شريف محيي الدين إبراهيم - خرج، ولم يغادر!!...

كان النهار باهتًا...
يمرّ الناس، كأنهم أطياف تعبر الحكايات،
ويجلس هو، كمن يُصلح صدعًا في الوقت بكلمة.
نديم، رجل لا يرفع صوته،
لكن إذا كتب، اهتز شيء لا يُرى.
كأن بين الحبر والروح ممرًا سرّيًا،
لا يعبره إلا من تدرّب على الخسارة.

في البيت، لم يكن الغياب خارج الباب،
بل في العيون، في الأصوات،
في التفاصيل الصغيرة التي تموت ببطء.
زوجته، ليلى، كانت تحدّق فيه وهو يكتب،
ثم تقول، بنبرة ليست حادة، لكنها تجرح:
— أتعرف؟
أحيانًا أشعر أنك تكتب لتُبعدنا، لا لتقترب.
كأنك تخلق عالمًا لا مكان لنا فيه.

وكان يصمت،
لأنه لم يجد وسيلة للشرح
سوى أن يواصل الكتابة.

كانت ترى العالم كما لو أنه حائطٌ لا يسمع،
وحين وقعت ذات يوم على دفترٍ له،
قالت له بهدوء يشبه الاعتراف:
— أخاف عليك من هذا العالم الذي لا يريد أن يسمعك،
وأخاف منك أكثر،
لأنك لا تكفّ عن الكلام إليه.

وفي كل مرة يخرج من البيت،
يمرّ على شجرة بلا ظل في ساحةٍ صغيرة،
زرعها خاله عمران منذ أعوام،
ضحك الناس عليه،
لكنها أزهرت بعد رحيله،
كأنها لم تجد إلا الغياب منبّتًا لها.

كان الشيخ عمران لا يقول الكثير،
لكنه في كل جملة،
يترك لك مساحة للسكوت من بعده.
قال له مرة:
— لا تكتب لتشرح نفسك،
اكتب لأنك لا تستطيع أن تصمت.


---

في إحدى الليالي، في بهو اللقاء الأدبي،
وقف رؤوف السنهوري، خصمه القديم،
الرجل الذي كان يبتسم كثيرًا… ويتكلم أكثر.
أراد أن يُحرج نديم أمام الحاضرين،
فقال بصوت عالٍ:
— ها يا أستاذ نديم، ما رأيك؟
هل ما نكتبه هنا يغيّر شيئًا؟
أم أننا فقط نثرثر... ونمضي؟

ضحك البعض،
لكن نديم نظر إليه بثبات،
وقال:
— أنت تكتب لتُقال…
وأنا أكتب لأبقى.

جفّ فم رؤوف،
وسكت الجمع،
فقد شعروا بشيء لا يُقال.

ثم حمل نديم أوراقه، ومضى.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد.


---

جاء بعده رؤوف السنهوري،
ظنّ أن غياب نديم فتح له الطريق.
جلس على المقعد، رتّب الأوراق، ودعا الجميع.
لكن أحدًا لم يأتِ.
الأسئلة صارت باردة،
والتصفيق… مجرد عادة.

في تلك الليلة،
جلس رؤوف وحده في القاعة،
الكراسي فارغة،
الميكروفون لا يعمل.
قلّب أوراقه بعصبية،
ثم ركل المنضدة.
تطايرت الأوراق،
وجلس على الأرض،
وضع رأسه بين يديه،
وسمع — لأول مرة — صوته من الداخل:
— ما الذي كتبته فعلًا؟
من بقي بعدي؟
من استمع إليّ؟

ثم تذكّر جملة نديم:
— أنت تكتب لتُقال…
وأنا أكتب لأبقى.

كأن نديم حضر… دون أن يُرى.
قام رؤوف ببطء،
وجلس في الصف الأخير،
حيث كانت مريم تجلس دائمًا.
نظر إلى المقعد،
وتنهّد.


---

وحدها مريم،
الفتاة التي كانت تجلس في آخر الصف،
ظلت تحضر اللقاءات القديمة،
تفتح دفترًا صغيرًا، وتنصت، ثم ترحل.
لم تصفّق يومًا. لم تسأل.
لكنها بقيت.

وذات مساء،
سأل شابٌ في مقتبل العمر رؤوف السنهوري:
— من أبدأ بقراءته؟
من الكاتب الذي يعلّمني الحياة قبل الأدب؟

لم يُفكر.
قالها كما لو خرجت من مكانٍ لم يقصده:
— نديم.


---

سمعها أحدهم، ونقلها إليه.
تعجب نديم :
— رؤوف؟ قال اسمي؟ مستحيل…
لكن مريم اتصلت به،
قالت بهدوء:
— قرأتك… وفهمت كثيرًا.
ثم أضافت:
— الكلمات لا تموت… فقط تنتظر من يسمع.


---

ذات صباح،
جلست ليلى في الساحة، قرب الشجرة التي زرعها عمران.
كانت الشمس مترددة، والريح خفيفة كأنها تهمس.
مرت مريم، ورأتها.
اقتربت دون تردّد، وجلست قربها.
قالت ليلى، بعد لحظة صمت:
— كنتُ أظن أن الكتابة ستأخذه مني…
لكنني لم أفهم أنها كانت الشيء الوحيد الذي يبقيه.
قالت مريم:
— ربما الغائبون هم وحدهم الذين يستحقون الانتظار.
الذين حضروا دائمًا، لم يغيّروا شيئًا.
قالت ليلى، كأنها تدافع عن نفسها دون أن تُدرك:
— عشتُ معه،
ورأيت الكتابة تحرقه.
كأنها مرض… لا خلاص فيه.
قالت مريم:
— لكنني رأيت النار تُنبت زهورًا.
الكتابة لم تقتله،
بل كانت طريقه الوحيد ليعيش وهو يحتضر.
تمتمت ليلى:
— كنت خائفة…

نظرتا إلى الشجرة.
كانت قد أزهرت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى