الفصل الرابع
ومن الحبّ ما اكتمل
"١"
أيقظتني ريتا باكراً لنهيّئ نفسَينا للسفر إلى العاصمة ومنها إلى مدينة حبيبتي المحرّرة، ورغم أني كنتُ بين الصحو والغفوة استطعتُ أن أميّز صوتها الواهن المتعب الذي ناست ألوانه التي طالما تغزّلتُ بها، فهو الأبيض حين تكون طفلتي، والزهريّ حين تلهو معي ما بين مزح وجدّ، والبنفسجيّ حين تنطق بالحكمة، والأحمر إن ابتهلت شفتاها عشقاً، و... و...
كانتْ تضع يد على كتفي ويدها الأخرى على معدتها وهي تهمس:
- انهض يا حبيبي، غسّل والحق بي إلى المطبخ، لقد أعددتُ ما تيسّر من الفطور لنأكل قبل السفر، وحقيبة أمتعتنا جاهزة، لا أظنّ أني نسيتُ شيئاً من حوائجنا ليومين أو أكثر حسب التيسير.
كنا قد رتّبنا أمورنا منذ أيام وحدّدنا يوم السفر بعد أن صرّحتِ الحكومة بالسماح للنازحين بالعودة لمنازلهم وأن المدينة صارتْ آمنة، ولم يكن هناك ما يعيق سفرنا فريتا تركتِ العمل عند المحامي قبل زواجنا بأيام، وأنا حرّ من دوام المدرسة بسبب العطلة الصيفية، أما المرسم فلم أكن قد افتتحتُ دوراتٍ جديدةٍ لتعلّم الرسم أو تطوير مهاراته بعد، وقد تعهّدتْ سارة أن تفتحه يومياً وتدرس هناك استعداداً لامتحان الدبلوم التربويّ، فيما لو اضطررنا للبقاء لأيام، وهكذا يبقى الباب المفتوح للمرسم موحياً بالحضور واستمرار العمل.
أقلقني صوت ريتا بداية ثم زاد قلقي وأنا أرى اصفرار وجهها وشعورها بالغثيان، رغم أننا كنا في تمّوز مما ينفي فكرة تعرّضها للبرد، وحاولنا أن نتذكّر ماذا أكلنا خلال اليوم السابق وسبّب اضطراباً في الأمعاء، لكني لم أكن أشكو مثلها من أيّ عرض، ولم يخطر ببالي أنها أعراض أنني سأصبح أباً عمّا قريب.
قلتُ لريتا وانا أضمّها بحنان:
- لن نسافر وأنت على هذا الحال!
سأتّصل بأبيك وأبلغه بمرضك ونؤجّل الموضوع ريثما تتعافين.
حاولتْ أن تقنعني أنها بخير وستتحسّن مجرّد أن تأخذ الدواء، وأدمعتْ عيناها وهي تقول:
- أنت أكثر من يعلم كم انتظرتُ هذا اليوم.
بعد أخذ وردّ توصّلنا لحلّ معقول...
أن أسافر وحدي مع أبيها هذه المرّة وتبقى هي في بيت أهلها لحين عودتنا، بحيث تهتمّ أمّها بها في غيابي، ووعدتها أن أبقى على تواصل مستمرّ معها.
وافقتْ مرغمة، وأخذتْ تفرغ ملابسها من الحقيبة وهي تحاول أن تبدو قوية متماسكة، بينما أتلو عليها وصاياي بأن ترتاح وتنتبه لغذائها وتذهب للطبيب إن استمرّت الأعراض.
ثم قبل أن أغادر، دخلتْ غرفة نومنا وعادتْ وهي تحمل دفتراً أنيقاً وضعته في حقيبتي وهي تقول:
- تسلّى بقراءته خلال الطريق، وبذلك سأكون معك لحظة بلحظة، لأني أودعتُ روحي بين السطور.
ثم ودّعتني بابتسامة أشرقتْ من خلف غلالة الدموع وهي تهمس: "بأمان الله".
توجّهتُ إلى بيت عمّي الذي كان ينتظرني، بعد أن أعلمته عبر الهاتف بمرض ريتا، ورجوتُ زوجة عمّي ألا تتركها وحدها، وأنا أعلم أن الأمّ لا تُوصّى على أبنائها، لكن حبّي لريتا وخوفي عليها، كانا قد جاوزا المنطق والمعقول.
ولو سألني سائل: ما الذي يدفعك أن تترك زوجتك المريضة وأهلك ومرسمك، وتسافر كلّ هذه المسافات إلى أنقاض مدينة خاوية؟!
لجاء الجواب بلا تفكير: الحبّ.. وفقط الحبّ!
فلا كان حبّ لا يتشارك به العاشقان المشاعر والأفكار والأحلام وحتى الهواجس، ويمضيان يداً بيد في الدروب اليسيرة والوعرة.
وليس حبّاً ما اكتفى برسم اللوحات وكتابة القصائد والسهر لساعات بضوء القمر.
بل الحبّ.. كتف يسندُ ويد للعون تمتدُّ وحضن ساعة الألم يصبح كوناً لا يحدّ.
وريتا وأنا تشاركنا حتى الأنفاس، ورسمنا أبدع اللوحات، وكنا معاً وسنبقى بوجه كلّ صعب قلباً وروحاً ووجداناً.. فكأنّه الحبّ الذي اكتمل.
تبادلتُ وعمّي أطراف الحديث، وأنا استشعر الحزن والقلق معاً بصوته، ورحتُ أبثّه الأمل بأن بيته بخير، وسيعود إليه ويمارس عمله مثل قبل، وأني أعتبر نفسي بمثابة ابنه ويمكنه أن يعتمد علي، والحقيقة أني كنتُ أحاول أن أقوى من خلال حديثي معه، فكلّ ما سأراه حين وصولنا سيكون بعيني ريتا حتماً، وكلّ ما سيعتريني من مشاعر هي مشاعرها لو رافقتني، لأننا ببساطة كينونة واحدة بجسدين.
وحين صمتَ وأسند رأسه للمقعد وتأكّدتُ من نومه، أخرجتُ دفتر ريتا من حقيبتي وفتحته لأقرأ على أوّل صفحة بخطّها الجميل:
يوميّات الحجز والنزوح
"٢"
• اليوم الأول
لا أصدّق ما يحدث... أكبر من استيعابي ما قلب حياتنا رأساً على عقب وأدار دفّة المصير بالسلاح والقوّة، وجعل الجميع في حالة من الذهول ووجع السؤال!
استيقظتُ كعادتي باكراً ونهضتُ من فراشي مقاومة دفء الفراش الذي يغريني بالبقاء فيه في هذا الصباح الماطر من كانون الأوّل، فمحاضراتي في كلّية الحقوق لهذا اليوم تبدأ عند الساعة الثامنة، وأنا حريصة على ألّا يفوتني أيّ درس، بعد أن تحقّق طموحي بالالتحاق بكلّية الحقوق كما حلمتُ دوماً.
وفيما أنا أزيح ستائر نافذة غرفتي التي تطلّ على الشارع الرئيسي لأتيح للضوء أن يتسلّل عبر الزجاج، رنّ هاتفي المحمول وجاءني صوت صديقتي سميّة مفزوعاً من غير استهلال بعبارة "صباح الخير":
- ريتا.. انظرني من النافذة..
وأجهشتْ بالبكاء وهي تكمل بجمل غير مترابطة:
- لا جامعة بعد اليوم ولا من يحزنون.. راحتْ علينا وعلى أهالينا.. ويا عالِم إن كنا سنبقى أحياء.
ثم أنهتْ الاتصال بينما رحتُ أمسح الشارع بعينيّ عبر النافذة لمدى بعيد، فهالني وجود رجال مسلّحين وقد توزّعوا حتّى في الشوارع الفرعية، كانوا يرتدون لباساً عسكرياً غريباً، ويركبون سيّارات مصفّحة لم أر مثلها من قبل، فعرفتُ أن مدينتي قد استبيح أمانها وأننا منذ اللحظة أصبحنا محتجزين.
ما أشدّ غفلتي حين كنتُ أحسب أننا بمنأى عما يجري بباقي المدن، ما دامتْ مدينتنا تشكيلة من الطوائف، وسكّانها يعيشون بسلام مشغولين بأعمالهم وحياتهم الأسرية عن كلّ ما يشهده الوطن من نزاعات.
ذهبتُ إلى الصالون فوجدتُ أبي الذي كان أيضاً على وشك الذهاب للعمل، قد فتح التلفاز وجلس يتابع الأخبار، عبر محطّاتِ التلفزيون على اختلاف توجّهاتها، بينما أمّي تحضن أختيّ اللتين ارتديتا لباس المدرسة وتبكي بصمت يحرق القلب.
مضى الوقت ونحن لا نزال في حالة ذهول وعجز عن استشفاف الخطّة المرسومة لنا أو ماذا يُراد منا ومن مدينتنا التي تمّ الاستيلاء عليها بسهولة لعدم وجود مقاومة وسلاح بأيدي المواطنين، ثمّ رنّ الجرس بقوة وبشكل متواصل، فوجف قلبي وأحسستُ بخوف هائل، بينما أشار أبي أن نبقى في الداخل مع أمّي، ثم فتح الباب ليجد شابين مسلّحين راحا يسألانه بالتفصيل عن عدد افراد الأسرة، وإن كان يوجد رجل غيره في البيت، وعن عمله، ثمّ طلبوا هويّته وأعادوها له، وبدا واضحاً أن اسمه ليس ضمن القائمة التي يستهدفونها. تكرّر الأمر مساء إنما عن طريق شابين آخرين، دخلا وبدءا يفتّشان البيت بطريقة عشوائية، ونظر أحدهما نحوي نظرة أحسست معها أني سأكون سبيّة خلال لحظات، لكنهما غادرانا، وبقيتُ أرتجف رغم أن أبي طمأنني أننا لسنا المعنيين بعملية "التفييش" التي يجرونها.
- سننام الليلة جميعاً في هذه الغرفة الصغيرة وسط البيت بعيداً عن الشرفات والنوافذ، خوفاً من القذائف والرصاص.
قالها أبي وهو يساعد أمّي في تهيئة الغرفة لمنامنا، محافظاً على هدوئه وتماسكه، لأنه يعلم جيداً أنه عمود البيت الذي ما تداعى انهرنا جميعاً.
خطر لي قبل أن أحاول النوم أن أدوّن على هذا الدفتر يومياتي، وأنا أختبر لأول مرّة في حياتي مشاعر ومفاهيم مثل الخوف.. الظلم.. الطائفية.. الانتظار.. والوقوف وجهاً لوجه أمام الموت.. ورحتُ أتلو بسرّي المعوذّات وقصار السِّور وصلاة حفظتها من صديقتي المسيحية كنت أحس بطمأنينة عند تلاوتها:
"ربنا الذي في السماء.. لتكن مشيئتك"
• اليوم الثاني
لم أتوقّع يوماً أن يكون الموت بهذه البشاعة، فصوت إطلاق النار الذي أيقظنا جميعاً فجر هذا اليوم أسفر الصباح عن ضحاياه، ثلاث جثث ملقاة عند مدخل البناء المقابل لبنائنا، كانتْ إلى ما قبل ساعات تضجّ بالحياة وتحلم بالمستقبل.
اليوم أرى مسلّماتي تتساقط أمام عيني واحدة إثر أخرى، كبدهيّة أن للموت حرمة، وكانت نظرة خاطفة من شرفة المنزل كافية كي تجعلني أنهار وأدخل في نوبة من البكاء الهستيري لعجزي عن الفهم، مما جعل أبي يصعّد نبرة صوته محذّراً إياي من الخروج للشرفة أو النظر من النافذة، ثم لانتْ لهجته وراح يحاول تهدئتي مشيراً إلى أنه يعتمد علي بإلهاء شقيقتيّ عما يدور في الخارج سواء باللعب أو قراءة القصص أو مشاهدة التلفاز.
ثم ذهب ليتّصل عبر الهاتف إمّا استطلاعاً ليعرف مستجدّات الأمور أو اطمئناناً على معارفنا وتطميناً لأقاربنا خارج المدينة، وسمعته يقول لأمي:
- لقد خرّبوا المقسم، وقطعوا الاتّصالاتِ الهاتفية، وعلينا أن نتهيّأ نفسياً لما هو أعظم.
• اليوم الثالث
كان أبي محقّاً باستباقه الأمور، فقد نزل مساء أمس إلى قبو المنزل وهيّأه لأيّ ظرف طارئ نضطرّ معه للّجوء أو الاختباء فيه، وصدق حدسه بأسرع ممّا توقّعنا، حين علتْ مكبّراتُ الصوت ظهيرة هذا اليوم تطلب من السكّان جميعاً إخلاء البيوت والنزول إلى الأقبية، بعد أن قطعوا صباحاً الكهرباء عن المدينة.
وأن يقطعوا الكهرباء يعني أن يحكموا علينا بالشلل والظلام ومن ثمّ عزلنا تماماً عن سوانا سواء داخل المدينة أو خارجها، لأن هواتفنا المحمولة ستفرغ من شحنها خلال أقلّ من يومين، وهذا وحده كفيل بجعل كلّ فرد فينا كجزيرة منفيّة وسط البحر، مع إحساس يتفاقم بالوحشة والخوف.
أنزلنا معنا إلى القبو كحال سائر الجيران ما يلزم من فرش ووسائد وأغطية وماء وطعام وبيل للإضاءة وما توافر عنا من شموع، ولم أنسَ اصطحاب هذا الدفتر معي فهو أنيسي والشاهد على ما يجري...
كما لم تنسَ أمّي القرآن وثياب الصلاة، وأختيّ ألعابهما، وأبي.... حمل همّنا الكبير.
• اليوم الرابع.. من الأسبوع الثاني
أعتذر منك يا دفتري الحبيب لأني انشغلتُ عنك في الأيام الماضية، فقد حصلتْ تطوّراتٌ كثيرة وخاصّة بالنسبة لي.
بدأ التغيّر حين غفوتُ لأوّل ليلة بعيداً عن دفء سريري وأمان بيتنا في هذا القبو الرطب الضيّق المظلم الأشبه بزنزانة، فقد تقلّبتُ كثيراً وأنا أفكّر فيما كنا عليه وما إلنا إليه، وأكاد أكفر بكلّ القيم الإنسانية التي تربّيتُ عليها.
وفجأة من قلب السواد.. لمعتْ بقلبي بارقة نور خاطفة، وصوت لم أدر هل هبط عليّ أم صعد مني يقول بنبرة جلّية:
"فكّري جيداً.. هل دراستك للحقوق محض صدفة .. أم أن لك حقاً دوراً في كلّ ما يجري ولو بدا بسيطاً؟"
استويتُ على فراشي وكأن يداً نبّهتني، وبدأتْ أفكاري تتّجه بعيداً عن سوداويّة المشهد، ورحتُ أرتّب في ذهني ما عليّ فعله خلال الأيام القادمة، ورأيتُ حواسي كلّها تُساق نحو الأطفال الذين سيكبرون إذا قُدّر لنا أن نخرج من هنا، وعلى هذه الأيام السوداء ألّا تترك لعنتها في ذواكرهم، بابتداع أفكار مسلّية وبنفس الوقت تحمل قيماً إيجابية وروحا تعاونية، إضافة لتعزيز الأمل والقوّة عند المحتجزين، وتخفيف معاناة وألم المرضى، ومساعدة الحوامل والمرضعات، وأنا بكلّ عمل أقوم به، أشعر بطاقة التحدّي في داخلي تكبر ويزداد إيماني بالإنسان.
• النزوح
نفذتْ مؤونة الطعام في كلّ بيوت المدينة، رغم الخطّة الاقتصادية التي اعتمدها الجميع ليكفيهم ما تبقّى منه أطول زمن ممكن، بتقليل عدد الوجبات وكميّة كلّ وجبة، ورغم تقاسمهم ما في بيوتهم من زاد حتى آخر لقمة، فكأنّ المصير المشترك يجعل البشر أكثر قرباً وتآلفاً وتشاركاً، ويسفر عن الجوهر الإنساني الواحد فينا
حوانيت المدينة خاوية منذ اليوم الأول لاحتجازنا، بعد أن أُفرغتْ وتمّ ترحيل ما فيها، وما من معونات تأتينا من الخارج رغم الأخبار التي تؤكّد أن ما ترسله الأمم المتحدة يكفي أضعاف عدد سكّان مدينتنا، فالكلّ يتاجر بنا وآخر همّه حياتنا، بينما وضع المرضى يزداد سوءاً لأن الصيدليات أيضاً تمّ الاستيلاء على ما فيها من أدوية، وأمام هذا الوضع الجديد، خرج جميع المحتجزين إلى الشوارع يطالبون بالغذاء والدواء، فلم تر القياداتُ بدّاً من ترحيلنا على دفعات من جهاتٍ حدّدتها لنا وفرضتها علينا.
إنها لحظة الخلاص، لحظة لن تستطيع أبجديات العالم كلّها أن تصفها..
عند باب البيت نقف قبل أن نسلم أنفسنا للمجهول الذي ينتظرنا، التفاتة أخيرة نحو بيتنا وتفاصيل ذكرياتنا التي لا نملك الوقت لاستحضارها، يحمل أبي الحقيبة الكبرى على ظهره، بينما أمّي وأنا نحمل الحقائب الصغيرة ونمضي سيراً على الأقدام ريثما نصل للطريق العام، في دروب غير معبّدة تنغمس أرجلنا في الطين فنضطر لخلع أحذيتنا، فيستغرق قطع الطريق النهار كلّه على قصر المسافة.
كنت طوال المسير أردّد بيني وبين نفسي: (هذا الوقت أيضاً سيمضي)، فما من قوّة في هذه اللحظات إلا التي يستنهضها كلّ منا من داخله ليقوى على كلّ خطوة بالكاد صار بمقدوره نقلها، فيما قلبي ينفطر على أختيّ الصغيرتين وعلى كلّ الأطفال في تغريبتنا السورية، وعيناي معلّقتان على آلاف النازحين على مدّ النظر، وحّدتنا جميعاً على اختلاف مذاهبنا وأعمارنا وأعمالنا المعاناة والمشاعر، في حرب حتّى المنتصر فيها خاسر.
• بداية جديدة
تبدو هذه البلدة هادئة وسكّانها طيّبين، ولعلّ هذا ما نحتاج إليه حالياً لننسى، اخترناها بناء على نصيحة خالتي التي نزحتْ إليها قبلنا من الشمال، لبعدها عن الخطر والمشاكل، ورخص الأجور والمعيشة.
استأجرنا بيتاً صغيراً وتدبّرنا فرشه بمساعدة أهالي البلدة لنا ووصول بعض المعونات من أغذية وأغطية، وشراء اللوازم الضرورية المستعملة.
لم يكن الأمر سهلاً، فبعد أيام العزّ والاكتفاء نحيا على صدقات الآخرين، وما تمنّ علينا به الجمعيات الخيرية من مواد غذائية تتناقص شهراً بعد شهر، لكن دموعي التي انهمرتْ لأوّل وهلة ونحن نبدو كالشحّاذين تعلّمتُ كيف أحبسها كي لا تتأثّر بها أمّي وشقيقتاي، والأحلام الوردية التي طالما داعبتْ خيالي سأطلقها كطيور في الفضاء كي لا تختنق معي في هذا الوطن البائس، ومن يدري قد تعود لي يوماً ما ولو بعد حين، فقلبي يصرّ على أنّ "ما من حال يدوم"
غدا سأباشر عملي عند محام بأجر زهيد لكنه حتماً سيساعد في دعم تقاعد أبي، لن تنغلق جميع الأبواب رغم قسوة ما حدث، فحيثما كنتَ ستلقى يداً ممدودة نحوك لتنهض من جديد، ثق بالحياة وبنفسك وبالمحبة ثم.. دعِ الله يعمل.
نسيت أن أختم مذكّراتي بما يدور بخلدي تعبيراً عن إيماني بالحياة..
أفكر جدّياً بمعاودة الرسم، ففي داخلي اكتظاظ أفكار مما رأيتُ واختبرتُ وما أتطلّع إليه، وأحتاج لفسحة من البياض أتنفّس من خلالها، وأحلّق من خلالها بعيداً.. بعيداً.
آه أيها الدفتر الحبيب... آه لو يدري البشر.. أن لا خلاص إلا بالمحبة، بها نقوى على الألم ونقاوم الشرّ، ولولا كنّا قلباً واحداً ما كنا الآن أحراراً، حتى ولو تكاثف ضباب الغد القادم!
"٣"
يمضي بنا الطريق... وأنا أحيا يوميّاتِ ريتا لحظة بلحظة، واضعاً يدي على قلبي، كأنّي أهوّن عليها كلّ هذا الألم ما دامتْ وحدها تسكنه، أو أعبّر عن إعجابي بإرادتها وقوّتها، مستحضراً أيام سجني وتجديفي على الله، وأرى كم تفوقني صبراً وإيماناً وثقة بالله والإنسان، مستغرباً أن توحّدنا التجربة كما وحّدتنا الأفكار والمشاعر والصفات، وقد خطر لي أن خطّ ريتا وليس لغتها فحسب هو كائن حيّ، وأن سطورها حيناً تموج باضطراب وتتداخل الحروف، فأحضن الدفتر كأني أضمّها لتسكن وتهدأ وأنا أهمس: "يا روحي"، وحيناً أراها تنساب في نعومة خيط الحرير الذي لا يمكن قطعه فأمتلئ فرحاً بأن هذه السطور روح حبيبتي.
أغلقتُ الدفتر محبوس الأنفاس، ثمّ أمسكتُ بالهاتف لأطمئن على ريتا التي رافقتني بروحها بينما تركتها مريضة.
- حبيبتي ريتا، طمنيني كيف حالك؟
يأتيني صوتها واهناً وهي تقول:
- اشتقتُ لك.. أنا بخير.. لا تقلق عليّ فأنا الآن في بيت أهلي.. أين صرتما؟
- على مشارف العاصمة.
- الحمد لله.. طمّني حين تصلا لبيتنا.
- بالتأكيد حبيبتي، أرجوك استرخي ولا داعي للتوتّر، ولطف الله دوماً معنا.
- بأمان الله حبيبي.
- بأمان الله يا روحي.
العاصمة هي العاصمة، كآخر مرّة رأيتها بها قبل سفري، ما تغيّر فيها هو الازدحام الذي لا يطاق والسيارات التي تفوق عدد السكان، فقد برعتِ الحرب بإساءة توزيع البشر بشكل غير منطقي على المناطق، وكان نصيب العاصمة الحظّ الأوفر سواء من المناطق المحيطة بها أو من المحافظات الأخرى، كذلك أصبحتْ هجيناً عجيباً من اللهجات والمستويات المعيشية وتبدو للناظر من بعيد كطاحون لا تهدأ ما بين طحين وقشّ تذروه رياح الأقوى.
نزلنا من الحافلة وتوجّهنا نحو كراج السيارات التي توصل لمدينة زوجتي، كانتْ هناك واحدة على وشك الانطلاق فحمدنا الله لأن الحرّ كان ساعتها لا يطاق، وقد بدا التعب على عمّي بشكل واضح، فتوسّلتُ أن يكون البيت بحال يسمح بالراحة أو نجد فندقاً ما زال مفتوحاً للعائدين.
رغم أن عمّي كان قد هيّأ نفسه مسبقاً لأسوأ احتمال، وهو أن يكون بيته كبعض البيوت التي رأيناها بعد دخولنا المدينة وقد ساوتْ بقضّها وقضيضها الأرض، إلا أنه لم يحتمل ما رآه مجرّد دخولنا من الباب المخلوع للشقّة، وراح ينتقل واجماً في شبه ذهول من غرفة لأخرى يعاين الخراب والدمار الحاصل، وكنتُ مثله عاجزاً عن استيعاب المشهد وما يمكن أن أقوله لريتا لو اتّصلتْ تستعجلني إخبارها بحال البيت.
أأخبرها أن قذيفة اختارتْ غرفتها تحديداً واخترقتْ أحد جدرانها ليهوي معظمه على سريرها ويحيله قطعاً مهشّمة من الخشب؟!
أم أصف لها حال لوحاتها التي علّقتها على الجدران في كلّ ركن، وقد تحطّمتْ أو تمزّقتْ بفعل فاعل انتقاماً من الفنّ؟!
أم أصوّر لها مكتبة أبيها الضخمة التي أمضى عمره يجمع على رفوفها قطوف الحكمة والشعر والفلسفة قد صارت مداساً على الأرض، تئنّ مزقاً في صمت العاجز كما يئنّ صاحبها مربّي الأجيال.. عمّي الفاضل النبيل.. وهو يتأمّل أنهم لم يروا بينها طبعاتٍ بحجوم مختلفة للقرآن الكريم؟!
أم أقول لها لم تبق نافذة لم تفغر فمها على اتساعه، وقد صار زجاجها شظايا متناثرة في كلّ مكان، بينما يغطّي الغبار المشهد كلّه؟!
هل أحدّثها عمّا نُهب من ملابس وأغطية وأدوات كهربائية، أو أعدّد لها ما بقي من أثاث لم يُترك تعفّفاً وإنما لصعوبة نقله؟!
لا.. لن أخبرها بأيّ تفصيل يزعجها، وسأكون كما ينبغي للحبّ أن يكون، قوّة بناء وخلق في وجه أعداء الإنسانية ومعرقلي النماء وحاملي راية الموت، وسيعود هذا البيت عامراً بمحبّة أهله وأنا منهم...
فتحتُ هاتفي المحمول وكتبتُ لريتا أخبرها بوصولنا وأطمئنها ان البيت والحمد لله بحالة جيدة مقارنة مع سواه، هو فقط يحتاج لبعض الترميم، ووعدتها أن أتّصل بها بعد أن نرتاح لأوافيها بكلّ التفاصيل.
وراح ذهني يرتّب بسرعة فائقة ما علينا فعله خطوة بخطوة حسب الأولويّة، وكان أهمّها بداية أن نتناول الطعام ونستريح قليلاً من عناء السفر لنقوى على العمل، وتناقشتُ مع عمّي حول توزيع المهام وخاصّة أنه ابن المنطقة ويعرف من أين يأتي بما يلزمنا للإصلاح والترميم، وفيما كنتُ أمسح الغبار عن الطاولة وأنظّف كرسيين للجلوس، وأضع ما جلبناه من طعام، كان قد أخرج من حقيبته قفلاً جديداً للباب المخلوع مع مفكّات للبراغي، فرحتُ أمازحه للتخفيف عنه:
- عمّي العظيم.. الذي لديه لكلّ مقام مقال، إن مجرّد فكرة إحضار القفل معك تعني طاقة إيجابية مسبقة بأننا سنلقى البيت سليماً أو قابلاً للترميم.
يبتسم عمّي ويواصل تركيب القفل وهو يقول:
- نعمة أن خزّان الماء بخير.. ونعمة أكبر استمرار وصول الماء للبيت كما هو واضح، رغم التقنين الذي يسري على مدينتنا كغيرها من المدن، سأتفقّد خطوط الكهرباء بعد أن نأكل وأصلح أيّ قطع من خطوطها.
لم تنسَ ريتا أن تزوّدنا بماء للشرب وكاسات وصحون بلاستيكية وملاءتين للأسرّة مع غطاءين للوسائد، فقلتُ في سرّي كأني أغازلها: "من شابهت أباها ما ظلمت!".
كانتْ غرفة نوم الصغيرتين هي الأقل تضرّراً، فباشرتُ بتثبيت خشب السريرين جيداً وشددتُ براغي كلّ منهما، ثمّ نفضت الغبار عن الفراشين وغطّيتهما بالملاءتين وغلّفتُ الوسادتين، واستلقينا في انهاك لنغرق خلال دقائق في نوم عميق، أيقظنا منه بعد حوالي ساعتين طرق على الباب.
كان الطارق أحد الجيران الذي سبقنا بالعودة إلى منزله بمدّة، لعجزه عن الاستمرار بدفع أجور السكن حيث أقام بعد النزوح، وقد جاء يسلّم علينا حاملاً طبقاً من الطعام وأرغفة من الخبز، وحلّفنا أن نطلب أي شيء نحتاجه بلا تردّد، وأن نبات عنده تلك الليلة، وكان صوت عمّي بادي التأثر وهو يشكره ويقول لي بعد أن أغلق الباب:
- تأبى الإنسانية إلا أن تنتصر على العنف، كما تصرّ الحياة أن تسود على الموت.
هؤلاء الجيران قرّبتْ بيننا أسابيع الاحتجاز بشكل لافت، وقد ساعدت ريتا زوجته وأطفاله، أما هو فكان يعتبرني كسائر الجيران مرجعية في الكثير من الأمور ويقول لي أنت عقلنا المدبّر يا أستاذ منيف.
- لا شيء يضيع يا عمّي، وللحياة سبلها العجيبة في ردّ كلّ ما نفعله إلينا ولو بعد حين، سواء كان خيراً أو شرّاً.
- تعجبني العين التي ترى بها الحياة رغم صغر سنّك ابني جواد، وإني ممتنّ لها إذ وفّقتْ ريتا لتقترن بزوج عاقل ومحبّ مثلك.
- بل أنا من عليّ أن أفخر بك، وأشكر القدر الذي جمعني بريتا، وكأنه يكافئني على نواياي الصافية تجاه البشر، حتى مع من أذاني أو أعماه الحقد عن رؤية قلبي.
قلتُ ما قلتُ وأنا أستحضر وجه ريتا وعينيها فيغلبني الشوق إليها، أداريه بطلبي من عمّي أن نباشر بتنظيف البيت من الأنقاض:
- علينا أن نُنهي اليوم هذه المسألة...
أنت تعبّئ الردم بالأكياس وأنا أنقله خارجاً، وسنحتاج لكلّ ما تجده خلال ذلك من براغي ومفاصل وقطع خشب أو حديد.
أقبل جار ثانٍ وثالث، وراحوا يتبادلون التهنئة بالنجاة ويحمدون الله على السلامة فرحين بالعودة إلى بيوتهم، مع قهر واضح لحجم الخسارة، والمعاناة النفسية والمادية التي تكبّدوها، وبدأتْ حملة مساعدة اختصرتِ الزمن اللازم لإنجاز هذه المرحلة للربع، وأثناء ذلك جاء معلّم تركيب الزجاج والألمنيوم بعد أن اتّصل به عمّي وأخذ قياساتِ النوافذ والأبواب المتضرّرة، ووعد بتركيبها في اليوم التالي، فهي الخطوة الثانية المهمّة لحماية البيت.
نظّفنا البيت بعد ترحيل الأنقاض، واغتسلنا من الغبار ثم دعانا جارنا لنشرب الشاي عنده، وقد لاحظتُ كم رفعتْ مساعدة الجيران لنا من معنويات عمّي وعزّزتِ الطاقة الإيجابية فيه، وراح يثني بين الحين والآخر عليّ أمامه وكأنني ابن من صلبه حقاً، والجار يؤكّد على أن ابنة مثل ريتا تستحقّ خير الدنيا كلّه، ثمّ حمّلنا غطاءين وغازاً صغيراً ونحن نغادر ريثما نتدبّر أمورنا.
جاءتِ الكهرباء حوالي الثامنة تقريباً ضمن برنامج التقنين، فشحنّا هاتفينا، ثمّ كأن عمّي قد تذكّر أمراً، فنزل إلى القبو وكان قد أقفل بابه الحديدي بقفل يصعب كسره، مما جعل ما فيه ينجو من السرقة، ورجع وهو يقول: أي شيء مهما زهدتْ قيمته سنحتاجه حتما في الأيام القادمة!
بعد انقضاء عشرة أيام، وقبل أن أغادر عائداً إلى بلدتي وإلى حبيبتي التي اشتقتُ، والتي كان حضورها بداخلي الدافع الأقوى لأتحمّل كلّ هذا التعب، جلستُ أتأمّل ما أنجزتُ تغمرني سعادة الإحساس بقوّة الحبّ وإرادة الحياة.
كانت عيناي تعاينان كلّ ركن في البيت...
الجدار الذي أعدنا بناءه..
البيت الذي دهنّاه بالكلس كأرخص نوع للدهان..
الخزائن التي أصلحناها..
الستائر التي غسلناها وعلّقناها..
وتفاصيل صغيرة لن تبدو لعين الناظر بشمول، لكنها أخذتْ من روحي وجهدي وجُبلتْ بعرقي حتى لكأنّي أراها تهمس لي.. ما أبدعك.
لم يخطر لي أبداً أن خبرتي في ترميم بيت جدّي وجعله مرسماً لي ستساعدني بهذا القدر في أن أكون عوناً لأسرتي الثانية، وأن أجسّد الحبّ الذي تملّكني سلوكاً حيّاً وناطقاً، كما حلمتُ دوماً وهيّأتِ السماء الظروف ليتحقّق هذا الحلم.
ودّعتُ عمّي الذي اختار أن يبقى ريثما يستكمل الترميم مستعيناً بما يتوافر في المدينة من خدمات ليكمل ما بدأناه، وأبديتُ له مشاعري الصادقة بأني كنت أتمنّى أن أبقى معه لآخر مراحل الترميم لولا الدورات الصيفية للرسم التي ستبدأ قريباً، أما السبب الأقوى لعودتي فلم أخبره به، رغم أني لا أشكّ أبداً ببصيرة عمّي في أن يرى شوقي لريتا في لمعان عينيّ وشرودي الذي بدا واضحاً.
غادرتُ المدينة وأنا أفكّر كيف ستعود الأسر قريباً إلى المدن التي نزحتْ بالإكراه منها، وكم سيعاني أفرادها ريثما يبنون أو يرمّمون ويعيدون تأثيث منازلهم، وكم ندبة ستكون في قلب كلّ منهم مع ذاكرة مثقلة بالفقد والألم، وفكّرتُ كذلك بمن سيختارون عدم العودة لأنه لم يبق لهم ما يعودون إليه ولا يملكون قدرة الإعمار من جديد، بينما صور الماضي الجميل العالقة في البال تزيدهم وجعاً.
سيلتحق التلاميذ والطلبة بمدارسهم ويكملون تعليمهم، ولكن هل حقّاً سينسون الجريمة التي حدثتْ بحقّ طفولتهم، وهل سيحيون حاضراً أجمل يكون قادراً على جعلهم ينشغلون به عن الالتفات للوراء؟!.
ومن يقدر أن يحزر كيف سيكون الجيل الجديد، جيل ما بعد الحرب.. ما سماته وأخلاقه وتطلّعاته؟؟!!
هي البداية من جديد بوطن تغيّرت ملامحه...
ولا نملك أمام البدايات بكلّ ما تحمله من صعوباتٍ، إلا أن نراها تحمل أيضاً معنىً عظيم يقول:
"أن الحياة أقوى وأبقى".
"٤"
لم تزفّ لي ريتا بشرى حملها فور عودتي، لا بعد حمّامي ونومي ولا على الغداء، ولا حتّى وهي تندسّ قربي في السرير متهيّأة لطيب عناق، كأنها آثرتْ أن تسقيني الشوق صرفاً دون أن يخالطه فرحاً مضافاً، رغم أنها لو أخبرتني مسبقاً ما كان شغلني شاغل عن شغفي بها، وولهي بحرير الحواس وسماوات النعيم وطاقاتها ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء، ولو أني ممن يميلون لاستعراض مفاتن الحبيبة لم يفقني في ذلك شاعر ولا فنّان، لكنّها قدسية الجسد عندي كما الروح، وحرمة الحبيبة عن أن يرى تفاصيلها سواي ولو عبر الكلمات أو ينتشي القارئ بما أصف فكأني أشاركه معبودتي ولو عبر الخيال، فريتا حبيبتي والياء هنا ليست للملكية والاستحواذ بل تعني ما يفعله الحبّ بديع السماوات والأرض بي، وليس عبثاً أن أدعوها بوّابة الربّ لا عن هذيان متعاطٍ للماريغوانا أو ممارسٍ ليوغا التأمّل وواصلٍ لمقام النيرفانا، بل بكامل قواي العقلية الواعية واللا واعية وبتمام حضوري القلبيّ، وما أرى حياتي كلّها بكلّ تفاصيلها إلّا "ممارسة للحبّ"، التي يحصرها الأزواج في غرف النوم لكنّها لا متناهي الصور والتجلّيات والممارسات الحياتية.
قالتْ لي بلا مقدّمات وأنا لا أزال في غيبوبتي على مرمر صدرها ويدها تتغلغل بنعومة في شعري:
- بعد أشهر سيضاف لأسمائك الحسنى بقلبي اسم جديد هو "الأب".
رفعتُ رأسي ناظراً في عينيها، ورحتُ أضحك بصوت عال، فوضعتْ كفّها على فمي وهي تقول:
- هسسس.. للحيطان آذان.. وستفضحنا يا مجنون.
- أضحك ليس فقط فرحاً بهذا الخبر المفاجئ، وإنما لدهشتي من قدرتك على الكتمان يا طفلتي الشقيّة، أخبريني كيف استطعتِ الصبر عن إخباري طوال أيام غيابي وبعدها لساعات ونحن معاً، ثمّ اخترتِ هذه اللحظة بالذات لتتويجٍ جعلني سلطان العشق بحقّ.
- ذلك أحسنُ وجهٍ لتأويل "إن كيدكنّ عظيم".
- حبيبتي الماكرة.
توالتْ أشهر الحمل بكلّ ما تحمله من تعب وألم وتقلّب بالمزاج، مع ترقّب ولهفة وعدّ للأيام، ثمّ التحضير للولادة وشراء ملابس المولود مع سريره وعربته. لكن الشعور الأهمّ الطاغي على كلّ ما ذكرتُ كان بالنسبة لي هو إحساسي أني حقاً أحمل مع ريتا طفلنا المنتظر، لدرجة أني كنتُ أشعر بتعبها وألمها في جسمي، فأقول لها مثلاً وفي مداعبتي كلّ الجدّ: "ظهرك يؤلمني"، وحين أتلمّس بيدي حركة الجنين في بطنها تسري حركته في دمي لتصل إلى قلبي فيضطرب، وإن استعصى عليها النوم لضغط الجنين على الرئتين يضيق صدري كحالها وأصاب بعسر التنّفس، دون أن أبدي لها ما يحدث معي كي أخفّف عنها، مساعداً إياها في النهوض أو واضعاً الوسائد وراء ظهرها، وهكذا عشتُ تفاصيل الحمل لحظة بلحظة حتى وأنا في المدرسة أو المرسم، وحين حانتْ ساعة الولادة كنتُ ألد معها، فالصرخات التي راحتْ تطلقها في أقصى درجات الألم كانتْ تخرج من حنجرتي، وانقباضات الرحم التي تتقارب لتدفع بطفلنا للحياة كنت أحسّها تمزّق أحشائي معها!
حقّكم أن تروا أني أبالغ وحقّي أن أقول أنكم لم تجرّبوا الحبّ الحقيقي يوماً...
لكن مهلاً، للحكاية بقية.. فمع كلّ نهاية بداية ما جديدة، والطفل الذي أعطى لحياتنا سعادة مضافة ولحبنا تجسيداً آخر، كشف أيضاً عن ملامح لعلاقتنا لم تكن واضحة من قبل، فكلمة واحدة غير منصفة كافية لتحدث فارقاً في العلاقة، كأن تسمع جملة قاصمة ممن عشقتَ حتى نسيم أنفاسها، وحملتَ وولدتَ وتربّي معها:
- أنت لا تشعر بي ولا بتعبي.
والحقيقة ليستْ العبارة بالذات ما جعل مشاعري تقف في ذهول وعجز عن الفهم، حتى لفرط ما ألمّ بها من ألم كدتُ أنكر أنها حقاً مشاعري، لأني متأكّد من حبّي لريتا ومن صدق هذا الحبّ وبشكل طبيعي واثق من حبّها لي، لكني لم أتوقع من حبيبتي حين عجزتْ عن استيعاب تفاصيل المسؤولية الجديدة كزوجة وكأمّ أن تتنكّر لما فعلته وأفعله لأجلنا معاً، أو تنعتني بقلّة الإحساس.
بدتْ ريتا بعد الولادة منهكة كأنها تخوض حرباً، وقد بقيتْ أمّها ترعاها لأسابيع، ثم عادتْ إلى مدينتهم بعد أن استقرّ بهم المقام هناك، وقد بذلتُ كلّ طاقتي وجهدي بعد سفر والدتها كي أهبها الراحة والسكينة، وأخذتُ على عاتقي أن أمارس مع طفلي كلّ ما تفعله الأم.. إلا الرضاعة! وكنتُ حريصاً على أن تنام جيداً ولو على حساب راحتي، بأن أسهر مع الصغير لترتاح، ولا أطلب منها أن تلبّي أيّ شيء يخصّني، لأني أساساً لستُ شخصاً متطلّباً.
ومضتْ عدّة شهور.. وانتظم نوم ميلاد وطعامه، لكنّ ريتا لم تعد ريتا...
ريتا التي كانتْ مثالاً للصبر والتعاون والطاقة الإيجابية أثناء الحرب والاحتجاز، صارتْ بعد الإنجاب تغضب بسرعة، وتفرط في البكاء دون سبب واضح، مع تقلّبات مزاجية حادّة.
أعود من المدرسة فأجدها نائمة، وألقى البيت على ما تركته صباحاً من الفوضى، ثم تعتذر عن عدم تجهيز الغداء، وتبدو طوال النهر متعبة وفاقدة للطاقة، مع صعوبة في التركيز وعدم الرغبة بممارسة أيّ نشاط ولو كان مَصدراً للمتعة.
أحاول أن أفهم هذا الانقلاب المفاجئ عند ريتا دون أن أظلمها فأعجز، ولا أعي نوبات الهلع والقلق واليأس عندها، ولا عدم رضاها عن نفسها أو خوفها من أن لا تكون أمّاً جيدة، أو إحساسها بانعدام القيمة وعدم ثقتها بنفسها.
تعتذر لعدم زيارتها لأهلي رغم أن بيننا جدار فقط، وتعترف بإهمالها للتواصل مع الأصدقاء، لكنها لا تبادر بأيّ خطوة بعد ذلك، وقد يتفتّق فجأة حنينها لأسرتها البعيدة، وتتعاظم بعينها المسافة التي تفصلها عنهم.
كنتُ أشحن ذاتي بتفاصيل قصّة حبّنا المختلفة كي لا أتعب أو أنسحب، واستمرّتْ تأكيداتي لها على أني أحبّها كما هي، وأني لا آبه للزيادة الواضحة بوزنها، لولا خوفي على صحّتها، وأشجّعها على العودة للرسم ولو لوقت قصير، وأحثّها على الخروج لقضاء وقت ممتع مع صديقاتها، وأخذ إجازة منّا ولو لساعات، وترك ميلاد بعهدتي في غيابها، وأفاجئها بهدايا تحبّها أو تتمنّاها، وأرسمها في لوحات بتجليات مختلفة، لأنها أساساً ملهمتي ولا ترى عيني أجمل منها، إلا أنها تبدو لي كلّ مرة وكأنها نسيتْ تماماً يوم كانت تقول لي ولو تعليقاً على عبارة تدهشها وهي تغمرني عشقاً:
- حبيبي الذي لا تنقضي عجائبه.
ولأني أعلم الناس بريتا، رحتُ أستعين بالصبر والعشق، وبقيتُ أرعاها بذات الحنان وأهتمّ بالصغير والبيت، رغم البرود واللا مبالاة الذي تقابل بهما ما أفعله، والجفاف العاطفي الذي أقصي عقلي عن فكرة أن يغدو تصحّراً مع مرور الوقت، لأني كنت مصّراً على أنه عارض وسيمضي.
وفعلاً صدق حدسي....
استغربتُ كثيراً حين جلست بقربي ذات مساء يشابه كلّ الأمسيات الفاترة التي قضيناها بعد الولادة، كان ميلاد يغفو في سريره، وأنا أتأمّل الخالق بوجهه الملائكي ويديه الغضتين، وأشكر ربي بكامل الرضا على نعمته علينا.
أمسكتْ ريتا بيدي وقبّلتْ باطن كفّي بعينين دامعتين وهي تهمس: - شكراً لأنك حبيبي الذي يحتويني بكلّ حالاتي.
ثمّ ناولتني هاتفها المحمول وهي تقول:
- حبيبي.. من فضلك استمع لهذا اللقاء.
استغربتُ طلب ريتا، لكني كالعادة وبدافع الحبّ فقط، رحت أتابع الفيديو باهتمام.
كان الطبيب يتحدّث عن أعراض "اكتئاب ما بعد الولادة"، التي تنطبق حرفياً على ما تمرّ به ريتا توأم الروح، وقد عبّرتْ ملامح وجهي عن دهشتي وبنفس الوقت عن راحتي، فكلّ ما كانت تمرّ به ريتا كان حالة خارجة عن السيطرة، وحمدتُ الله كثيراً في سرّي حين قال: "إن الاستسلام لفكرة أنه أمر عارض في منتهى الخطورة.. ويحب مراجعة الطبيب فوراً كي لا يتطوّر إلى ذهان ما بعد الولادة".. حمدته لأننا تداركنا الأمر قبل تفاقمه.
كلانا لم يكن يعلم ما الذي يجري، ولا خطرتْ ببالنا أبداً فكرة أن يعقب الولادة اكتئاب، وبالتأكيد كانت شهوراً ثقيلة على حبيبتي التي لم تكن مدركة للتبدّلات النفسية والجسدية التي طرأتْ عليها والشعور الدائم بالذنب والعجز عن الخروج من شرك يلتفّ عليها ولا تفهمه.
أما بالنسبة لي، فكنتُ كلّي إيمان بأنه اختبار لحبّنا الذي يقوى ويثبت مع كلّ ظرف أو مطبّ أنه الخلاص الوحيد، طالما الله معنا وبنا.
بعد جلسات قليلة مع الطبيب، والتزام ريتا بنصائحه وإرشاداته وتناول الأدوية التي وصفها بمواعيدها، مع رعايتي لها وحبّي الذي لم يخذلني لحظة، عادتْ ريتا كما رآها قلبي أوّل مرّة...
وعين القلب لا تكذب أبداً.
"٥"
هي النهاية إذاً.....
لم أصدّق لحظةً أن تصدق ريتا وعيدها بهجري الذي يعقب كلّ نوبة غضب وغيرة، كنتُ مؤمناً بل موقناً بأنّ عشقها كعشقي محال أن يصبح قبض ريح إثر خلاف غير منطقيّ بيننا، يستند أساساً على خيوط الأوهام الواهية لعنكبوت الشكّ.
كانت تردّد كلّ مرّة وهي تصرخ وتبكي:
- لن أسمح للحبّ أن يضعفني، ومحال أن أستمرّ في الحياة مع نيران الشكّ والغيرة مهما بلغ حبّي وتعلّقي.
وحين أحاول أن أشرح لها وأبرّئ نفسي مما لا يليق بمحبّ يعشق الهواء الذي تتنفّسه والتراب الذي تطأه، تجهش من جديد بالبكاء وتصرخ:
- دعنا نفترق، أو اختر.. أنا أو معجباتك.
- أنت معبودتي الأولى والأخيرة، ولا تغريني نساء الأرض قاطبة أو أجد بإحداهنّ بديلاً، أرجوك اهدأي وقدّري ظروف عملي كفنّان، واضطراري للمجاملة والملاطفة الذي تحسبينه غزلاً، وتتصوّرين أن الغزل يستبطن علاقة ما.
- جواد.. رأيتكما بعيني ولم يخبرني أحد! قل لي ما معنى أن تبقى تلك الفتاة معك في المرسم بعد أن غادر الجميع؟! أنا لا أشكّ فيك لكني لا أثق بأن نواياها بريئة، خاصّة وهي ترتدي ذلك القميص المفتوح عند الصدر، وتتعمّد أن تنحني على الطاولة بينكما.
كنتُ أعذر ريتا بغيرتها عليّ، لأني أعلم أن الغيرة مصدرها القلب، القلب الذي أحبّني ولا يزال، لكنّي لم أعذرها أن تخرب حياتنا بخيالاتها وتصوّراتها وتحوّل حياتنا لجحيم، ثمّ ما الذي يمكن أن أفعله لترضى، هل أفتح مرسمي للمعجبين فقط وأمنع حضور المعجبات!
أمسكتْ هاتفي المحمول وهي تقول بانفعال وتوتّر عالٍ:
- افتح على آخر محادثة بينكما، واقرأها لي.
خرجتُ عن طوري ووجدتُ صوتي يعلو وأنا اقول:
- هل تتجسّسين عليّ، أم تختبرين وفائي؟!
- لا.. فقط هو الفضول الذي يحرقني كي أعرف ما يبقيك سهراناً لساعة متأخرة من الليل؟! ومع من تتحدّث إن لم يكن معها؟!
- حبيبتي ريتا.. هي كلمة واحدة أريد أن أسمعها منك.. الآن.. هل تثقين بي أم لا؟!
- أثق يا حبيبي .. والله أثق.. ولا يمكن أن أتصوّر ولو للحظة أن تخونني، ولكن قل لي ما أفعل بهذه النار التي تأكلني، كلما رأيتُ إحداهنّ تتمادى معك في غنجها أو إغوائها؟
مسحتُ دمعها مطمئناً، وضممتها لساعات إلى صدري حتى أغفتْ كطفل صغير، ثم نمتُ وأنا أحسّ بضيق في الصدر لعجزي عن التعامل مع فعل لا إرادي قلبيّ.
وحين استيقظتُ صباحاً، لم أجد ريتا قربي في السرير، بينما ميلاد لا يزال نائماً كالملاك.
ناديتها ردّ الصدى أن لا أحد، بحثتُ عنها كالمجنون في غرف البيت، فلم أجد إلّا الفراغ الفاغر فمه لابتلاعي، فتحتُ الهاتف وبي أمل يراودني أن تكون قد تركتْ لي رسالة ولو على سبيل التطمين، لكنّ الهاتف كان أصمَّ أبكماً بلا أيّ إحساس أو تعاطف، وهاتفها أيضاً مغلق لا يجيب.
لو كان من عادتها أن تخرج يوم العطلة باكراً ما كنتُ استغربتُ، لكنها بالكاد تغادر المنزل وإن حدث فمعي، ومحال أن تكون عند أهلي، لأنها تخبرني قبل ذلك، لذلك لم أسألهم وأشغل بالهم في هذا الصباح الباكر.
تهاويتُ على السرير غير مصدّق، وكأنّي في قلب كابوس سأصحو منه حتماً بعد قليل، ولا أدري كم من الوقت مرّ عليّ وأنا على هذه الحال مسلماً نفسي لتداعيات الذاكرة تعيدني لتفاصيل قصّة حبّنا، واستحالة أن تتصرّف ريتا برعونة، ولن تفعل إلا ما يمليه عليه قلبها وحبّها.
عادتْ ريتا بعد حوالي ساعتين، بدتْ متعبة وعيناها حمراوان.
أسرعتُ إليها أضمّها وأنا اسألها:
- يا مجنونة هل ستفقدينني عقلي.. أين كنتِ؟!
- خرجتُ أمشي قليلاً، وأراجع تصرّفاتي غير العاقلة في الآونة الأخيرة.. آسفة حبيبي جواد لخروج انفعالاتي عن السيطرة.
- بل أنا الذي علي أن أتأسّف لأني لم أهتد بعد لطريقة تجعل نيران قلبك برداً وسلاماً تجاهي.
ثمّ مازحتها قائلاً:
- هل تقبلين أن تستلمي إدارة المرسم، وتسمحي لمن تشائين بالدخول.. وتمنعين من تشائين؟
حبيبتي.. من تلك التي تستطيع أن تنافسك ولو بخصلة من خصالك، ومن لها مثل روحك يا روحي، ثم هل تظنّين أن عيني ترى أجسادهن المعروضة وعندي كنوز سليمان؟!
إنك تملئينني الى الحدّ الذي ليس هناك فراغ لسواك.
دفنتْ رأسها في صدري، وهي تردّد.. أحبّك جدّاً.
ذلك لا يعني طبعاً أنها كفّتْ عن الغيرة، لكنها اطمأنتْ أكثر ولم تعد تحاصرني، وشغلتنا الحياة ومسؤوليتنا المشتركة تجاه ميلاد عن قصص الشكّ والغيرة، خاصّة بعد أن أخبرتني أن طفلاً آخر غافلنا ويصرّ على القدوم للدنيا رغم الحذر والمنع، ولم يكن أمامنا إلّا التسليم بما شاء الله لنا.
يتبع...
ومن الحبّ ما اكتمل
"١"
أيقظتني ريتا باكراً لنهيّئ نفسَينا للسفر إلى العاصمة ومنها إلى مدينة حبيبتي المحرّرة، ورغم أني كنتُ بين الصحو والغفوة استطعتُ أن أميّز صوتها الواهن المتعب الذي ناست ألوانه التي طالما تغزّلتُ بها، فهو الأبيض حين تكون طفلتي، والزهريّ حين تلهو معي ما بين مزح وجدّ، والبنفسجيّ حين تنطق بالحكمة، والأحمر إن ابتهلت شفتاها عشقاً، و... و...
كانتْ تضع يد على كتفي ويدها الأخرى على معدتها وهي تهمس:
- انهض يا حبيبي، غسّل والحق بي إلى المطبخ، لقد أعددتُ ما تيسّر من الفطور لنأكل قبل السفر، وحقيبة أمتعتنا جاهزة، لا أظنّ أني نسيتُ شيئاً من حوائجنا ليومين أو أكثر حسب التيسير.
كنا قد رتّبنا أمورنا منذ أيام وحدّدنا يوم السفر بعد أن صرّحتِ الحكومة بالسماح للنازحين بالعودة لمنازلهم وأن المدينة صارتْ آمنة، ولم يكن هناك ما يعيق سفرنا فريتا تركتِ العمل عند المحامي قبل زواجنا بأيام، وأنا حرّ من دوام المدرسة بسبب العطلة الصيفية، أما المرسم فلم أكن قد افتتحتُ دوراتٍ جديدةٍ لتعلّم الرسم أو تطوير مهاراته بعد، وقد تعهّدتْ سارة أن تفتحه يومياً وتدرس هناك استعداداً لامتحان الدبلوم التربويّ، فيما لو اضطررنا للبقاء لأيام، وهكذا يبقى الباب المفتوح للمرسم موحياً بالحضور واستمرار العمل.
أقلقني صوت ريتا بداية ثم زاد قلقي وأنا أرى اصفرار وجهها وشعورها بالغثيان، رغم أننا كنا في تمّوز مما ينفي فكرة تعرّضها للبرد، وحاولنا أن نتذكّر ماذا أكلنا خلال اليوم السابق وسبّب اضطراباً في الأمعاء، لكني لم أكن أشكو مثلها من أيّ عرض، ولم يخطر ببالي أنها أعراض أنني سأصبح أباً عمّا قريب.
قلتُ لريتا وانا أضمّها بحنان:
- لن نسافر وأنت على هذا الحال!
سأتّصل بأبيك وأبلغه بمرضك ونؤجّل الموضوع ريثما تتعافين.
حاولتْ أن تقنعني أنها بخير وستتحسّن مجرّد أن تأخذ الدواء، وأدمعتْ عيناها وهي تقول:
- أنت أكثر من يعلم كم انتظرتُ هذا اليوم.
بعد أخذ وردّ توصّلنا لحلّ معقول...
أن أسافر وحدي مع أبيها هذه المرّة وتبقى هي في بيت أهلها لحين عودتنا، بحيث تهتمّ أمّها بها في غيابي، ووعدتها أن أبقى على تواصل مستمرّ معها.
وافقتْ مرغمة، وأخذتْ تفرغ ملابسها من الحقيبة وهي تحاول أن تبدو قوية متماسكة، بينما أتلو عليها وصاياي بأن ترتاح وتنتبه لغذائها وتذهب للطبيب إن استمرّت الأعراض.
ثم قبل أن أغادر، دخلتْ غرفة نومنا وعادتْ وهي تحمل دفتراً أنيقاً وضعته في حقيبتي وهي تقول:
- تسلّى بقراءته خلال الطريق، وبذلك سأكون معك لحظة بلحظة، لأني أودعتُ روحي بين السطور.
ثم ودّعتني بابتسامة أشرقتْ من خلف غلالة الدموع وهي تهمس: "بأمان الله".
توجّهتُ إلى بيت عمّي الذي كان ينتظرني، بعد أن أعلمته عبر الهاتف بمرض ريتا، ورجوتُ زوجة عمّي ألا تتركها وحدها، وأنا أعلم أن الأمّ لا تُوصّى على أبنائها، لكن حبّي لريتا وخوفي عليها، كانا قد جاوزا المنطق والمعقول.
ولو سألني سائل: ما الذي يدفعك أن تترك زوجتك المريضة وأهلك ومرسمك، وتسافر كلّ هذه المسافات إلى أنقاض مدينة خاوية؟!
لجاء الجواب بلا تفكير: الحبّ.. وفقط الحبّ!
فلا كان حبّ لا يتشارك به العاشقان المشاعر والأفكار والأحلام وحتى الهواجس، ويمضيان يداً بيد في الدروب اليسيرة والوعرة.
وليس حبّاً ما اكتفى برسم اللوحات وكتابة القصائد والسهر لساعات بضوء القمر.
بل الحبّ.. كتف يسندُ ويد للعون تمتدُّ وحضن ساعة الألم يصبح كوناً لا يحدّ.
وريتا وأنا تشاركنا حتى الأنفاس، ورسمنا أبدع اللوحات، وكنا معاً وسنبقى بوجه كلّ صعب قلباً وروحاً ووجداناً.. فكأنّه الحبّ الذي اكتمل.
تبادلتُ وعمّي أطراف الحديث، وأنا استشعر الحزن والقلق معاً بصوته، ورحتُ أبثّه الأمل بأن بيته بخير، وسيعود إليه ويمارس عمله مثل قبل، وأني أعتبر نفسي بمثابة ابنه ويمكنه أن يعتمد علي، والحقيقة أني كنتُ أحاول أن أقوى من خلال حديثي معه، فكلّ ما سأراه حين وصولنا سيكون بعيني ريتا حتماً، وكلّ ما سيعتريني من مشاعر هي مشاعرها لو رافقتني، لأننا ببساطة كينونة واحدة بجسدين.
وحين صمتَ وأسند رأسه للمقعد وتأكّدتُ من نومه، أخرجتُ دفتر ريتا من حقيبتي وفتحته لأقرأ على أوّل صفحة بخطّها الجميل:
يوميّات الحجز والنزوح
"٢"
• اليوم الأول
لا أصدّق ما يحدث... أكبر من استيعابي ما قلب حياتنا رأساً على عقب وأدار دفّة المصير بالسلاح والقوّة، وجعل الجميع في حالة من الذهول ووجع السؤال!
استيقظتُ كعادتي باكراً ونهضتُ من فراشي مقاومة دفء الفراش الذي يغريني بالبقاء فيه في هذا الصباح الماطر من كانون الأوّل، فمحاضراتي في كلّية الحقوق لهذا اليوم تبدأ عند الساعة الثامنة، وأنا حريصة على ألّا يفوتني أيّ درس، بعد أن تحقّق طموحي بالالتحاق بكلّية الحقوق كما حلمتُ دوماً.
وفيما أنا أزيح ستائر نافذة غرفتي التي تطلّ على الشارع الرئيسي لأتيح للضوء أن يتسلّل عبر الزجاج، رنّ هاتفي المحمول وجاءني صوت صديقتي سميّة مفزوعاً من غير استهلال بعبارة "صباح الخير":
- ريتا.. انظرني من النافذة..
وأجهشتْ بالبكاء وهي تكمل بجمل غير مترابطة:
- لا جامعة بعد اليوم ولا من يحزنون.. راحتْ علينا وعلى أهالينا.. ويا عالِم إن كنا سنبقى أحياء.
ثم أنهتْ الاتصال بينما رحتُ أمسح الشارع بعينيّ عبر النافذة لمدى بعيد، فهالني وجود رجال مسلّحين وقد توزّعوا حتّى في الشوارع الفرعية، كانوا يرتدون لباساً عسكرياً غريباً، ويركبون سيّارات مصفّحة لم أر مثلها من قبل، فعرفتُ أن مدينتي قد استبيح أمانها وأننا منذ اللحظة أصبحنا محتجزين.
ما أشدّ غفلتي حين كنتُ أحسب أننا بمنأى عما يجري بباقي المدن، ما دامتْ مدينتنا تشكيلة من الطوائف، وسكّانها يعيشون بسلام مشغولين بأعمالهم وحياتهم الأسرية عن كلّ ما يشهده الوطن من نزاعات.
ذهبتُ إلى الصالون فوجدتُ أبي الذي كان أيضاً على وشك الذهاب للعمل، قد فتح التلفاز وجلس يتابع الأخبار، عبر محطّاتِ التلفزيون على اختلاف توجّهاتها، بينما أمّي تحضن أختيّ اللتين ارتديتا لباس المدرسة وتبكي بصمت يحرق القلب.
مضى الوقت ونحن لا نزال في حالة ذهول وعجز عن استشفاف الخطّة المرسومة لنا أو ماذا يُراد منا ومن مدينتنا التي تمّ الاستيلاء عليها بسهولة لعدم وجود مقاومة وسلاح بأيدي المواطنين، ثمّ رنّ الجرس بقوة وبشكل متواصل، فوجف قلبي وأحسستُ بخوف هائل، بينما أشار أبي أن نبقى في الداخل مع أمّي، ثم فتح الباب ليجد شابين مسلّحين راحا يسألانه بالتفصيل عن عدد افراد الأسرة، وإن كان يوجد رجل غيره في البيت، وعن عمله، ثمّ طلبوا هويّته وأعادوها له، وبدا واضحاً أن اسمه ليس ضمن القائمة التي يستهدفونها. تكرّر الأمر مساء إنما عن طريق شابين آخرين، دخلا وبدءا يفتّشان البيت بطريقة عشوائية، ونظر أحدهما نحوي نظرة أحسست معها أني سأكون سبيّة خلال لحظات، لكنهما غادرانا، وبقيتُ أرتجف رغم أن أبي طمأنني أننا لسنا المعنيين بعملية "التفييش" التي يجرونها.
- سننام الليلة جميعاً في هذه الغرفة الصغيرة وسط البيت بعيداً عن الشرفات والنوافذ، خوفاً من القذائف والرصاص.
قالها أبي وهو يساعد أمّي في تهيئة الغرفة لمنامنا، محافظاً على هدوئه وتماسكه، لأنه يعلم جيداً أنه عمود البيت الذي ما تداعى انهرنا جميعاً.
خطر لي قبل أن أحاول النوم أن أدوّن على هذا الدفتر يومياتي، وأنا أختبر لأول مرّة في حياتي مشاعر ومفاهيم مثل الخوف.. الظلم.. الطائفية.. الانتظار.. والوقوف وجهاً لوجه أمام الموت.. ورحتُ أتلو بسرّي المعوذّات وقصار السِّور وصلاة حفظتها من صديقتي المسيحية كنت أحس بطمأنينة عند تلاوتها:
"ربنا الذي في السماء.. لتكن مشيئتك"
• اليوم الثاني
لم أتوقّع يوماً أن يكون الموت بهذه البشاعة، فصوت إطلاق النار الذي أيقظنا جميعاً فجر هذا اليوم أسفر الصباح عن ضحاياه، ثلاث جثث ملقاة عند مدخل البناء المقابل لبنائنا، كانتْ إلى ما قبل ساعات تضجّ بالحياة وتحلم بالمستقبل.
اليوم أرى مسلّماتي تتساقط أمام عيني واحدة إثر أخرى، كبدهيّة أن للموت حرمة، وكانت نظرة خاطفة من شرفة المنزل كافية كي تجعلني أنهار وأدخل في نوبة من البكاء الهستيري لعجزي عن الفهم، مما جعل أبي يصعّد نبرة صوته محذّراً إياي من الخروج للشرفة أو النظر من النافذة، ثم لانتْ لهجته وراح يحاول تهدئتي مشيراً إلى أنه يعتمد علي بإلهاء شقيقتيّ عما يدور في الخارج سواء باللعب أو قراءة القصص أو مشاهدة التلفاز.
ثم ذهب ليتّصل عبر الهاتف إمّا استطلاعاً ليعرف مستجدّات الأمور أو اطمئناناً على معارفنا وتطميناً لأقاربنا خارج المدينة، وسمعته يقول لأمي:
- لقد خرّبوا المقسم، وقطعوا الاتّصالاتِ الهاتفية، وعلينا أن نتهيّأ نفسياً لما هو أعظم.
• اليوم الثالث
كان أبي محقّاً باستباقه الأمور، فقد نزل مساء أمس إلى قبو المنزل وهيّأه لأيّ ظرف طارئ نضطرّ معه للّجوء أو الاختباء فيه، وصدق حدسه بأسرع ممّا توقّعنا، حين علتْ مكبّراتُ الصوت ظهيرة هذا اليوم تطلب من السكّان جميعاً إخلاء البيوت والنزول إلى الأقبية، بعد أن قطعوا صباحاً الكهرباء عن المدينة.
وأن يقطعوا الكهرباء يعني أن يحكموا علينا بالشلل والظلام ومن ثمّ عزلنا تماماً عن سوانا سواء داخل المدينة أو خارجها، لأن هواتفنا المحمولة ستفرغ من شحنها خلال أقلّ من يومين، وهذا وحده كفيل بجعل كلّ فرد فينا كجزيرة منفيّة وسط البحر، مع إحساس يتفاقم بالوحشة والخوف.
أنزلنا معنا إلى القبو كحال سائر الجيران ما يلزم من فرش ووسائد وأغطية وماء وطعام وبيل للإضاءة وما توافر عنا من شموع، ولم أنسَ اصطحاب هذا الدفتر معي فهو أنيسي والشاهد على ما يجري...
كما لم تنسَ أمّي القرآن وثياب الصلاة، وأختيّ ألعابهما، وأبي.... حمل همّنا الكبير.
• اليوم الرابع.. من الأسبوع الثاني
أعتذر منك يا دفتري الحبيب لأني انشغلتُ عنك في الأيام الماضية، فقد حصلتْ تطوّراتٌ كثيرة وخاصّة بالنسبة لي.
بدأ التغيّر حين غفوتُ لأوّل ليلة بعيداً عن دفء سريري وأمان بيتنا في هذا القبو الرطب الضيّق المظلم الأشبه بزنزانة، فقد تقلّبتُ كثيراً وأنا أفكّر فيما كنا عليه وما إلنا إليه، وأكاد أكفر بكلّ القيم الإنسانية التي تربّيتُ عليها.
وفجأة من قلب السواد.. لمعتْ بقلبي بارقة نور خاطفة، وصوت لم أدر هل هبط عليّ أم صعد مني يقول بنبرة جلّية:
"فكّري جيداً.. هل دراستك للحقوق محض صدفة .. أم أن لك حقاً دوراً في كلّ ما يجري ولو بدا بسيطاً؟"
استويتُ على فراشي وكأن يداً نبّهتني، وبدأتْ أفكاري تتّجه بعيداً عن سوداويّة المشهد، ورحتُ أرتّب في ذهني ما عليّ فعله خلال الأيام القادمة، ورأيتُ حواسي كلّها تُساق نحو الأطفال الذين سيكبرون إذا قُدّر لنا أن نخرج من هنا، وعلى هذه الأيام السوداء ألّا تترك لعنتها في ذواكرهم، بابتداع أفكار مسلّية وبنفس الوقت تحمل قيماً إيجابية وروحا تعاونية، إضافة لتعزيز الأمل والقوّة عند المحتجزين، وتخفيف معاناة وألم المرضى، ومساعدة الحوامل والمرضعات، وأنا بكلّ عمل أقوم به، أشعر بطاقة التحدّي في داخلي تكبر ويزداد إيماني بالإنسان.
• النزوح
نفذتْ مؤونة الطعام في كلّ بيوت المدينة، رغم الخطّة الاقتصادية التي اعتمدها الجميع ليكفيهم ما تبقّى منه أطول زمن ممكن، بتقليل عدد الوجبات وكميّة كلّ وجبة، ورغم تقاسمهم ما في بيوتهم من زاد حتى آخر لقمة، فكأنّ المصير المشترك يجعل البشر أكثر قرباً وتآلفاً وتشاركاً، ويسفر عن الجوهر الإنساني الواحد فينا
حوانيت المدينة خاوية منذ اليوم الأول لاحتجازنا، بعد أن أُفرغتْ وتمّ ترحيل ما فيها، وما من معونات تأتينا من الخارج رغم الأخبار التي تؤكّد أن ما ترسله الأمم المتحدة يكفي أضعاف عدد سكّان مدينتنا، فالكلّ يتاجر بنا وآخر همّه حياتنا، بينما وضع المرضى يزداد سوءاً لأن الصيدليات أيضاً تمّ الاستيلاء على ما فيها من أدوية، وأمام هذا الوضع الجديد، خرج جميع المحتجزين إلى الشوارع يطالبون بالغذاء والدواء، فلم تر القياداتُ بدّاً من ترحيلنا على دفعات من جهاتٍ حدّدتها لنا وفرضتها علينا.
إنها لحظة الخلاص، لحظة لن تستطيع أبجديات العالم كلّها أن تصفها..
عند باب البيت نقف قبل أن نسلم أنفسنا للمجهول الذي ينتظرنا، التفاتة أخيرة نحو بيتنا وتفاصيل ذكرياتنا التي لا نملك الوقت لاستحضارها، يحمل أبي الحقيبة الكبرى على ظهره، بينما أمّي وأنا نحمل الحقائب الصغيرة ونمضي سيراً على الأقدام ريثما نصل للطريق العام، في دروب غير معبّدة تنغمس أرجلنا في الطين فنضطر لخلع أحذيتنا، فيستغرق قطع الطريق النهار كلّه على قصر المسافة.
كنت طوال المسير أردّد بيني وبين نفسي: (هذا الوقت أيضاً سيمضي)، فما من قوّة في هذه اللحظات إلا التي يستنهضها كلّ منا من داخله ليقوى على كلّ خطوة بالكاد صار بمقدوره نقلها، فيما قلبي ينفطر على أختيّ الصغيرتين وعلى كلّ الأطفال في تغريبتنا السورية، وعيناي معلّقتان على آلاف النازحين على مدّ النظر، وحّدتنا جميعاً على اختلاف مذاهبنا وأعمارنا وأعمالنا المعاناة والمشاعر، في حرب حتّى المنتصر فيها خاسر.
• بداية جديدة
تبدو هذه البلدة هادئة وسكّانها طيّبين، ولعلّ هذا ما نحتاج إليه حالياً لننسى، اخترناها بناء على نصيحة خالتي التي نزحتْ إليها قبلنا من الشمال، لبعدها عن الخطر والمشاكل، ورخص الأجور والمعيشة.
استأجرنا بيتاً صغيراً وتدبّرنا فرشه بمساعدة أهالي البلدة لنا ووصول بعض المعونات من أغذية وأغطية، وشراء اللوازم الضرورية المستعملة.
لم يكن الأمر سهلاً، فبعد أيام العزّ والاكتفاء نحيا على صدقات الآخرين، وما تمنّ علينا به الجمعيات الخيرية من مواد غذائية تتناقص شهراً بعد شهر، لكن دموعي التي انهمرتْ لأوّل وهلة ونحن نبدو كالشحّاذين تعلّمتُ كيف أحبسها كي لا تتأثّر بها أمّي وشقيقتاي، والأحلام الوردية التي طالما داعبتْ خيالي سأطلقها كطيور في الفضاء كي لا تختنق معي في هذا الوطن البائس، ومن يدري قد تعود لي يوماً ما ولو بعد حين، فقلبي يصرّ على أنّ "ما من حال يدوم"
غدا سأباشر عملي عند محام بأجر زهيد لكنه حتماً سيساعد في دعم تقاعد أبي، لن تنغلق جميع الأبواب رغم قسوة ما حدث، فحيثما كنتَ ستلقى يداً ممدودة نحوك لتنهض من جديد، ثق بالحياة وبنفسك وبالمحبة ثم.. دعِ الله يعمل.
نسيت أن أختم مذكّراتي بما يدور بخلدي تعبيراً عن إيماني بالحياة..
أفكر جدّياً بمعاودة الرسم، ففي داخلي اكتظاظ أفكار مما رأيتُ واختبرتُ وما أتطلّع إليه، وأحتاج لفسحة من البياض أتنفّس من خلالها، وأحلّق من خلالها بعيداً.. بعيداً.
آه أيها الدفتر الحبيب... آه لو يدري البشر.. أن لا خلاص إلا بالمحبة، بها نقوى على الألم ونقاوم الشرّ، ولولا كنّا قلباً واحداً ما كنا الآن أحراراً، حتى ولو تكاثف ضباب الغد القادم!
"٣"
يمضي بنا الطريق... وأنا أحيا يوميّاتِ ريتا لحظة بلحظة، واضعاً يدي على قلبي، كأنّي أهوّن عليها كلّ هذا الألم ما دامتْ وحدها تسكنه، أو أعبّر عن إعجابي بإرادتها وقوّتها، مستحضراً أيام سجني وتجديفي على الله، وأرى كم تفوقني صبراً وإيماناً وثقة بالله والإنسان، مستغرباً أن توحّدنا التجربة كما وحّدتنا الأفكار والمشاعر والصفات، وقد خطر لي أن خطّ ريتا وليس لغتها فحسب هو كائن حيّ، وأن سطورها حيناً تموج باضطراب وتتداخل الحروف، فأحضن الدفتر كأني أضمّها لتسكن وتهدأ وأنا أهمس: "يا روحي"، وحيناً أراها تنساب في نعومة خيط الحرير الذي لا يمكن قطعه فأمتلئ فرحاً بأن هذه السطور روح حبيبتي.
أغلقتُ الدفتر محبوس الأنفاس، ثمّ أمسكتُ بالهاتف لأطمئن على ريتا التي رافقتني بروحها بينما تركتها مريضة.
- حبيبتي ريتا، طمنيني كيف حالك؟
يأتيني صوتها واهناً وهي تقول:
- اشتقتُ لك.. أنا بخير.. لا تقلق عليّ فأنا الآن في بيت أهلي.. أين صرتما؟
- على مشارف العاصمة.
- الحمد لله.. طمّني حين تصلا لبيتنا.
- بالتأكيد حبيبتي، أرجوك استرخي ولا داعي للتوتّر، ولطف الله دوماً معنا.
- بأمان الله حبيبي.
- بأمان الله يا روحي.
العاصمة هي العاصمة، كآخر مرّة رأيتها بها قبل سفري، ما تغيّر فيها هو الازدحام الذي لا يطاق والسيارات التي تفوق عدد السكان، فقد برعتِ الحرب بإساءة توزيع البشر بشكل غير منطقي على المناطق، وكان نصيب العاصمة الحظّ الأوفر سواء من المناطق المحيطة بها أو من المحافظات الأخرى، كذلك أصبحتْ هجيناً عجيباً من اللهجات والمستويات المعيشية وتبدو للناظر من بعيد كطاحون لا تهدأ ما بين طحين وقشّ تذروه رياح الأقوى.
نزلنا من الحافلة وتوجّهنا نحو كراج السيارات التي توصل لمدينة زوجتي، كانتْ هناك واحدة على وشك الانطلاق فحمدنا الله لأن الحرّ كان ساعتها لا يطاق، وقد بدا التعب على عمّي بشكل واضح، فتوسّلتُ أن يكون البيت بحال يسمح بالراحة أو نجد فندقاً ما زال مفتوحاً للعائدين.
رغم أن عمّي كان قد هيّأ نفسه مسبقاً لأسوأ احتمال، وهو أن يكون بيته كبعض البيوت التي رأيناها بعد دخولنا المدينة وقد ساوتْ بقضّها وقضيضها الأرض، إلا أنه لم يحتمل ما رآه مجرّد دخولنا من الباب المخلوع للشقّة، وراح ينتقل واجماً في شبه ذهول من غرفة لأخرى يعاين الخراب والدمار الحاصل، وكنتُ مثله عاجزاً عن استيعاب المشهد وما يمكن أن أقوله لريتا لو اتّصلتْ تستعجلني إخبارها بحال البيت.
أأخبرها أن قذيفة اختارتْ غرفتها تحديداً واخترقتْ أحد جدرانها ليهوي معظمه على سريرها ويحيله قطعاً مهشّمة من الخشب؟!
أم أصف لها حال لوحاتها التي علّقتها على الجدران في كلّ ركن، وقد تحطّمتْ أو تمزّقتْ بفعل فاعل انتقاماً من الفنّ؟!
أم أصوّر لها مكتبة أبيها الضخمة التي أمضى عمره يجمع على رفوفها قطوف الحكمة والشعر والفلسفة قد صارت مداساً على الأرض، تئنّ مزقاً في صمت العاجز كما يئنّ صاحبها مربّي الأجيال.. عمّي الفاضل النبيل.. وهو يتأمّل أنهم لم يروا بينها طبعاتٍ بحجوم مختلفة للقرآن الكريم؟!
أم أقول لها لم تبق نافذة لم تفغر فمها على اتساعه، وقد صار زجاجها شظايا متناثرة في كلّ مكان، بينما يغطّي الغبار المشهد كلّه؟!
هل أحدّثها عمّا نُهب من ملابس وأغطية وأدوات كهربائية، أو أعدّد لها ما بقي من أثاث لم يُترك تعفّفاً وإنما لصعوبة نقله؟!
لا.. لن أخبرها بأيّ تفصيل يزعجها، وسأكون كما ينبغي للحبّ أن يكون، قوّة بناء وخلق في وجه أعداء الإنسانية ومعرقلي النماء وحاملي راية الموت، وسيعود هذا البيت عامراً بمحبّة أهله وأنا منهم...
فتحتُ هاتفي المحمول وكتبتُ لريتا أخبرها بوصولنا وأطمئنها ان البيت والحمد لله بحالة جيدة مقارنة مع سواه، هو فقط يحتاج لبعض الترميم، ووعدتها أن أتّصل بها بعد أن نرتاح لأوافيها بكلّ التفاصيل.
وراح ذهني يرتّب بسرعة فائقة ما علينا فعله خطوة بخطوة حسب الأولويّة، وكان أهمّها بداية أن نتناول الطعام ونستريح قليلاً من عناء السفر لنقوى على العمل، وتناقشتُ مع عمّي حول توزيع المهام وخاصّة أنه ابن المنطقة ويعرف من أين يأتي بما يلزمنا للإصلاح والترميم، وفيما كنتُ أمسح الغبار عن الطاولة وأنظّف كرسيين للجلوس، وأضع ما جلبناه من طعام، كان قد أخرج من حقيبته قفلاً جديداً للباب المخلوع مع مفكّات للبراغي، فرحتُ أمازحه للتخفيف عنه:
- عمّي العظيم.. الذي لديه لكلّ مقام مقال، إن مجرّد فكرة إحضار القفل معك تعني طاقة إيجابية مسبقة بأننا سنلقى البيت سليماً أو قابلاً للترميم.
يبتسم عمّي ويواصل تركيب القفل وهو يقول:
- نعمة أن خزّان الماء بخير.. ونعمة أكبر استمرار وصول الماء للبيت كما هو واضح، رغم التقنين الذي يسري على مدينتنا كغيرها من المدن، سأتفقّد خطوط الكهرباء بعد أن نأكل وأصلح أيّ قطع من خطوطها.
لم تنسَ ريتا أن تزوّدنا بماء للشرب وكاسات وصحون بلاستيكية وملاءتين للأسرّة مع غطاءين للوسائد، فقلتُ في سرّي كأني أغازلها: "من شابهت أباها ما ظلمت!".
كانتْ غرفة نوم الصغيرتين هي الأقل تضرّراً، فباشرتُ بتثبيت خشب السريرين جيداً وشددتُ براغي كلّ منهما، ثمّ نفضت الغبار عن الفراشين وغطّيتهما بالملاءتين وغلّفتُ الوسادتين، واستلقينا في انهاك لنغرق خلال دقائق في نوم عميق، أيقظنا منه بعد حوالي ساعتين طرق على الباب.
كان الطارق أحد الجيران الذي سبقنا بالعودة إلى منزله بمدّة، لعجزه عن الاستمرار بدفع أجور السكن حيث أقام بعد النزوح، وقد جاء يسلّم علينا حاملاً طبقاً من الطعام وأرغفة من الخبز، وحلّفنا أن نطلب أي شيء نحتاجه بلا تردّد، وأن نبات عنده تلك الليلة، وكان صوت عمّي بادي التأثر وهو يشكره ويقول لي بعد أن أغلق الباب:
- تأبى الإنسانية إلا أن تنتصر على العنف، كما تصرّ الحياة أن تسود على الموت.
هؤلاء الجيران قرّبتْ بيننا أسابيع الاحتجاز بشكل لافت، وقد ساعدت ريتا زوجته وأطفاله، أما هو فكان يعتبرني كسائر الجيران مرجعية في الكثير من الأمور ويقول لي أنت عقلنا المدبّر يا أستاذ منيف.
- لا شيء يضيع يا عمّي، وللحياة سبلها العجيبة في ردّ كلّ ما نفعله إلينا ولو بعد حين، سواء كان خيراً أو شرّاً.
- تعجبني العين التي ترى بها الحياة رغم صغر سنّك ابني جواد، وإني ممتنّ لها إذ وفّقتْ ريتا لتقترن بزوج عاقل ومحبّ مثلك.
- بل أنا من عليّ أن أفخر بك، وأشكر القدر الذي جمعني بريتا، وكأنه يكافئني على نواياي الصافية تجاه البشر، حتى مع من أذاني أو أعماه الحقد عن رؤية قلبي.
قلتُ ما قلتُ وأنا أستحضر وجه ريتا وعينيها فيغلبني الشوق إليها، أداريه بطلبي من عمّي أن نباشر بتنظيف البيت من الأنقاض:
- علينا أن نُنهي اليوم هذه المسألة...
أنت تعبّئ الردم بالأكياس وأنا أنقله خارجاً، وسنحتاج لكلّ ما تجده خلال ذلك من براغي ومفاصل وقطع خشب أو حديد.
أقبل جار ثانٍ وثالث، وراحوا يتبادلون التهنئة بالنجاة ويحمدون الله على السلامة فرحين بالعودة إلى بيوتهم، مع قهر واضح لحجم الخسارة، والمعاناة النفسية والمادية التي تكبّدوها، وبدأتْ حملة مساعدة اختصرتِ الزمن اللازم لإنجاز هذه المرحلة للربع، وأثناء ذلك جاء معلّم تركيب الزجاج والألمنيوم بعد أن اتّصل به عمّي وأخذ قياساتِ النوافذ والأبواب المتضرّرة، ووعد بتركيبها في اليوم التالي، فهي الخطوة الثانية المهمّة لحماية البيت.
نظّفنا البيت بعد ترحيل الأنقاض، واغتسلنا من الغبار ثم دعانا جارنا لنشرب الشاي عنده، وقد لاحظتُ كم رفعتْ مساعدة الجيران لنا من معنويات عمّي وعزّزتِ الطاقة الإيجابية فيه، وراح يثني بين الحين والآخر عليّ أمامه وكأنني ابن من صلبه حقاً، والجار يؤكّد على أن ابنة مثل ريتا تستحقّ خير الدنيا كلّه، ثمّ حمّلنا غطاءين وغازاً صغيراً ونحن نغادر ريثما نتدبّر أمورنا.
جاءتِ الكهرباء حوالي الثامنة تقريباً ضمن برنامج التقنين، فشحنّا هاتفينا، ثمّ كأن عمّي قد تذكّر أمراً، فنزل إلى القبو وكان قد أقفل بابه الحديدي بقفل يصعب كسره، مما جعل ما فيه ينجو من السرقة، ورجع وهو يقول: أي شيء مهما زهدتْ قيمته سنحتاجه حتما في الأيام القادمة!
بعد انقضاء عشرة أيام، وقبل أن أغادر عائداً إلى بلدتي وإلى حبيبتي التي اشتقتُ، والتي كان حضورها بداخلي الدافع الأقوى لأتحمّل كلّ هذا التعب، جلستُ أتأمّل ما أنجزتُ تغمرني سعادة الإحساس بقوّة الحبّ وإرادة الحياة.
كانت عيناي تعاينان كلّ ركن في البيت...
الجدار الذي أعدنا بناءه..
البيت الذي دهنّاه بالكلس كأرخص نوع للدهان..
الخزائن التي أصلحناها..
الستائر التي غسلناها وعلّقناها..
وتفاصيل صغيرة لن تبدو لعين الناظر بشمول، لكنها أخذتْ من روحي وجهدي وجُبلتْ بعرقي حتى لكأنّي أراها تهمس لي.. ما أبدعك.
لم يخطر لي أبداً أن خبرتي في ترميم بيت جدّي وجعله مرسماً لي ستساعدني بهذا القدر في أن أكون عوناً لأسرتي الثانية، وأن أجسّد الحبّ الذي تملّكني سلوكاً حيّاً وناطقاً، كما حلمتُ دوماً وهيّأتِ السماء الظروف ليتحقّق هذا الحلم.
ودّعتُ عمّي الذي اختار أن يبقى ريثما يستكمل الترميم مستعيناً بما يتوافر في المدينة من خدمات ليكمل ما بدأناه، وأبديتُ له مشاعري الصادقة بأني كنت أتمنّى أن أبقى معه لآخر مراحل الترميم لولا الدورات الصيفية للرسم التي ستبدأ قريباً، أما السبب الأقوى لعودتي فلم أخبره به، رغم أني لا أشكّ أبداً ببصيرة عمّي في أن يرى شوقي لريتا في لمعان عينيّ وشرودي الذي بدا واضحاً.
غادرتُ المدينة وأنا أفكّر كيف ستعود الأسر قريباً إلى المدن التي نزحتْ بالإكراه منها، وكم سيعاني أفرادها ريثما يبنون أو يرمّمون ويعيدون تأثيث منازلهم، وكم ندبة ستكون في قلب كلّ منهم مع ذاكرة مثقلة بالفقد والألم، وفكّرتُ كذلك بمن سيختارون عدم العودة لأنه لم يبق لهم ما يعودون إليه ولا يملكون قدرة الإعمار من جديد، بينما صور الماضي الجميل العالقة في البال تزيدهم وجعاً.
سيلتحق التلاميذ والطلبة بمدارسهم ويكملون تعليمهم، ولكن هل حقّاً سينسون الجريمة التي حدثتْ بحقّ طفولتهم، وهل سيحيون حاضراً أجمل يكون قادراً على جعلهم ينشغلون به عن الالتفات للوراء؟!.
ومن يقدر أن يحزر كيف سيكون الجيل الجديد، جيل ما بعد الحرب.. ما سماته وأخلاقه وتطلّعاته؟؟!!
هي البداية من جديد بوطن تغيّرت ملامحه...
ولا نملك أمام البدايات بكلّ ما تحمله من صعوباتٍ، إلا أن نراها تحمل أيضاً معنىً عظيم يقول:
"أن الحياة أقوى وأبقى".
"٤"
لم تزفّ لي ريتا بشرى حملها فور عودتي، لا بعد حمّامي ونومي ولا على الغداء، ولا حتّى وهي تندسّ قربي في السرير متهيّأة لطيب عناق، كأنها آثرتْ أن تسقيني الشوق صرفاً دون أن يخالطه فرحاً مضافاً، رغم أنها لو أخبرتني مسبقاً ما كان شغلني شاغل عن شغفي بها، وولهي بحرير الحواس وسماوات النعيم وطاقاتها ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء، ولو أني ممن يميلون لاستعراض مفاتن الحبيبة لم يفقني في ذلك شاعر ولا فنّان، لكنّها قدسية الجسد عندي كما الروح، وحرمة الحبيبة عن أن يرى تفاصيلها سواي ولو عبر الكلمات أو ينتشي القارئ بما أصف فكأني أشاركه معبودتي ولو عبر الخيال، فريتا حبيبتي والياء هنا ليست للملكية والاستحواذ بل تعني ما يفعله الحبّ بديع السماوات والأرض بي، وليس عبثاً أن أدعوها بوّابة الربّ لا عن هذيان متعاطٍ للماريغوانا أو ممارسٍ ليوغا التأمّل وواصلٍ لمقام النيرفانا، بل بكامل قواي العقلية الواعية واللا واعية وبتمام حضوري القلبيّ، وما أرى حياتي كلّها بكلّ تفاصيلها إلّا "ممارسة للحبّ"، التي يحصرها الأزواج في غرف النوم لكنّها لا متناهي الصور والتجلّيات والممارسات الحياتية.
قالتْ لي بلا مقدّمات وأنا لا أزال في غيبوبتي على مرمر صدرها ويدها تتغلغل بنعومة في شعري:
- بعد أشهر سيضاف لأسمائك الحسنى بقلبي اسم جديد هو "الأب".
رفعتُ رأسي ناظراً في عينيها، ورحتُ أضحك بصوت عال، فوضعتْ كفّها على فمي وهي تقول:
- هسسس.. للحيطان آذان.. وستفضحنا يا مجنون.
- أضحك ليس فقط فرحاً بهذا الخبر المفاجئ، وإنما لدهشتي من قدرتك على الكتمان يا طفلتي الشقيّة، أخبريني كيف استطعتِ الصبر عن إخباري طوال أيام غيابي وبعدها لساعات ونحن معاً، ثمّ اخترتِ هذه اللحظة بالذات لتتويجٍ جعلني سلطان العشق بحقّ.
- ذلك أحسنُ وجهٍ لتأويل "إن كيدكنّ عظيم".
- حبيبتي الماكرة.
توالتْ أشهر الحمل بكلّ ما تحمله من تعب وألم وتقلّب بالمزاج، مع ترقّب ولهفة وعدّ للأيام، ثمّ التحضير للولادة وشراء ملابس المولود مع سريره وعربته. لكن الشعور الأهمّ الطاغي على كلّ ما ذكرتُ كان بالنسبة لي هو إحساسي أني حقاً أحمل مع ريتا طفلنا المنتظر، لدرجة أني كنتُ أشعر بتعبها وألمها في جسمي، فأقول لها مثلاً وفي مداعبتي كلّ الجدّ: "ظهرك يؤلمني"، وحين أتلمّس بيدي حركة الجنين في بطنها تسري حركته في دمي لتصل إلى قلبي فيضطرب، وإن استعصى عليها النوم لضغط الجنين على الرئتين يضيق صدري كحالها وأصاب بعسر التنّفس، دون أن أبدي لها ما يحدث معي كي أخفّف عنها، مساعداً إياها في النهوض أو واضعاً الوسائد وراء ظهرها، وهكذا عشتُ تفاصيل الحمل لحظة بلحظة حتى وأنا في المدرسة أو المرسم، وحين حانتْ ساعة الولادة كنتُ ألد معها، فالصرخات التي راحتْ تطلقها في أقصى درجات الألم كانتْ تخرج من حنجرتي، وانقباضات الرحم التي تتقارب لتدفع بطفلنا للحياة كنت أحسّها تمزّق أحشائي معها!
حقّكم أن تروا أني أبالغ وحقّي أن أقول أنكم لم تجرّبوا الحبّ الحقيقي يوماً...
لكن مهلاً، للحكاية بقية.. فمع كلّ نهاية بداية ما جديدة، والطفل الذي أعطى لحياتنا سعادة مضافة ولحبنا تجسيداً آخر، كشف أيضاً عن ملامح لعلاقتنا لم تكن واضحة من قبل، فكلمة واحدة غير منصفة كافية لتحدث فارقاً في العلاقة، كأن تسمع جملة قاصمة ممن عشقتَ حتى نسيم أنفاسها، وحملتَ وولدتَ وتربّي معها:
- أنت لا تشعر بي ولا بتعبي.
والحقيقة ليستْ العبارة بالذات ما جعل مشاعري تقف في ذهول وعجز عن الفهم، حتى لفرط ما ألمّ بها من ألم كدتُ أنكر أنها حقاً مشاعري، لأني متأكّد من حبّي لريتا ومن صدق هذا الحبّ وبشكل طبيعي واثق من حبّها لي، لكني لم أتوقع من حبيبتي حين عجزتْ عن استيعاب تفاصيل المسؤولية الجديدة كزوجة وكأمّ أن تتنكّر لما فعلته وأفعله لأجلنا معاً، أو تنعتني بقلّة الإحساس.
بدتْ ريتا بعد الولادة منهكة كأنها تخوض حرباً، وقد بقيتْ أمّها ترعاها لأسابيع، ثم عادتْ إلى مدينتهم بعد أن استقرّ بهم المقام هناك، وقد بذلتُ كلّ طاقتي وجهدي بعد سفر والدتها كي أهبها الراحة والسكينة، وأخذتُ على عاتقي أن أمارس مع طفلي كلّ ما تفعله الأم.. إلا الرضاعة! وكنتُ حريصاً على أن تنام جيداً ولو على حساب راحتي، بأن أسهر مع الصغير لترتاح، ولا أطلب منها أن تلبّي أيّ شيء يخصّني، لأني أساساً لستُ شخصاً متطلّباً.
ومضتْ عدّة شهور.. وانتظم نوم ميلاد وطعامه، لكنّ ريتا لم تعد ريتا...
ريتا التي كانتْ مثالاً للصبر والتعاون والطاقة الإيجابية أثناء الحرب والاحتجاز، صارتْ بعد الإنجاب تغضب بسرعة، وتفرط في البكاء دون سبب واضح، مع تقلّبات مزاجية حادّة.
أعود من المدرسة فأجدها نائمة، وألقى البيت على ما تركته صباحاً من الفوضى، ثم تعتذر عن عدم تجهيز الغداء، وتبدو طوال النهر متعبة وفاقدة للطاقة، مع صعوبة في التركيز وعدم الرغبة بممارسة أيّ نشاط ولو كان مَصدراً للمتعة.
أحاول أن أفهم هذا الانقلاب المفاجئ عند ريتا دون أن أظلمها فأعجز، ولا أعي نوبات الهلع والقلق واليأس عندها، ولا عدم رضاها عن نفسها أو خوفها من أن لا تكون أمّاً جيدة، أو إحساسها بانعدام القيمة وعدم ثقتها بنفسها.
تعتذر لعدم زيارتها لأهلي رغم أن بيننا جدار فقط، وتعترف بإهمالها للتواصل مع الأصدقاء، لكنها لا تبادر بأيّ خطوة بعد ذلك، وقد يتفتّق فجأة حنينها لأسرتها البعيدة، وتتعاظم بعينها المسافة التي تفصلها عنهم.
كنتُ أشحن ذاتي بتفاصيل قصّة حبّنا المختلفة كي لا أتعب أو أنسحب، واستمرّتْ تأكيداتي لها على أني أحبّها كما هي، وأني لا آبه للزيادة الواضحة بوزنها، لولا خوفي على صحّتها، وأشجّعها على العودة للرسم ولو لوقت قصير، وأحثّها على الخروج لقضاء وقت ممتع مع صديقاتها، وأخذ إجازة منّا ولو لساعات، وترك ميلاد بعهدتي في غيابها، وأفاجئها بهدايا تحبّها أو تتمنّاها، وأرسمها في لوحات بتجليات مختلفة، لأنها أساساً ملهمتي ولا ترى عيني أجمل منها، إلا أنها تبدو لي كلّ مرة وكأنها نسيتْ تماماً يوم كانت تقول لي ولو تعليقاً على عبارة تدهشها وهي تغمرني عشقاً:
- حبيبي الذي لا تنقضي عجائبه.
ولأني أعلم الناس بريتا، رحتُ أستعين بالصبر والعشق، وبقيتُ أرعاها بذات الحنان وأهتمّ بالصغير والبيت، رغم البرود واللا مبالاة الذي تقابل بهما ما أفعله، والجفاف العاطفي الذي أقصي عقلي عن فكرة أن يغدو تصحّراً مع مرور الوقت، لأني كنت مصّراً على أنه عارض وسيمضي.
وفعلاً صدق حدسي....
استغربتُ كثيراً حين جلست بقربي ذات مساء يشابه كلّ الأمسيات الفاترة التي قضيناها بعد الولادة، كان ميلاد يغفو في سريره، وأنا أتأمّل الخالق بوجهه الملائكي ويديه الغضتين، وأشكر ربي بكامل الرضا على نعمته علينا.
أمسكتْ ريتا بيدي وقبّلتْ باطن كفّي بعينين دامعتين وهي تهمس: - شكراً لأنك حبيبي الذي يحتويني بكلّ حالاتي.
ثمّ ناولتني هاتفها المحمول وهي تقول:
- حبيبي.. من فضلك استمع لهذا اللقاء.
استغربتُ طلب ريتا، لكني كالعادة وبدافع الحبّ فقط، رحت أتابع الفيديو باهتمام.
كان الطبيب يتحدّث عن أعراض "اكتئاب ما بعد الولادة"، التي تنطبق حرفياً على ما تمرّ به ريتا توأم الروح، وقد عبّرتْ ملامح وجهي عن دهشتي وبنفس الوقت عن راحتي، فكلّ ما كانت تمرّ به ريتا كان حالة خارجة عن السيطرة، وحمدتُ الله كثيراً في سرّي حين قال: "إن الاستسلام لفكرة أنه أمر عارض في منتهى الخطورة.. ويحب مراجعة الطبيب فوراً كي لا يتطوّر إلى ذهان ما بعد الولادة".. حمدته لأننا تداركنا الأمر قبل تفاقمه.
كلانا لم يكن يعلم ما الذي يجري، ولا خطرتْ ببالنا أبداً فكرة أن يعقب الولادة اكتئاب، وبالتأكيد كانت شهوراً ثقيلة على حبيبتي التي لم تكن مدركة للتبدّلات النفسية والجسدية التي طرأتْ عليها والشعور الدائم بالذنب والعجز عن الخروج من شرك يلتفّ عليها ولا تفهمه.
أما بالنسبة لي، فكنتُ كلّي إيمان بأنه اختبار لحبّنا الذي يقوى ويثبت مع كلّ ظرف أو مطبّ أنه الخلاص الوحيد، طالما الله معنا وبنا.
بعد جلسات قليلة مع الطبيب، والتزام ريتا بنصائحه وإرشاداته وتناول الأدوية التي وصفها بمواعيدها، مع رعايتي لها وحبّي الذي لم يخذلني لحظة، عادتْ ريتا كما رآها قلبي أوّل مرّة...
وعين القلب لا تكذب أبداً.
"٥"
هي النهاية إذاً.....
لم أصدّق لحظةً أن تصدق ريتا وعيدها بهجري الذي يعقب كلّ نوبة غضب وغيرة، كنتُ مؤمناً بل موقناً بأنّ عشقها كعشقي محال أن يصبح قبض ريح إثر خلاف غير منطقيّ بيننا، يستند أساساً على خيوط الأوهام الواهية لعنكبوت الشكّ.
كانت تردّد كلّ مرّة وهي تصرخ وتبكي:
- لن أسمح للحبّ أن يضعفني، ومحال أن أستمرّ في الحياة مع نيران الشكّ والغيرة مهما بلغ حبّي وتعلّقي.
وحين أحاول أن أشرح لها وأبرّئ نفسي مما لا يليق بمحبّ يعشق الهواء الذي تتنفّسه والتراب الذي تطأه، تجهش من جديد بالبكاء وتصرخ:
- دعنا نفترق، أو اختر.. أنا أو معجباتك.
- أنت معبودتي الأولى والأخيرة، ولا تغريني نساء الأرض قاطبة أو أجد بإحداهنّ بديلاً، أرجوك اهدأي وقدّري ظروف عملي كفنّان، واضطراري للمجاملة والملاطفة الذي تحسبينه غزلاً، وتتصوّرين أن الغزل يستبطن علاقة ما.
- جواد.. رأيتكما بعيني ولم يخبرني أحد! قل لي ما معنى أن تبقى تلك الفتاة معك في المرسم بعد أن غادر الجميع؟! أنا لا أشكّ فيك لكني لا أثق بأن نواياها بريئة، خاصّة وهي ترتدي ذلك القميص المفتوح عند الصدر، وتتعمّد أن تنحني على الطاولة بينكما.
كنتُ أعذر ريتا بغيرتها عليّ، لأني أعلم أن الغيرة مصدرها القلب، القلب الذي أحبّني ولا يزال، لكنّي لم أعذرها أن تخرب حياتنا بخيالاتها وتصوّراتها وتحوّل حياتنا لجحيم، ثمّ ما الذي يمكن أن أفعله لترضى، هل أفتح مرسمي للمعجبين فقط وأمنع حضور المعجبات!
أمسكتْ هاتفي المحمول وهي تقول بانفعال وتوتّر عالٍ:
- افتح على آخر محادثة بينكما، واقرأها لي.
خرجتُ عن طوري ووجدتُ صوتي يعلو وأنا اقول:
- هل تتجسّسين عليّ، أم تختبرين وفائي؟!
- لا.. فقط هو الفضول الذي يحرقني كي أعرف ما يبقيك سهراناً لساعة متأخرة من الليل؟! ومع من تتحدّث إن لم يكن معها؟!
- حبيبتي ريتا.. هي كلمة واحدة أريد أن أسمعها منك.. الآن.. هل تثقين بي أم لا؟!
- أثق يا حبيبي .. والله أثق.. ولا يمكن أن أتصوّر ولو للحظة أن تخونني، ولكن قل لي ما أفعل بهذه النار التي تأكلني، كلما رأيتُ إحداهنّ تتمادى معك في غنجها أو إغوائها؟
مسحتُ دمعها مطمئناً، وضممتها لساعات إلى صدري حتى أغفتْ كطفل صغير، ثم نمتُ وأنا أحسّ بضيق في الصدر لعجزي عن التعامل مع فعل لا إرادي قلبيّ.
وحين استيقظتُ صباحاً، لم أجد ريتا قربي في السرير، بينما ميلاد لا يزال نائماً كالملاك.
ناديتها ردّ الصدى أن لا أحد، بحثتُ عنها كالمجنون في غرف البيت، فلم أجد إلّا الفراغ الفاغر فمه لابتلاعي، فتحتُ الهاتف وبي أمل يراودني أن تكون قد تركتْ لي رسالة ولو على سبيل التطمين، لكنّ الهاتف كان أصمَّ أبكماً بلا أيّ إحساس أو تعاطف، وهاتفها أيضاً مغلق لا يجيب.
لو كان من عادتها أن تخرج يوم العطلة باكراً ما كنتُ استغربتُ، لكنها بالكاد تغادر المنزل وإن حدث فمعي، ومحال أن تكون عند أهلي، لأنها تخبرني قبل ذلك، لذلك لم أسألهم وأشغل بالهم في هذا الصباح الباكر.
تهاويتُ على السرير غير مصدّق، وكأنّي في قلب كابوس سأصحو منه حتماً بعد قليل، ولا أدري كم من الوقت مرّ عليّ وأنا على هذه الحال مسلماً نفسي لتداعيات الذاكرة تعيدني لتفاصيل قصّة حبّنا، واستحالة أن تتصرّف ريتا برعونة، ولن تفعل إلا ما يمليه عليه قلبها وحبّها.
عادتْ ريتا بعد حوالي ساعتين، بدتْ متعبة وعيناها حمراوان.
أسرعتُ إليها أضمّها وأنا اسألها:
- يا مجنونة هل ستفقدينني عقلي.. أين كنتِ؟!
- خرجتُ أمشي قليلاً، وأراجع تصرّفاتي غير العاقلة في الآونة الأخيرة.. آسفة حبيبي جواد لخروج انفعالاتي عن السيطرة.
- بل أنا الذي علي أن أتأسّف لأني لم أهتد بعد لطريقة تجعل نيران قلبك برداً وسلاماً تجاهي.
ثمّ مازحتها قائلاً:
- هل تقبلين أن تستلمي إدارة المرسم، وتسمحي لمن تشائين بالدخول.. وتمنعين من تشائين؟
حبيبتي.. من تلك التي تستطيع أن تنافسك ولو بخصلة من خصالك، ومن لها مثل روحك يا روحي، ثم هل تظنّين أن عيني ترى أجسادهن المعروضة وعندي كنوز سليمان؟!
إنك تملئينني الى الحدّ الذي ليس هناك فراغ لسواك.
دفنتْ رأسها في صدري، وهي تردّد.. أحبّك جدّاً.
ذلك لا يعني طبعاً أنها كفّتْ عن الغيرة، لكنها اطمأنتْ أكثر ولم تعد تحاصرني، وشغلتنا الحياة ومسؤوليتنا المشتركة تجاه ميلاد عن قصص الشكّ والغيرة، خاصّة بعد أن أخبرتني أن طفلاً آخر غافلنا ويصرّ على القدوم للدنيا رغم الحذر والمنع، ولم يكن أمامنا إلّا التسليم بما شاء الله لنا.
يتبع...