دا محتاج إعادة تربية."
– "اعمل اللي إنت شايفه."
ضحك فؤاد ضحكة شيطانية، ثم رمى سليم على الأرض وهو يلهث.
في المساء، جلست نجلاء بجواره، تمسح الدم عن فمه، همست كأنها تحنو:
– "لما تكبر، هتفهم إنك لازم تكون قوي..."
لكن سليم لم ينظر إليها، كان يحدّق في السقف، كأنه يرى شيئًا لن ينساه أبدًا.
لكن رحيمة ، بقلبها الذي شاخ من الحزن، لم يعد يحتمل عذاب حفيدها.
في لحظة حنان جريئة، أخذته منها... سرقته كما تُسرق القطعة الأخيرة من قلبٍ متشقّق.
ذهبت رحيمة لزيارتها كأيّ أم... تقضي ليلة وتعود، لكن في الصباح كانت قد اختفت، ومعها سليم.
استيقظت نجلاء ولم تجد أثرًا، فاشتعل الغضب في صدرها كحممٍ خامدة تفجّرت.
راقب فؤاد الموقف من بعيد، وقال:
– "هتتصرفي إزاي دلوقتي مع أمّك؟"
ردّت بلهيب عينيها:
– "!هخليها تندم..."
كانت تظن فؤاد صارمًا، لكنها لم تعلم أن الصرامة قد تنقلب قسوة تنهش الأرواح.
***
رحيمة كانت تعرف... تتذكّر نجلاء صغيرة تبكي في الحمّام، تمزّق صورة أبيها بعد أن تزوّج على أمّها، نعم، تزوّج على رحيمة نفسها، وأنجب من غيرها، فكسر قلبها، وأطفأ بداخلها أمانًا لم يعد.
رأت نجلاء في عيني أمّها انكسارًا لا يُرمم، وتعلّمت أن الرجل، مهما بدا حنونًا... لا يُؤتمن.
***
في غرفة خافتة، انفجر الصمت بين نجلاء ورحيمة
صرخات مكتومة، دموع محتبسة، شتائم حائرة على طرف اللسان.
– "إزّاي تسرقيه مني؟!" صاحت نجلاء، عيناها تلمعان كسيفٍ مسلول.
– "بتسمعي صرخاته؟ بتشوفي خوفه ورا ضحكته؟" ردّت رحيمة بصوتٍ مجروح.
كان سليم واقفًا، يبكي ،يحمل وجعًا أكبر من سنّه، قال:
– "ماما... مش عايز أرجع هناك.."
رحيمة شدّت على يده، تمنحه صبرًا هادئًا.
ثم دخل حسن... وجهٌ لم يخفت نوره في قلب سليم.
قالت رحيمة :
– "تعال يا ابني، جيت في الوقت المناسب."
– "بشكرك، إنك أنقذت ابني من إيد أمه وجوزها."
– "عارفة إن بنتي ظالمة... بنتي، وأنا أكتر واحدة عارفاها، حتى أبوها ما سلِمْش من أذاها."
صرخت نجلاء:
– "إزّاي يا ماما تتآمري عليّا مع طليقي؟! إنتِ مش ممكن تكوني أمي!"
قالت رحيمة بصوتٍ يغلي وجعًا:
– "حتى أبوك، اللي في المستشفى بين الحياة والموت، مش بتسألي عليه. الراجل نفسه يشوفك قبل ما يموت... مش بتسامحيه عشان اتجوز عليّا؟ وأنا نفسي نسيت خلاص، وسامحته... لكن إنتِ؟ مش إنسانة."
مدّ سليم يده لوالده، يبحث عن دفءٍ قديم.
ونجلاء، وسط فوضى إحساسها، شعرت بالخسارة..
صمتت. بعينين بلوريتين، دمعة انزلقت كأنها خيانة... مسحتها سريعًا كأنها عار.
قالت:
– "هتشوفوا أنا هعمل فيكم إيه... فؤاد هيعلّمكم الأدب... وابني هاخده... وإنتِ يا أمي، هتدّفعي تمن اللي عملتيه."
**
هي لم تنس قط كلمات أمها رحيمة بعد زواج أبيها، وهي طفلة صغيرة.
– "أبوك خانّي! خلّاني أنام جنبه سنين وهو بيحب غيري!"
ومن يومها، قرّرت: لا بكاء، لا ثقة، لا حب.
وحين قال سليم:
– "أنا بحبك يا ماما..."
دفعته ببرود:
– "ما تحبّش حد! الحبّ ضعف... وأنا مش محتاجة ضعفاء."
نظر إليها بخوف... صغيرًا، لكنه شعر أن قلبه انكسر.
الحاجة رحيمة رأت نجلاء تنمو وخوفها على وجهها، تنفر من حنان أبيها، ترى في صوته تهديدًا، وفي دموع أمّها هزيمة، وتظن أن الأمان في السيطرة.
في العشرين، أحبّت "حسام". شابٌ مختلف... هادئ، يقول ما لا يُقال، يضحك، يهمس، يقدّم الحلوى كما يُقدَّم الطُّعم.
قال لها على البحر:
– "إنتِ نار... والنار تمشي قدّام."
قالت:
– "وإنت تمشي معايا؟"
– "أنا مع اللي تكسبني... وإنتِ دايمًا بتكسبي."
لم تعلم أنه صيّاد ماهر .
نارها أثارته لا ليرتبط، بل ليهرب.
أحبّته بصدق، فاختفى.
سمعت من صديقتها أنه خطب بنت خالته.
ضحكت وسط الناس، ثم قالت ببرود:
– "أنا ما بطيقش الرجالة...
ومن يومها، صار كل رجل "حسام"... حتى حسن.
قال لها مرّة:
– "أنا بحبك."
نظرت إليه كمن يرى ضعفًا قاتلًا:
– "الحب ده بتاع البنات الغبية."
شيئًا فشيئًا، بنت حصنها: المال.
رأت فيه الحصن الحقيقي، الدرع الوحيد، الأمان الصلب.
الرجال يتغيّرون، يخونون، يرحلون... لكن الأرقام لا تكذب.
بنت بيتها، رفعت جدرانه بالحذر، ورسمت على كل باب جملة واحدة:
"الأمان في المال، لا في الرجال."
**
عادت إلى البيت... بحثت عن فؤاد. لم تجده.
الدواليب مفتوحة، الخزائن خالية، حسابها البنكي مُجمَّد.
هياج... غضب... انهيار...
أُسقط في يدها.
كيف؟ كيف هرب؟
كيف انهار "أمانها" بهذه البساطة؟
كيف سرق فؤاد كل شيء... وتركها عارية؟
دخلت غرفة سليم بعد رحيله.
قرأت دفاتره.
نظرت إلى مجسّم كرتوني كُتب عليه: "أنا وأمّي... أقوى من العالم."
انهارت تبكي... لأول مرة منذ الطفولة.
ذهبت إلى المستشفى حيث يرقد والدها... لكنها لم تجده حيًا.
قالت الممرضة بحزن :
– "كان مستنيك... آخر كلمة قالها : بنتي نجلاء..."
سقطت على الأرض.
صرخت... صرخة من جوفها، كأنها تُخرج حياة كاملة.
لكن... لم يسمعها أحد.
– "تخافين من ابنك، يا نجلاء؟"
قالت بصوت متحشرج: "كلّما كبر، أشعر أنه... سيكسرني، يخونني، يتركني... مثل كلّ الرجال الذين عرفتهم."
منذ أن بلغ سليم الخامسة، لم تعرف نجلاء طمأنينة النوم. كانت تصحو على نظرته الساكنة، في عينيه ظلّ أبيه، تحدّقان فيها كأنهما تفضحان سرًّا دفينًا.
ذات مرّة، حطّم دمية صغيرة حتى انكسرت يدها، ثم قال بهدوء:
– "ما بيحبّش ماما."
ارتعشت، وضمّته إلى صدرها، لكنه ظلّ يحدّق في الفراغ. ومنذ تلك الليلة، بدأ الخوف ينبت كشوكٍ في قلبها.
اقتربت منها أمها رحيمة ، ونظرت إلى قلبها المتخشّب كلوح جليد لم تمسّه شمس، ثم قالت:
– "سليم مش واحد من رجّالتك... ده ابنك. يمكن يكون الوحيد اللي لسه بيحبّك من غير شروط."
منذ الطلاق، خفتت ضحكات سليم.
تزوّجت نجلاء من فؤاد، المحامي المعروف، لكنه لم يكن سوى ظلّ قاتم يخنق الطفل ويجلده باسم "التربية".
رفعت نجلاء شعارات الحريّة والمساواة، كأنها أعلنت الحرب على كلّ الرجال.
أما حسن، زوجها الأول، فكان مهندسًا مهذّبًا، من عائلة كبيرة ومرموقة، يتحدّث الجميع عن تواضعه ورقيّه، وضحكته الصافية.
لم تمنحه بسمة، بل أهانته أمام الناس، وصرخت فيه أمام سليم:
– "إنت ولا حاجة!"
كان حسن يغضب، يثور، يتشاجر معها، وهي لا تكلّ من الشكّ، ولا يجفّ سيل اتهاماتها:
– "أنا ليّ حقوق، وإنت عليك مسؤوليات. لو مش قدّها، ليه تعذّب بنات الناس؟"
وحين انفجرت فيه، أخذت سليم، وغادرت بكلّ متعلّقاتها: ذهبها، حليّها، أشياؤها الثمينة.
، ولجأت إلى فؤاد، المحامي الشهير بلعبه المزدوج.
استغلّت القانون والشعارات، زعمت الضعف، ثم تزوّجته، وكان هو يمسك بخيوط كلّ شيء.
في الصف الخامس، رسم سليم وجهًا بنصفين: نصفٌ مبتسم، ونصفٌ مشوّه بعين باكية.
سألته المعلمة:
– "ده مين؟"
قال:
– "أنا... ومش أنا."
خافت المعلمة، واتصلت بأمّه.
رأت نجلاء الرسم... ثم مزّقته.
عاد سليم يومًا متأخرًا بعد مباراة كرة قدم مع أصدقائه.
فتح الباب، فاندفعت ريح باردة إلى الداخل، كأنها روحٌ هاربة من قبرٍ قديم.
أغلق الباب ببطء، بينما صوت فؤاد يرتفع من الداخل:
– "اتأخّرت ليه؟"
لم يُجب، نظر إلى الأرض. فانقضّ عليه فؤاد كصقرٍ جائع، قبض على كتفه، وهزّه بعنف، ثم ألقاه أرضًا.
كانت نجلاء جالسةً على الأريكة، تدخن سيجارتها بتأنٍّ، عيناها على شاشة التلفاز، كأنّ المشهد لا يعنيها.
– "بتتوجّع؟ تستاهل!"
صاح فؤاد وهو يسحب الحزام من خصره:
– "أنا اللي مأكّلك وشاربك، تنزل من غير إذني؟"
نجلاء لم تلتفت، لكنها قالت ببرودٍ هادئ:
– " لازم يتعلّم..."
سحب فؤاد الحزام، وصفعه على ظهره.
صرخة خرجت من حلقه.
– "قُم اعتذر!"
لم يتحرّك.
اقترب فؤاد أكثر، جثا على ركبتيه، همس في أذنه:
– "لو ما اتعلّمتش الأدب، هشربك المرّ."
ظلّ سليم منكمشًا، يتنفس بصعوبة.
أمسك فؤاد شعره، وجرّه على الأرض حتى المطبخ، فتح الماء البارد، وسكبه عليه.
وقفت نجلاء على الباب، وجهها جامد كالحجر.
– "يا نجلاء، الولد دا محتاج إعادة تربية."
– "اعمل اللي إنت شايفه."
ضحك فؤاد ضحكة شيطانية، ثم رمى سليم على الأرض وهو يلهث.
في المساء، جلست نجلاء بجواره، تمسح الدم عن فمه، همست كأنها تحنو:
– "لما تكبر، هتفهم إنك لازم تكون قوي..."
لكن سليم لم ينظر إليها، كان يحدّق في السقف، كأنه يرى شيئًا لن ينساه أبدًا.
لكن رحيمة ، بقلبها الذي شاخ من الحزن، لم يعد يحتمل عذاب حفيدها.
في لحظة حنان جريئة، أخذته منها... سرقته كما تُسرق القطعة الأخيرة من قلبٍ متشقّق.
ذهبت رحيمة لزيارتها كأيّ أم... تقضي ليلة وتعود، لكن في الصباح كانت قد اختفت، ومعها سليم.
استيقظت نجلاء ولم تجد أثرًا، فاشتعل الغضب في صدرها كحممٍ خامدة تفجّرت.
راقب فؤاد الموقف من بعيد، وقال:
– "هتتصرفي إزاي دلوقتي مع أمّك؟"
ردّت بلهيب عينيها:
– "!هخليها تندم..."
كانت تظن فؤاد صارمًا، لكنها لم تعلم أن الصرامة قد تنقلب قسوة تنهش الأرواح.
***
رحيمة كانت تعرف... تتذكّر نجلاء صغيرة تبكي في الحمّام، تمزّق صورة أبيها بعد أن تزوّج على أمّها، نعم، تزوّج على رحيمة نفسها، وأنجب من غيرها، فكسر قلبها، وأطفأ بداخلها أمانًا لم يعد.
رأت نجلاء في عيني أمّها انكسارًا لا يُرمم، وتعلّمت أن الرجل، مهما بدا حنونًا... لا يُؤتمن.
***
في غرفة خافتة، انفجر الصمت بين نجلاء ورحيمة
صرخات مكتومة، دموع محتبسة، شتائم حائرة على طرف اللسان.
– "إزّاي تسرقيه مني؟!" صاحت نجلاء، عيناها تلمعان كسيفٍ مسلول.
– "بتسمعي صرخاته؟ بتشوفي خوفه ورا ضحكته؟" ردّت رحيمة بصوتٍ مجروح.
كان سليم واقفًا، يبكي ،يحمل وجعًا أكبر من سنّه، قال:
– "ماما... مش عايز أرجع هناك.."
رحيمة شدّت على يده، تمنحه صبرًا هادئًا.
ثم دخل حسن... وجهٌ لم يخفت نوره في قلب سليم.
قالت رحيمة :
– "تعال يا ابني، جيت في الوقت المناسب."
– "بشكرك، إنك أنقذت ابني من إيد أمه وجوزها."
– "عارفة إن بنتي ظالمة... بنتي، وأنا أكتر واحدة عارفاها، حتى أبوها ما سلِمْش من أذاها."
صرخت نجلاء:
– "إزّاي يا ماما تتآمري عليّا مع طليقي؟! إنتِ مش ممكن تكوني أمي!"
قالت رحيمة بصوتٍ يغلي وجعًا:
– "حتى أبوك، اللي في المستشفى بين الحياة والموت، مش بتسألي عليه. الراجل نفسه يشوفك قبل ما يموت... مش بتسامحيه عشان اتجوز عليّا؟ وأنا نفسي نسيت خلاص، وسامحته... لكن إنتِ؟ مش إنسانة."
مدّ سليم يده لوالده، يبحث عن دفءٍ قديم.
ونجلاء، وسط فوضى إحساسها، شعرت بالخسارة..
صمتت. بعينين بلوريتين، دمعة انزلقت كأنها خيانة... مسحتها سريعًا كأنها عار.
قالت:
– "هتشوفوا أنا هعمل فيكم إيه... فؤاد هيعلّمكم الأدب... وابني هاخده... وإنتِ يا أمي، هتدّفعي تمن اللي عملتيه."
**
هي لم تنس قط كلمات أمها رحيمة بعد زواج أبيها، وهي طفلة صغيرة.
– "أبوك خانّي! خلّاني أنام جنبه سنين وهو بيحب غيري!"
ومن يومها، قرّرت: لا بكاء، لا ثقة، لا حب.
وحين قال سليم:
– "أنا بحبك يا ماما..."
دفعته ببرود:
– "ما تحبّش حد! الحبّ ضعف... وأنا مش محتاجة ضعفاء."
نظر إليها بخوف... صغيرًا، لكنه شعر أن قلبه انكسر.
الحاجة رحيمة رأت نجلاء تنمو وخوفها على وجهها، تنفر من حنان أبيها، ترى في صوته تهديدًا، وفي دموع أمّها هزيمة، وتظن أن الأمان في السيطرة.
في العشرين، أحبّت "حسام". شابٌ مختلف... هادئ، يقول ما لا يُقال، يضحك، يهمس، يقدّم الحلوى كما يُقدَّم الطُّعم.
قال لها على البحر:
– "إنتِ نار... والنار تمشي قدّام."
قالت:
– "وإنت تمشي معايا؟"
– "أنا مع اللي تكسبني... وإنتِ دايمًا بتكسبي."
لم تعلم أنه صيّاد ماهر .
نارها أثارته لا ليرتبط، بل ليهرب.
أحبّته بصدق، فاختفى.
سمعت من صديقتها أنه خطب بنت خالته.
ضحكت وسط الناس، ثم قالت ببرود:
– "أنا ما بطيقش الرجالة...
ومن يومها، صار كل رجل "حسام"... حتى حسن.
قال لها مرّة:
– "أنا بحبك."
نظرت إليه كمن يرى ضعفًا قاتلًا:
– "الحب ده بتاع البنات الغبية."
شيئًا فشيئًا، بنت حصنها: المال.
رأت فيه الحصن الحقيقي، الدرع الوحيد، الأمان الصلب.
الرجال يتغيّرون، يخونون، يرحلون... لكن الأرقام لا تكذب.
بنت بيتها، رفعت جدرانه بالحذر، ورسمت على كل باب جملة واحدة:
"الأمان في المال، لا في الرجال."
**
عادت إلى البيت... بحثت عن فؤاد. لم تجده.
الدواليب مفتوحة، الخزائن خالية، حسابها البنكي مُجمَّد.
هياج... غضب... انهيار...
أُسقط في يدها.
كيف؟ كيف هرب؟
كيف انهار "أمانها" بهذه البساطة؟
كيف سرق فؤاد كل شيء... وتركها عارية؟
دخلت غرفة سليم بعد رحيله.
قرأت دفاتره.
نظرت إلى مجسّم كرتوني كُتب عليه: "أنا وأمّي... أقوى من العالم."
انهارت تبكي... لأول مرة منذ الطفولة.
ذهبت إلى المستشفى حيث يرقد والدها... لكنها لم تجده حيًا.
قالت الممرضة بحزن :
– "كان مستنيك... آخر كلمة قالها : بنتي نجلاء..."
سقطت على الأرض.
صرخت... صرخة من جوفها، كأنها تُخرج حياة كاملة.
لكن... لم يسمعها أحد.