عند حافة الغابة السوداء...
في قريةٍ منسية، وُلد "يائيل"، طفلٌ بعينين تلمعان بأسئلةٍ لا تنتهي!
لا يعرف من الدنيا سوى بيتٍ عتيقٍ تسكنه أمّه، "سيرما"،
وهي امرأةٌ لا تُرى في الضوء إلا ظلًا.
"امرأةٌ لا تُغذّي الحكايات إلا بالكذبِ والخداع؛ صنعت لنفسها مجدًا من الزيفِ والأوهام، ونسبت لنفسها تاريخًا لا يخصّها، ومعارك لم تخضها، وأبطالًا من ورقٍ نسجت منهم أساطير.
انتهكت، واغتصبت، وادّعت الملكية؛ كأن كلّ ما تلمسه يصبح لها، وكلّ ما تسلبه تُزيّنه بالكلمات.
في ركن الغرفة، رأسُ تنّينٍ مُتحجّر مُعلّقٌ فوق الموقد، فكّاه نصفُ مفتوحين، كأنهما على وشك الزمجرة.
تحت الرأس، نيرانٌ لا تنطفئ، تُشعلها سيرما كل فجرٍ، كمن تطهو لعناتٍ قديمة، أو تُخمّر الغدر في قدرٍ مسحور.
يُقال إن هذا الرأس يعود لتنينٍ كان حاميًا للقرية، قبل أن تغدر به. خانت ميثاقه، وقتلته خِلسة، وسرقت ناره، ثم علّقت جمجمته تذكارًا لمجدٍ زائفٍ صُنِع بالخداع.
إنها لا تُعدّ طعامًا، بل تُخمّر النسيان؛ شيئًا لا يُؤكل ولا يُشرب، بل يُراد له أن يُنسى كما نُسيَ المجد، ويُدفن كما دُفن الأمل."
وذاتَ ليلةٍ، والريحُ تنكأ الغابة بصوتٍ كالنحيب،
اقترب الغراب من يائيل، وهمس كمن يُلقي نبوءة:
"نَوّاح لا ينام... بل يبكي،
منذ عشرات الأعوام."
نَوّاح... مسخٌ يسكن عند تخوم القرية،
مخلوقٌ عالقٌ بين هيئة البشر وانكسار القردة،
كُتبت عليه حياةٌ لا تشبه الحياة،
كأنه ظلّ إنسانٍ خُدش في كرامته حتى تكسّر.
وذات مساء، التقى به يائيل،
فوجده :
لطيفًا، بصوتٍ دافئٍ حزين،
كأن الكلمات تخرج من فمه بعد أن تُكوى بالحزن.
سأله ، وعيناه ترتجفان:
"لماذا تكره أمي؟"
تنهد نَوّاح، ثم قال:
"لأنها كتبت علينا الصمت،
ثم عرض نواح علي يائيل بنورةً ذهبية ،على شرط أن يأتي معه إلى منزله ليأخذها
ظنّ يائيل أنها ربما تكون جسرًا بين نواح و أمّه،
هدية صلح تُسكِت جراحًا طال نزفها.
لكن الغراب — الذي كان لا يفارقه — تردّد، ثم ارتدّ إلى الخلف،
ورفض أن يعبر عتبة الدار،
كأنه يعرف أن من يدخل لا يعود،
وأن من يشرب من الذهب يُصاب بالظمأ الأبدي.
دخل يائيل،
وما إن اجتاز العتبة حتى تسرّبت القشعريرة إلى عظامه:
البيت كله من ذهب،
يلمع كالخديعة...
لكنه بارد كالموت.
هناك، هجم عليه نَوّاح وقد تبدّلت عيناه، كأنّ شيئًا ما قد تملّكه،
لكن دموع يائيل أوقفته.
تراجع نَوّاح، وبكى، وسقطت دموعه ذهبًا خالصًا.
قال:
"كنتُ أُدعى نائل.
قلتُ: لا، حين قالوا: نعم.
كنتُ يومًا إنسانًا، ثم مثقفًا يُسائل،
ثم صرتُ مهرّجًا يُصفّق،
ثم عارًا يتجنبه الجميع،
ثم مخلوقًا لا يُسمع منه إلا نُواحًا."
تنهّد، وتابع بشقّ روحه:
"لقد سرقت صوتي يومَ صاح داخلي:
(لا كرامة تُلقى تحت الأقدام...
ولا حرية تُمنح ركوعًا.)
حينها مسختني.
زرعت على وجهي قناعًا من الفراء،
وألبستني جلدًا لا يُحتمل،
لا لشيء، إلا لأني تجرأت وقلت:
(الهويّة لا تُصنع بمرآة العدو)."
أطرق برأسه، ثم همس كمن يُنزف:
"أنا نَوّاح...
بقايا رجلٍ كان يُدعى نائل،
رجلٌ يشبه كثيرًا ما حلّ بأمّةٍ شاخت، قبل أن تكبر.
أردتُ الحبّ لا التبعية، فمسختني سيرما، وألجمتني باسم الحكمة.
صرتُ رمزًا للهزيمة، كما صرنا جميعًا.
في تلك اللحظة، عاد الغراب طائرًا، مُحمّلًا بنُذر الغضب.
وجاءت معه سيرما، لا كامرأة، بل كعاصفةٍ من الصمت والنار، تُطفئ الأسئلة، وتُشعل الإجابات الكاذبة.
اقتحمت المكان، أمسكت بنَوّاح وسط بكاء يائيل.
سألتها عيناه:
"هل فعلتِ هذا به؟
هل أنا ابنك حقًا؟"
لكنها لم تُجب،و
حبست نواح في الغرفة المظلمة، و
قيّدت يائيل ، وأعدّته للعقاب.
بفطنة الساحر، وما تعلّمه من أمّه دون أن تدري، فكّ يائيل وثاقه ، وحرّر نواح.
هربا معا إلى الغابة، وهناك اعترضهما وحشٌ له جسدُ جمل، وثلاثة رؤوسِ ثعابين، يبصق سمًّا ونيرانًا، كأنه نُسج من ثلاث لعنات: الخوف، والقمع، والخذلان.
هجم الوحش، فشهر نَوّاح خنجرًا ذهبيًا خرج من دموعه — من جوهر حزنه، لا من سيفٍ اشتراه — وغرسه في قلبه.
فهدأ الوحش، وسكن، وخضع.
جلسا تحت شجرة.
قال نَوّاح:
"لماذا عدتَ لأجلي؟ كنتَ تستطيع أن تهرب وحدك."
قال يائيل:
"لأنك أنا، أنا أنت.
نحن وجهان لمرآةٍ مكسورة،
ولخوفٍ واحد: أن نكون ما أرادونا أن نكون، لا ما نحن عليه."
ظهرت سيرما كضوءٍ رماديٍّ خافت، لا ظلّ له، لا ملامح، كأنها مجرّد فكرةٍ مسيطرة — تُشبه النظام الذي لا يُرى، لكنه يُطاع.
اقترب منها يائيل، وسأل:
"هل أنا ابنك أم ظلّك؟"
لم تُجب.
مدّ يده، لامس يدها الباردة، وقال:
"أنا لا أكرهك... لكنني لن أعود إليك."
واختفى الضوء.
عند الفجر، استيقظ يائيل على شاطئٍ لا اسم له،
إلى جانبه نَوّاح.
الآن، هو فتى حقيقي.
الغراب كان يقف فوق صخرة، يشرب من البحر كمن يكتب وصيّته.
قال نَوّاح:
"هل انتهى كل شيء؟"
قال يائيل:
"لا شيء ينتهي...
فقط يجب أن نتعلّم ألا نكون ظلّ من صنعونا."
ونهضا معًا، مشيا نحو الأفق،
كأنّهما سطران يُعاد كتابتهما بلغةٍ جديدة.
في قريةٍ منسية، وُلد "يائيل"، طفلٌ بعينين تلمعان بأسئلةٍ لا تنتهي!
لا يعرف من الدنيا سوى بيتٍ عتيقٍ تسكنه أمّه، "سيرما"،
وهي امرأةٌ لا تُرى في الضوء إلا ظلًا.
"امرأةٌ لا تُغذّي الحكايات إلا بالكذبِ والخداع؛ صنعت لنفسها مجدًا من الزيفِ والأوهام، ونسبت لنفسها تاريخًا لا يخصّها، ومعارك لم تخضها، وأبطالًا من ورقٍ نسجت منهم أساطير.
انتهكت، واغتصبت، وادّعت الملكية؛ كأن كلّ ما تلمسه يصبح لها، وكلّ ما تسلبه تُزيّنه بالكلمات.
في ركن الغرفة، رأسُ تنّينٍ مُتحجّر مُعلّقٌ فوق الموقد، فكّاه نصفُ مفتوحين، كأنهما على وشك الزمجرة.
تحت الرأس، نيرانٌ لا تنطفئ، تُشعلها سيرما كل فجرٍ، كمن تطهو لعناتٍ قديمة، أو تُخمّر الغدر في قدرٍ مسحور.
يُقال إن هذا الرأس يعود لتنينٍ كان حاميًا للقرية، قبل أن تغدر به. خانت ميثاقه، وقتلته خِلسة، وسرقت ناره، ثم علّقت جمجمته تذكارًا لمجدٍ زائفٍ صُنِع بالخداع.
إنها لا تُعدّ طعامًا، بل تُخمّر النسيان؛ شيئًا لا يُؤكل ولا يُشرب، بل يُراد له أن يُنسى كما نُسيَ المجد، ويُدفن كما دُفن الأمل."
وذاتَ ليلةٍ، والريحُ تنكأ الغابة بصوتٍ كالنحيب،
اقترب الغراب من يائيل، وهمس كمن يُلقي نبوءة:
"نَوّاح لا ينام... بل يبكي،
منذ عشرات الأعوام."
نَوّاح... مسخٌ يسكن عند تخوم القرية،
مخلوقٌ عالقٌ بين هيئة البشر وانكسار القردة،
كُتبت عليه حياةٌ لا تشبه الحياة،
كأنه ظلّ إنسانٍ خُدش في كرامته حتى تكسّر.
وذات مساء، التقى به يائيل،
فوجده :
لطيفًا، بصوتٍ دافئٍ حزين،
كأن الكلمات تخرج من فمه بعد أن تُكوى بالحزن.
سأله ، وعيناه ترتجفان:
"لماذا تكره أمي؟"
تنهد نَوّاح، ثم قال:
"لأنها كتبت علينا الصمت،
ثم عرض نواح علي يائيل بنورةً ذهبية ،على شرط أن يأتي معه إلى منزله ليأخذها
ظنّ يائيل أنها ربما تكون جسرًا بين نواح و أمّه،
هدية صلح تُسكِت جراحًا طال نزفها.
لكن الغراب — الذي كان لا يفارقه — تردّد، ثم ارتدّ إلى الخلف،
ورفض أن يعبر عتبة الدار،
كأنه يعرف أن من يدخل لا يعود،
وأن من يشرب من الذهب يُصاب بالظمأ الأبدي.
دخل يائيل،
وما إن اجتاز العتبة حتى تسرّبت القشعريرة إلى عظامه:
البيت كله من ذهب،
يلمع كالخديعة...
لكنه بارد كالموت.
هناك، هجم عليه نَوّاح وقد تبدّلت عيناه، كأنّ شيئًا ما قد تملّكه،
لكن دموع يائيل أوقفته.
تراجع نَوّاح، وبكى، وسقطت دموعه ذهبًا خالصًا.
قال:
"كنتُ أُدعى نائل.
قلتُ: لا، حين قالوا: نعم.
كنتُ يومًا إنسانًا، ثم مثقفًا يُسائل،
ثم صرتُ مهرّجًا يُصفّق،
ثم عارًا يتجنبه الجميع،
ثم مخلوقًا لا يُسمع منه إلا نُواحًا."
تنهّد، وتابع بشقّ روحه:
"لقد سرقت صوتي يومَ صاح داخلي:
(لا كرامة تُلقى تحت الأقدام...
ولا حرية تُمنح ركوعًا.)
حينها مسختني.
زرعت على وجهي قناعًا من الفراء،
وألبستني جلدًا لا يُحتمل،
لا لشيء، إلا لأني تجرأت وقلت:
(الهويّة لا تُصنع بمرآة العدو)."
أطرق برأسه، ثم همس كمن يُنزف:
"أنا نَوّاح...
بقايا رجلٍ كان يُدعى نائل،
رجلٌ يشبه كثيرًا ما حلّ بأمّةٍ شاخت، قبل أن تكبر.
أردتُ الحبّ لا التبعية، فمسختني سيرما، وألجمتني باسم الحكمة.
صرتُ رمزًا للهزيمة، كما صرنا جميعًا.
في تلك اللحظة، عاد الغراب طائرًا، مُحمّلًا بنُذر الغضب.
وجاءت معه سيرما، لا كامرأة، بل كعاصفةٍ من الصمت والنار، تُطفئ الأسئلة، وتُشعل الإجابات الكاذبة.
اقتحمت المكان، أمسكت بنَوّاح وسط بكاء يائيل.
سألتها عيناه:
"هل فعلتِ هذا به؟
هل أنا ابنك حقًا؟"
لكنها لم تُجب،و
حبست نواح في الغرفة المظلمة، و
قيّدت يائيل ، وأعدّته للعقاب.
بفطنة الساحر، وما تعلّمه من أمّه دون أن تدري، فكّ يائيل وثاقه ، وحرّر نواح.
هربا معا إلى الغابة، وهناك اعترضهما وحشٌ له جسدُ جمل، وثلاثة رؤوسِ ثعابين، يبصق سمًّا ونيرانًا، كأنه نُسج من ثلاث لعنات: الخوف، والقمع، والخذلان.
هجم الوحش، فشهر نَوّاح خنجرًا ذهبيًا خرج من دموعه — من جوهر حزنه، لا من سيفٍ اشتراه — وغرسه في قلبه.
فهدأ الوحش، وسكن، وخضع.
جلسا تحت شجرة.
قال نَوّاح:
"لماذا عدتَ لأجلي؟ كنتَ تستطيع أن تهرب وحدك."
قال يائيل:
"لأنك أنا، أنا أنت.
نحن وجهان لمرآةٍ مكسورة،
ولخوفٍ واحد: أن نكون ما أرادونا أن نكون، لا ما نحن عليه."
ظهرت سيرما كضوءٍ رماديٍّ خافت، لا ظلّ له، لا ملامح، كأنها مجرّد فكرةٍ مسيطرة — تُشبه النظام الذي لا يُرى، لكنه يُطاع.
اقترب منها يائيل، وسأل:
"هل أنا ابنك أم ظلّك؟"
لم تُجب.
مدّ يده، لامس يدها الباردة، وقال:
"أنا لا أكرهك... لكنني لن أعود إليك."
واختفى الضوء.
عند الفجر، استيقظ يائيل على شاطئٍ لا اسم له،
إلى جانبه نَوّاح.
الآن، هو فتى حقيقي.
الغراب كان يقف فوق صخرة، يشرب من البحر كمن يكتب وصيّته.
قال نَوّاح:
"هل انتهى كل شيء؟"
قال يائيل:
"لا شيء ينتهي...
فقط يجب أن نتعلّم ألا نكون ظلّ من صنعونا."
ونهضا معًا، مشيا نحو الأفق،
كأنّهما سطران يُعاد كتابتهما بلغةٍ جديدة.