لا أذكر تماماً منذ متى كانتعلُّقي بالنظر إلى السماء. إنها أمّي التي كانت تكرّر ذلك على مسمعي. لا بد أنني كنت صغيراً حينها، بحيث تعجز ذاكرتي عن تحديد البداية. تبعاً لرواية أمي هذه، أن القمر كان يشدني إليه، وفي ليالي الصيف، خصوصاً حين يكتمل ككرَة حليبية بيضاء تتدحرج باستقامة في البحيرة اللامتناهية للسماء، وأنا في حضنها، إذ أرفع يدي، ومعها عيني مأخوذاً بلونه وحركته، فتعمد إلى إنزال يدي تلك، والضرْب عليها، وزجري فيما بعد، وحجْب بصري، بدعوى أن ذلك يورث الهبل، حسب اعتقاد شائع .
مع الزمن ، أي حين كبرتُ، أي شببتُ عن الطوق، تركّزَ نظري هذه المرة على نجوم السماء. لقد اخترتُ لي نجمة. وكلّي إيمان ترسَّخ مع كرّ الأيام، أن كلاً منا له نجمة، يمكنه أن ينظر إليها، من بين نجوم السماء التي لا تحصى، وهي تنتظره، مقتنعاً أن هناك آخرين مثلي، قبلي وبعدي، حيث تكون هذه النجوم قائمة، وتخصنا نحن، وأردت أن أكون كغيري في اختيار نجمة ، وأنا أرى فيها ما كنت أتمنّاه. نجمة سعدي.
لا أستطيع أن أصف نوع الحب الذي نشأ داخلي وتنامى مع الزمن، وكأنني أرى نجمتي تلك وهي تضيئني قدْر اهتمامي بها.
هذا التعلّق ارتبط بشعور نفسي، شعور موصول بالنور، وكل ما يصلني به من خلاله .
ونقطة البداية هنا، بدورها ارتبطت بأول تلويحة لإشراقة الصباح التي لا تخفى على أحد في بلادنا. كم كنتُ أستحم بذلك النور الدافىء في أول طلعته. أوجّه نظري إلى جهة الشمس، وأغمض عيني، كما لو أنني بطريقتي تلك أسمح لمدد النور بالتسرب إلى نسيجي الحي، تاركاً لكامل جسدي الاستغراق في نشوة الاستحمام بالنور الصباحي الموهوب للكون، وتذوّق ثمرته السماوية!
ألتزم الصمت في كل مرة، وكلّي خشوع لهذه اللحظة التي كانت تحرّرني من الزمن. كما لو أنني أفيض بالوجود نفسه.
أشعرتني علاقتي هذه، وأنا أسلس القياد لكل قواي بالتفتح والتجاوب، أنني أستحيل كائناً آخر. وفي ذهني، في ذاكرة هذه المرة، يتكرر صدى تلك الكلمة التي كانت تقولها أمي" الهبَل "، وأنا أكرر في صمت: لأكن ذلك الأهبل وأنا أفيض بمثل هذه النعمة .
هيأتني علاقتي تلك لأن أرى ما لم أره من قبل، أن أعيش ما لم أعشه من قبل. خالطت ضوار ٍ وسباعاً، بشراً بلغاتهم ، بأشكالهم وألوانهم وطباعهم، بكائنات من أجناس وأنواع مختلفة، لم يسبق لي أن عرفتها، عوالم غريبة، آمنت بوجودها، بالطبيعة بكل خفاياها، تفاعلت معها، وأنا أعيش هذا التفتح والتوسع والتعمق داخلي. لم يكن ذلك بالأمر السهل، أن أعرض نفسي لدفق النور، وحرقته، ليصبح العالم نفسه مسكوناً بي.
علاقةٌ شهدها الزمن، زمني الذي عشته ولازلت، والهبل الذي لا يُذاع له سرٌّ من هذا النوع، وزجْرُ أمي بطريقتها التي عبَّرتْ عن مدى حرصها علي، أي ألا أكون خارجاً عما ألفه من هم حولي.الوصم بالهبل يعني الحكم بقطيعة العلاقة معهم إجمالاً، يعني نبذك خارجاً.
هذا الجَلَد الذي لازمني، وهو قائم إلى اللحظة،ارتبط بتلك المثابرة المطلوبة ومتاعبها، لأن أستحق صفة الكائن المأخوذ بالنور، أو يتنامى التوق لأن أكونه أو أعيشه مختلفاً.
مساءً، حين تغيب الشمس، ويمضي الناس إلى بيوتهم، كنت أشعرُني، وكأن الشمس لم تغب، لأن النور الذي هيأت نفسي له، كان وراء مثل هذه المَكْرمة، أن الليل الذي يسربل الوجود بعتمته، فتغمض كائنات كثيرة عيونها ماضية إلى نومها الأزلي، كنت أراني أكثر تعلقاً بالنظر إلى ما حولي، ومن حولي، وإلى السماء، وأن هناك أكثر من عين يقظة ، أكثر من قوة تبقيني بتمام عافيتي وسريرة نفسي المضاءة من الداخل.
كانت نجمتي أكثر وضوحاً، أكثر إضاءة، وكأنها تنبض في صميم تكويني، دون انقطاع للنور السابق ذِكْراً.
وأنا في عمر كهذا، لازلت ، كلَّ مساء، وفي الليل البهيم خصوصاً، وأنا أعيش مع نجمتي، وفي صمت خاص بالمقابل، أنظر إلى نجمتي، أو أعيش معها، وقد ازدادتْ قرباً مني، أو ازددتُ قرباً منها، أو ازددنا تقارباً، لتكون وحدَها أمي التي رحلت، معي، وهي-هذه المرة- ومنذ سنوات طوال، ترفع يدها صوب السماء، مرافقةً نظري، وأبتسم بعمق خفي، مردداً، ومستفسراً: تُرى، أي أهبل صِرْتُه؟
مع الزمن ، أي حين كبرتُ، أي شببتُ عن الطوق، تركّزَ نظري هذه المرة على نجوم السماء. لقد اخترتُ لي نجمة. وكلّي إيمان ترسَّخ مع كرّ الأيام، أن كلاً منا له نجمة، يمكنه أن ينظر إليها، من بين نجوم السماء التي لا تحصى، وهي تنتظره، مقتنعاً أن هناك آخرين مثلي، قبلي وبعدي، حيث تكون هذه النجوم قائمة، وتخصنا نحن، وأردت أن أكون كغيري في اختيار نجمة ، وأنا أرى فيها ما كنت أتمنّاه. نجمة سعدي.
لا أستطيع أن أصف نوع الحب الذي نشأ داخلي وتنامى مع الزمن، وكأنني أرى نجمتي تلك وهي تضيئني قدْر اهتمامي بها.
هذا التعلّق ارتبط بشعور نفسي، شعور موصول بالنور، وكل ما يصلني به من خلاله .
ونقطة البداية هنا، بدورها ارتبطت بأول تلويحة لإشراقة الصباح التي لا تخفى على أحد في بلادنا. كم كنتُ أستحم بذلك النور الدافىء في أول طلعته. أوجّه نظري إلى جهة الشمس، وأغمض عيني، كما لو أنني بطريقتي تلك أسمح لمدد النور بالتسرب إلى نسيجي الحي، تاركاً لكامل جسدي الاستغراق في نشوة الاستحمام بالنور الصباحي الموهوب للكون، وتذوّق ثمرته السماوية!
ألتزم الصمت في كل مرة، وكلّي خشوع لهذه اللحظة التي كانت تحرّرني من الزمن. كما لو أنني أفيض بالوجود نفسه.
أشعرتني علاقتي هذه، وأنا أسلس القياد لكل قواي بالتفتح والتجاوب، أنني أستحيل كائناً آخر. وفي ذهني، في ذاكرة هذه المرة، يتكرر صدى تلك الكلمة التي كانت تقولها أمي" الهبَل "، وأنا أكرر في صمت: لأكن ذلك الأهبل وأنا أفيض بمثل هذه النعمة .
هيأتني علاقتي تلك لأن أرى ما لم أره من قبل، أن أعيش ما لم أعشه من قبل. خالطت ضوار ٍ وسباعاً، بشراً بلغاتهم ، بأشكالهم وألوانهم وطباعهم، بكائنات من أجناس وأنواع مختلفة، لم يسبق لي أن عرفتها، عوالم غريبة، آمنت بوجودها، بالطبيعة بكل خفاياها، تفاعلت معها، وأنا أعيش هذا التفتح والتوسع والتعمق داخلي. لم يكن ذلك بالأمر السهل، أن أعرض نفسي لدفق النور، وحرقته، ليصبح العالم نفسه مسكوناً بي.
علاقةٌ شهدها الزمن، زمني الذي عشته ولازلت، والهبل الذي لا يُذاع له سرٌّ من هذا النوع، وزجْرُ أمي بطريقتها التي عبَّرتْ عن مدى حرصها علي، أي ألا أكون خارجاً عما ألفه من هم حولي.الوصم بالهبل يعني الحكم بقطيعة العلاقة معهم إجمالاً، يعني نبذك خارجاً.
هذا الجَلَد الذي لازمني، وهو قائم إلى اللحظة،ارتبط بتلك المثابرة المطلوبة ومتاعبها، لأن أستحق صفة الكائن المأخوذ بالنور، أو يتنامى التوق لأن أكونه أو أعيشه مختلفاً.
مساءً، حين تغيب الشمس، ويمضي الناس إلى بيوتهم، كنت أشعرُني، وكأن الشمس لم تغب، لأن النور الذي هيأت نفسي له، كان وراء مثل هذه المَكْرمة، أن الليل الذي يسربل الوجود بعتمته، فتغمض كائنات كثيرة عيونها ماضية إلى نومها الأزلي، كنت أراني أكثر تعلقاً بالنظر إلى ما حولي، ومن حولي، وإلى السماء، وأن هناك أكثر من عين يقظة ، أكثر من قوة تبقيني بتمام عافيتي وسريرة نفسي المضاءة من الداخل.
كانت نجمتي أكثر وضوحاً، أكثر إضاءة، وكأنها تنبض في صميم تكويني، دون انقطاع للنور السابق ذِكْراً.
وأنا في عمر كهذا، لازلت ، كلَّ مساء، وفي الليل البهيم خصوصاً، وأنا أعيش مع نجمتي، وفي صمت خاص بالمقابل، أنظر إلى نجمتي، أو أعيش معها، وقد ازدادتْ قرباً مني، أو ازددتُ قرباً منها، أو ازددنا تقارباً، لتكون وحدَها أمي التي رحلت، معي، وهي-هذه المرة- ومنذ سنوات طوال، ترفع يدها صوب السماء، مرافقةً نظري، وأبتسم بعمق خفي، مردداً، ومستفسراً: تُرى، أي أهبل صِرْتُه؟