د. أحمد كرماني - الوعي الثقافي والدراسات الأدبية

في المسافة التي تفصل بين الكلمة وظلها، بين النص وصدى العالم، يقيم الأدب بوصفه ضميرًا خفيًا للثقافة، ومرآة زئبقية للواقع، لا تعكسه بقدر ما تزعزعه، وتعيد تشكيله في صور تخييلية، تضرب في عمق الوجود الإنساني، وترتقي فوق مستوياته المباشرة. ولعل ما يُنبئ بتحول عميق في بنية النقد الأدبي المعاصر هو انبثاق سؤال ظل يطرق الأذهان بحدة متزايدة: كيف يكون الأدبي ثقافيًا؟

هذا السؤال لا يُقصد به تذويب الأدب في الثقافة أو طمس جمالياته في أنساق السلطة والمعنى، بل الإقرار بأن النص الأدبي لا يُكتب في فراغ. إن كل عمل أدبي يتخلق في رحم ثقافة ما، يحاورها، يعارضها، يُعيد تأويلها، أو يُحرّف رموزها. وبهذا المعنى، فإن كل نص أدبي، مهما بدا ذاتيًّا أو تخييليًّا، هو في جوهره تموضع ثقافي، واستجابة لتوترات معرفية واجتماعية تتجاوز حدود الورق إلى أفق الإنسان في صراعه مع السلطة، أو الذاكرة، أو الجسد، أو اللغة نفسها. من هنا، فإن الوعي الثقافي لا يكون مجرد خلفية معرفية تُضاف إلى الدراسة الأدبية، بل هو ما يمنحها القدرة على تفكيك الأنماط، والتقاط المسكوت عنه، وسبر أغوار الرموز التي تُخفي أكثر مما تُظهر.

ولكن سؤالًا ثانيًا يبرز بقوة: هل تعمّق الوعي الثقافي والبحث عن الأنماط قد يُغيّب الأدبي؟
في هذا السؤال تكمن الحيرة النقدية الكبرى. ذلك أن اشتغال الناقد على الأنظمة الرمزية، والتمثيلات الخطابية، والدلالات الاجتماعية التي يبثها النص، قد يُفضي أحيانًا إلى التعامل مع النص كما لو كان وثيقة أو بيانًا، فيُمحى البعد الجمالي، وتُختزل اللغة إلى مجرد حاملة لمضامين لا تتجاوز ما يمكن قوله في مقالة سياسية أو تحليل اجتماعي. إننا حين نقرأ رواية أو قصيدة بوصفها عرضًا لخطاب الطبقة أو انعكاسًا لبنية السلطة، فإننا نخون سِحر الأدب، ونحوّل المجاز إلى تهمة، والانزياح إلى "كود" اجتماعي، ونحجب تعددية المعنى خلف يقين أيديولوجي.

ولكن، ليس الجواب في نفي الوعي الثقافي، بل في مساءلة كيف يمكن أن نمارسه دون أن يُقوّض جمالية الأدب؟
إن القراءة الثقافية الحقة لا تصادر النص، بل تضع أذنها على النسيج الداخلي له، تنصت إلى كيفية اشتغال الثقافة عبر اللغة، عبر ما يُقال وما لا يُقال، عبر الصمت والنبرة، عبر ما يُكرَّر وما يُمحى. الوعي الثقافي لا يكون خصمًا للأدبية إلا حين ينزع إلى التبسيط، إلى الحسم، إلى قولبة المعنى في قوالب جاهزة، لكنه يتحوّل إلى حليف مبدع حين يُدرِك أن الأدب لا يُفهم إلا من داخله، من بنيته، من تشكيله للغة بوصفها مادة مقاومة لا مجرد وسيلة.

إن هذا التوتر الخلّاق بين الأدبي والثقافي هو ما يميز أعظم القراءات النقدية في القرن العشرين وما بعده. إذ لم يعد الأدب يُقرأ بوصفه انعكاسًا للواقع أو مرآة لذات متألمة، بل بوصفه بنية تُنتج الثقافة وتُعيد تشكيلها. وهذا ما تجلّى في نظريات مثل النقد الثقافي، ودراسات ما بعد الاستعمار، والنقد النسوي، وتحليلات الخطاب، حيث لم يعد النص موضوعًا سلبيًا للشرح، بل ميدانًا للصراع الرمزي، ولإعادة توزيع السلطة والمعنى.

لكن لا بد من التوقف عند سؤال مفصلي آخر: هل الأدب مجرّد تمثيل للثقافة، أم هو فاعل في إنتاجها؟
إن الإجابة تتضح حين نقرأ الأدب لا كمرآة، بل كبنية لغوية حية تعيد ترتيب رموز العالم. إن النص، عبر صوره، إيقاعه، مفارقاته، وصمته، لا يكرّر الثقافة بل يُعيد اختراعها. هنا، لا يعود الأدب متلقيًا لما هو اجتماعي أو سياسي، بل يُصبح معملًا للمعنى، وللتشكيك في المسلّمات، ولتفجير ما يبدو طبيعيًّا في خطاب الجماعة.

هكذا نكتشف أن السؤال الحقيقي ليس: هل يغتال الوعي الثقافي الأدب؟ بل: هل نستطيع أن نقرأ الأدب قراءة ثقافية دون أن نخون لغته؟
إن الناقد حين يتعامل مع الأدب بوصفه "عرضًا للواقع" فقط، فإنه يغفل عن أن الواقع نفسه لا يُعطى إلا عبر اللغة، وأن الأدب لا يُترجم العالم بل يُخلخله. فالنص الأدبي، حتى في لحظاته الأكثر التزامًا، لا يقول الحقيقة، بل يكتبها بلغة تُمزّق سطح الوقائع وتنفذ إلى طبقات أكثر تعقيدًا.

وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الدراسات الأدبية ليس في الفصل بين الأدب والثقافة، بل في تعميق الوعي بأن الأدب هو شكل الثقافة حين تتكلم بلغة المجاز. إنه شكل الحقيقة حين تتخفى، وحين تُصاغ لا لتُحكى فقط، بل لتُسمَع وتُتأوَّل وتُعاد قراءتها.

وعليه، فإن مقاربة الأدب بوعي ثقافي ليست خيانة له، ما لم تُلغِ حضوره كلغة فنية. إنها لا تلغي الشعرية، بل تُعيد رسم حدودها، تجعلها تشتبك مع أسئلة العصر، مع القيم، مع الجسد، مع السلطة، لا باعتبارها أيديولوجيات جاهزة، بل باعتبارها طاقة كامنة في بنية القول.

وفي النهاية، فإن النص الأدبي العظيم هو ذلك الذي يقاوم الاختزال، ويُفلت من التفسير الواحد، ويظل مفتوحًا على التأويل. والقراءة النقدية الواعية ثقافيًا، هي التي لا تدّعي امتلاك معناه، بل تُصغي إلى تعدّده، وتحترم فوضاه الخلاقة. ذلك لأن الأدب ـ في جوهره ـ ليس انعكاسًا للثقافة، بل رؤياها الحيّة، وقلقها الداخلي، وصوتها الذي لا يهدأ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى