محب خيري الجمال - ماريان، لا تقطعي الحبل الذي يربطني بكِ من خصلة دخان...

1
كنتُ أُطلُّ من نافذةٍ بلا زجاج،
أراقب الغيوم وهي تتعارك مع نفسها
وتسقط أوراق توتٍ على أرصفةٍ لا تتذكركِ
كنتِ تمرّين بثوبٍ من ضوء النيون
كأنكِ تسحبين شارعًا كاملاً من الليل خلفك
وترسمين بأصبعكِ خارطةً لمتاهةٍ داخل صدري
ضحكتِ — فتعثّرتُ بحذاء الغياب
وهربتُ منّي إليكِ كأنني لصٌّ خجول
وسمعتُ قلبي يلهث، لا خلفكِ… بل أمامكِ.

2
في المقهى الثالث عشر من جهة الشك
كنتِ تقرئين كتابًا لم يُكتَب بعد
وتشربين عصير الوقت ببطءٍ مطري
بين كل رشفةٍ وومضة، كنتِ تؤلّفين أسطورة
عن رجلٍ ولد من حبة قهوة
ومات في فنجانكِ دون أن يُسكب
قلتُ للنادل: "هاتِ لي ذاكرةً مثلها، بلا ملحٍ ولا وداع"
ضحك النادل...
ثم أعاد لي صورتي وأنا أكتبكِ على المنديل.

3
مررتِ كأنكِ لا تمشين
كأن الأرض قد حفظتْ قدميكِ عن ظهرِ نبض
وكان الهواء يزحف خلسةً ليشمّ عطرك
أنا الذي كنتُ أخاف النوافذ، صرتُ أفتح صدري لها
لأراكِ
ألوّح بقلبي على هيئةِ مظلةٍ
وأرتدي صمتًا أكبر من المدينة
لكنّكِ كنتِ مشغولة بتقشير برتقالة
نسيتي أن لي اسمًا، ورئتَين.

4
قلتُ لكِ ذات ضياع:
لو كنتِ شرفةً، لبنيتُ نفسي من شوقٍ وخشب
لكنّكِ كنتِ مهبطًا للريح، وساعةً بلا أرقام
كنتِ تنامين في دفتري أحيانًا
وفي المرات القليلة التي حلمتُ بها
استيقظتِ قبلي، وسرقتِ الحلم
وكتبتِ عليه: "هذا لي"
وتركتِ لي فراشًا من ورق.

5
كنتِ تهدينني أسئلتكِ الملفوفة بشريطٍ من ريبة
وأنا، كما يليق بحمقى الهوى
كنتُ أفتح كل سؤال كهديةٍ مرصّعةٍ بالألم
أسكتُ كثيرًا كي لا تخرّبي لحن صمتي
وأصغي لعينيكِ وهما تنقلان الأخبار من مجرّاتٍ لا تعرف النوم
وحين ناديتكِ: "ماريان"
أجبتِ بصوت الريح: "أنا منسيّة."

6
أجلس الآن بجوار قصيدةٍ لا تعرفكِ
أكتب لكِ من حافة منتصف الليل
ومن خوفي الذي يشبه مرآةً ترفض وجهي
أضع صورتكِ تحت لساني
كي لا تذوب في الذاكرة
لكنها تحوّلت إلى طيفٍ
يشربني
ويكتبني على هامشِ تابوت.

7
كل مرّة كنتِ تقفين على باب الوقت
كنّا نضحك كأن الغد ليس لنا
نلعب بالأسماء، ننسى حروفنا الأصلية
ثم نتبادلَ حزنًا ملفوفًا بخفة الشك
لم أكن أعلم أنكِ تعلّمين الأشجار كيف تنسى
حتى رأيتِني مرّةً...
فلم تتعرفي إلى اسمي.

8
والآن...
في حضرة المرآة الرابعة
أعترف أني أحببتكِ كما تُحبّ المدن زلازلها
وكما يشتاق البحر لسفنٍ لا تعود
ربيتكِ كجملةٍ مشطوبةٍ من دعاء
وأرسلتُكِ إلى قلبي بفاكسٍ من الورق القديم
لكنني، في المقطع التاسع الذي لم يُكتب
وجدتُ خاتمًا في جيبي
وعريسًا في جيبكِ الآخر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى