حين يزهرُ الحريقُ في دمي

أُخبِّئُ قلبي في جرّةٍ من فخّارٍ قديمٍ،
كي لا تعثر عليه
مطارقُ النهار
وأتركه قرب النافذة...
يغفو كوردةٍ مبلّلةٍ
نجتْ توًّا من يومٍ طويل.
••
أنا امرأةٌ لا تبكي كثيرًا،
أمشي بخطوٍ خافتٍ...
كالأواني التي تتكسّرُ في بيتٍ بعيدٍ.

الحزنُ عندي يتسرّبُ بطرقٍ أخرى؛
في الفناجين الكريستالية التي نبت فيها شرخٌ ناعمٌ،
في البطء الذي ألمسُ به الأشياءَ،

في ارتجافة يدي...
حين يغرّدُ عصفورٌ أزرقُ في قلبي،
يحلقُ بهشاشتي...
دون أن يحوّلها إلى شيءٍ آخر.

في الساعات التي تدقُّ بعقربٍ واحدٍ
تشيرُ إلى عبور الوقت...
معلّقًا في أزليةِ الثواني الواقفة.

في تلك المسافة الصغيرة
بين ضحكتي
والخرائب التي عاشت في دمي،
يرتبكُ حزني،
كأنّما عطرٌ ناعمٌ ينسكب في حواس الوجود.
••
كلُّ امرأةٍ داخلي
تجلسُ على حافة الليل،
وتسرّحُ شعر الخسارات بأصابعَ مرتجفةٍ،
كأنّ الحنين طفلٌ محمومٌ
يحتاجُ إلى أغنيةٍ خافتةٍ...
لينام.

امرأةٌ تُضيء عتمتها بشمعةٍ من تنهيدةٍ،
وتحوّلُ الصمتَ إلى كائنٍ دافئٍ
ينام عند القدمين...
مثل قطّةٍ نجتْ من شتاءٍ بعيدٍ.
••
أحيانًا أضعُ قلبي في ماءٍ فاترٍ،
كي يهدأ تورّمه من كثرة ما عضّته الأيام...
يتغيّرُ طقسُ الشاي في كأسي
كلّما نبتَ البردُ في أصابعي،
فأقرّبُ وجهي من بخاره
كمن يُدفِّئُ ذاكرةً قديمةً،
وأراقبه ببطءٍ
يفكُّ أزرار وحدته...
قطعةً،
قطعةً.

أتركُ للنافذة أن تُحصي الغياب على جدار القلب..
••
وأحيانًا أخرى
أقلّبُ الملعقةَ ببطءٍ
خشيةَ أن يستيقظ الحنينُ في قاع الكأس،
أشربُ وحدتي دفعة واحدة،
ثم أكتشفُ...
أنّ الليل كان يختبئُ في آخر رشفةٍ،
كأنني عدتُ متأخرة من نهرٍ لا يتذكّرُ مجراه.
••
على غفلةٍ ما،
أشمُّ رائحةَ المطر على معطفٍ قديمٍ،
فأرتبكُ كثيرًا
كأنني لمحتُ وجهه
في مرآةِ سنواتٍ بعيدة .

ثمةَ أبوابٌ لا تُغلقُ تمامًا،
يكفي أن يمرَّ صوتٌ يشبهه،
حتى تتساقط مفاتيح الغياب داخلي.

هو وحده
يبدّلُ مكان جلوسه
هناك.
••
لهذا تُغريني الأشياء الناقصة في احتمالاتها؛
الفراغاتُ التي تتركها الحكايا،
الرسائلُ التي بُترتْ قبل السطر الأخير،
الورودُ التي ذبلتْ من طرفٍ واحدٍ،
الأغاني التي يشقُّها التشويشُ،
الرجالُ الذين يشبهون الطرقَ القديمة...
كأنهم خرجوا من تعبٍ عاطفيٍّ
ونسوا قلوبهم طويلًا تحت المطر
دون أن يطلبوا النجاةَ...

فيهم غبارٌ نبيلٌ،
ووحدةٌ...
تصلحُ للصلاة.
••
أنا امرأةٌ يسكنها العشقُ
حين تعانقُ دفءَ قصيدتها...
تبحثُ عن يدٍ تُربّتُ على الخراب
دون أن تخشى رخام الجرح،

وعن صوتٍ إذا عبرني...
أزهرت الأماكن اليابسة في دمي
كحقولٍ نسيتْ مواسم الحرائق.

الحبُّ لا يحملُ رائحة الغياب دائمًا،
يدخلُ خلسةً مثل طائرٍ من شقوق القلب.
كلما حاولتُ أن أضعه في إناءٍ آمنٍ،
كسر جناحيه على جدراني...
ثم نام باكيًا تحت ضلوعي،
كمن يكتب اسم وحدته على زجاج النافذة.
••
لا أحدَ يراني كما أنا؛
امرأةٌ تخيطُ ظلَّها بإبرةِ الضوء،
ثم تخرج إلى العالم مُعطَّرةً بالكتمان...
كأنّ في صدرها غرفةً مغلقةً
ما زالت تحتفظُ برائحة ذلك البعيد... القريب.

وفي آخر الليل...
أخلعُ وجهي،
كما تخلعُ النساء أقراطهنّ الثقيلة،
وأجلسُ أمام العتمة
دون شيءٍ يحميني من صوتي.

أسمعُ حزني ينهضُ من تحت الرماد،
يرتّبُ لي فراشي بهدوءٍ...
كأغنيةٍ تغيّر شكل التعب،
وقبلةٍ أخرى...
أعانقُ فيها ندوب القصائد،
كأنني أضعُ شفاهي برفقٍ...
على جرحٍ مقدّس.

28 مايو 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى