لو كان للشعر من تعريف واحد وقف عند حدوده النقاد لتجمد وفقد من جمالياته الكثير، بيد أن السائد أنه كلام مقنن، منتقى ،ومصاغ وفقاً لقواعد وأنظمة الشعر العربي، تتضح جمالياته من خلال ثقافة الشاعر وسعة أفقه ورؤيته للحياة وتعامله مع الطبيعة بشقيها المتحركة والجامدة، ورصده الدقيق لمعاناة الإنسان ، وهل كان البيان إلا سحراً ؟ و البلاغة إلا هبة فطرية مدعمة بجهد تحصيلي أحياناً ومجردة في أحيان أخرى، لكن المتداول من التعاريف ما قاله قدامة بن جعفر بأن الشعر( كلام موزون ومقفى يدل على معنى) ومن بعد ذلك جاءت الكثير من التعريفات والمفاهيم المختلفة مرة، والمتطابقة في الكثير من الأحيان ، غير أني أقول وهي رؤية شخصية أن الشعر من اللا شعر هو وضوح أثره على المتلقي ، أو ما يحدث من ردة فعل حال قراءته فقد نسمع شعراً فنقول مسترخين متفاعلين معه: "الله ... الله ..." مرددين كلمات الإطراء للشاعر وما نظم، ونسمع في أحيان أخرى أو نقرأ فنصاب بالغثيان ونتثاءب كمن لم ينم منذ سنة ! والنوعان مطلوبان فلولا الرديء لما عرفنا الحسن منه .
ليس ذلك تنظيراً مستلاً من نظرية أدبية بعينها غير أنها وجهة نظر محب للشعر، متابع لحراكه، تتولد الرغبة لديه في استعراض ما يكتب من الشعر بحالتي جودة القول ومبتذله فكلا الحالتين تحفزان على القراءة.
أما مناسبة القول فهي صدور مجموعة الشاعر والمترجم الكبير " حامد خضير الشمري " الذي عُرف عنه جرأة الطرح شعراً ومقالاً، وإمكانية انتقاء المفردة الشعرية السلسة التي تأسر المتلقي وتدهشه ، وفي هذه السطور نحاول تصفحَ بعضٍ من نصوص هذه المجموعة المغايرة بعض الشيء عما ينتج اليوم فقد عمد الشمري التزام قواعد الشعر العربي في معظم النصوص فجاء النص عموداً شعرياً غاية في الرقة ،وقد أعادنا الشمري لعصر ازدهار الشعر في عصور خلت، وليس الأمر موقوفاً على الأسلوب بل على فصاحة الشاعر وتمكنه من سياقة موضوعه بالشكل الذي يحظى بالقبول ، ومن خلال قراءة لنصوص مجموعة الشمري الموسومة "أميرة البنفسج" نجد أن انثيالات اللغة أثْرَتْ النص ولم تكن عبئاً عليه، ولازمت سهولة الفهم مبتعدة عن قول الخشن المستهجن في عصرنا ، وزاوجت بين المصطلحية الحديثة في قول الشعر ، وإرث الكلمة فتجد ذلك جلياً من خلال خيوط شفيفة متناهية الدقة تصل الزمن المعاش بماضيه وتربطه بحاضره، مشكّلة لوحة منضبطة الألوان تنسجم مع ثقافة العصر على كل المستويات وفي نصٍ تصدر المجموعة يقول :
كم هرّ خلفي ندّ ما التفت له
وكم صبرت فأضنى القلب إعياء
ورحت أسأل من قد مرّ في عجل:
ياسالك الدرب هل عاد الأخلاء؟ ص5
فمفردة "هَرَّ" تعد من المفردات التراثية التي طالعناها في زمن ما، لم يجرأ على استخدامها كثير من الشعراء لكن الذي يجعلها منسجمة ما وراءها من المفردات فقد توضحت بـ " ما التفت له" هذا يعني أن (هَرَّ) وهو فعل ماض يحمل على معنى السلب من القول ولا يفسر إلا بذاك ولا يصلح استبداله مر خفيفاً مفهوماً مفسراً بتتمة الشطر .
ولو غادرنا حسن اختيار اللفظ إلى توظيف الاقتباسات التي تضع النص الشعري وفق وجهة نظر قراء الشعر ومحبيه وليس النقاد أمام امتحان صعب فبين السرقات والاقتباسات خيط واهن لا يدركه إلا من خبر صنعة الشعر وتمكن من ليِّ المعاني لمصلحة نصه دون تحايل على المتلقي كما يحدث هذه الأيام يقول الشمري :
حشدٌ من الحور في خديك مؤتلق
وومض عينيك إسراء ومعراج ص8
فقد حفظ للاقتباس شرف اللفظة "إسراء ومعراج" ما أجل أن تكون عين الحبيبة بين النظرة والإغماضة كلمع الإسراء والمعراج ، ومن خلال هذا الوصف حفظ مقام اللفظ كفعل وكتشبيه وهذا من أدلة القدرة على توظيف المفردات بمعان شريفة تبعا لمكانة المشبه والمشبه به ، وفي موضع آخر حضر اقتباس معنوي بتوظيف ذكي هو قوله :
إن مسَّ ضوء الشمس وجهك غاظني
وأخاف منك عليك بل وأغار ص10
اختلف هذا الاقتباس بكونه معنوياً يحيلنا لقول شاعر في حكاية قمر الزمان مع معشوقته ضمن حكايات ألف ليلة وليلة ما نصه:
(أخاف عليك من نظري ومني
ومنك ومن مكانك والزمان) ولو لم يكن هذا الاقتباس المعنوي موظفاً بدقة لكان مثلبة على النص لكن الشمري ومن خلال إمكاناته اللغوية جاء بالمعنى المستل استلالاً ذكياً فانسجم وذاب في المقصد الجديد .
ولو توغلنا في قراءة نصوص أخرى سيستوقفنا نص "تنهدات" الذي خرج عن العمودي مهتماً بالصورة الشعرية المكثفة مفعلاً النص حكائياً وكأن النص حوارات قصصية (وانطلقت روح الفتى فوق الحقول / وحلقت فوق الجبال ....) ص30
ويستمر النص بلغة سلسة وصياغات منسجمة حتى يصل إلى (كل شيء بعدك لا شيء / وكل شيء معك كل شيء) ص33
وقد حمل هذا النص بين طياته بعداً فلسفياً وترميزاً قصدياً جعل الشمري المتلقي جزءاً من النص .
ونتحول لنص اجترار ذكريات الطفولة والشباب لمّا كانت بغداد حلما من أحلام شباب المدن العراقية الأخرى فالوصول لها يعني التميز عن الأقران ، فكيف والشمري طالب في كلية الآداب في ذلك العصر البهي وقت كانت بغداد قبلة العالم في تنظيمها وجمال وجهها وروعة معاشها ترفل بالأمن محتضنة أهلها وزوارها بالحب متفاخرة بعراقتها وعمق تاريخها يقول:
بغداد فاتنة الزمان تضمخت بشذا الغرام على مدى الأحقاب
تختال في غنج كأن بسمعها لحناً تناغم من يدي زرياب
وكأن هرون الرشيد تحفه أيدي الجواري الغيد بالأطياب ص78
أنظر لبغداد ما تركت في نفوس ساكنيها من ذكريات ضاجة بالحياة والعيش المعبر عن استقرارها وحيويتها ، وليس بغداد إلا مكان وصحبة جميلة ومحطات استراحة للمعنّى وبث للأمل في النفوس فتغنى بها الشعراء وتغزل العاشقون ،وهاهو الشمري يقول إنها "تختال في غنج" وعزف نشيدها من كف زرياب الذي ملأ أسماع أهلها طرباً وحبوراً ،ويواصل خلع ماعلق به من حزن على أعتابها فيقول:
بغداد جئتك والجراح ندية
والقلب يخفق كالسراج الخابي
يممت شطرك كالغريب تورمت كفاه من طرق على الأبواب ص79
هكذا أذن هي بغداد لا صورة لأي مدينة تستبدل بصورتها مهما دار المرء في عواصم الدنيا ومدن الأرض تظل الأجمل والأنقى والأرفق بأبنائها بغداد قبلة الشمري الذي يمم وجهه إليها كلما ضاقت به الدنيا ، والحنين الذي يدفع الشعراء نحوها هو تلك الذكريات المعفرة بطيبة ورغد سنواتها الماضية وطهارة العلاقات التي تربط الناس في حجرها الطاهر في أي زاوية من زواياه وما كانت كلية الآداب إلا صورة مقربة لنفس الشاعر على أن الصور الأخرى ظلت تدور بذات المقام من الإجلال والمحبة يقول الشمري :
بغداد قد ألفيت كل مليحة ما أجمل الأزهار في "الآداب" ص80
فكانت كلية الآداب بمثابة الجزء من الكل لديه والاستمرار في متابعة النص يطلعنا على المزيد من أماكن بغداد العتيدة الحاضرة منها والتاريخية فكل بغداد في نفس الشاعر جميلة وهذا هو دليل ارتباط العربي الأصيل بالمكان الأثير لنفسه .
لقد تضمنت المجموعة نصوص غزل صادق ينساب إلى الروح بيسر ويشعر متلقيه بحلاوة المشاعر، وشرف المقصد ، من غير ابتذال كما يرد في معظم غزل اليوم من مبتذل اللفظ ، فطُهر اللفظ ووضوح المقصد يسهمان في تنقية الروح ويسموان بالحب بعيداً ولعل نص "غربة البنفسج" أحد تلك النصوص الجميلة الذي يقول فيه :
ريم نأى عن ثرى بغداد مغترباً
فخلف القلب دامي الجرح منتحبا
أزرى بعيني حتى فاض دمعهما
وراح يمطر فوق الوجه فالتهبا ص83
ولو قرأنا هذه اللوحة جيداً لوجدنا الصدق في التعبير والدلالة بين اللفظ والفعل مرتبطين بأواصر متينة ( الدمع = التهاب الوجه) معبراً عن صدق المشاعر وحرقة الفراق للحبيب أياً كان ، وفي موضع آخر مماثل يقول :
قد مت بعدك حياً فابعثي جسدي
إلى الوجود لأغدو آية عجبا ص84
وقد مثل هذا البيت عنصر دهشة للمتلقي فكيف يطلب من مات ببعث الجسد ؟ وفي صورة بلاغية أخرى يقول:
وان لثمتك أغدو فرط أبهتي
خليفة أحكم الإسلام والعربا
وقد أضفى أسلوب المبالغة هذا المزيد من الجمال على الصورة الأساسية فإن مجرد اللثم يشعره بأنه ملك متوج على المسلمين والعرب وقد سعت الثقافة العربية على اعتبار أن الملك هو غاية مطلب الإنسان من الدنيا، إلا أن الشمري قد أبدل كل هذه المغريات بلثمة واحدة من حبيبته وما أصدق هذه الرؤية عند المحب بنقاء ، فلا فرق بين شعور الملك على ملكه وبين شعور الحبيب بصفاء الأجواء مع معشوقته .
ولا صورة أجمل من صورة الحبيبة عند العاشق فحين تصفو الحبيبة يصلح الكون في نظر العاشق ولا يوازي ذلك أي ميزة أخرى يقول :
أرى بوجهك كل الكون مجتمعا
وكل ما أبدع الرحمن أو وهبا
وليس من منكر لعذوبة نص "هديل البنفسج" الغائر في الرومانسية بكل أبعادها ولِنَجُب في ثنايا هذا النص ونَعِش لحظته التي أتقنت بحرفية شاعر خبر العشق وتذوق طعمه يقول:
بعد انتصاف الليل سامرتها
فانساب لي من صوتها هدل
سنة مضت ويداك ما دعتا
شعري على كتفي ينسدل
ولسانك المحموم وسط فمي قد طاف حتى شعشع العسل ص111
وليس الصورة البديعة الواضحة بحاجة لتوضيح ،إلا أن ما تجدر الإشارة إليه في هذا النص هو جرأة التصريح، وحسن التصوير، وتلازم وانسجام المفردة وعفويتها ،الأمر الذي يشد المتلقي للمتابعة والمواصلة للصور المتلاحقة والمتنقلة وفقاً لمراحل اجتماع الأحبة والسمر ولعل أقسى الأبيات وأكثرها تراجيدية للقارئ قوله:
وإذا نعست فأين متكئي ولمن سأنظر حين ترتحل
قمة الحزن والأسى حينما يستنفذ وقت السعادة ويحين الوداع دون أن يروّى الظمأ اللاعج في القلوب، أو يفرغ الشوق المحتجز بين أسوار الخجل الجميل ،ويختتم النص بما يقترب من رؤية الأخطل الصغير حيث يقول في قصيدته المسلول" أنا إن قتلت هوى فلا طلعت
شمس الضحى بعدي على أحد) وكأن الكون ليس به سواه وحبيبته مع المغايرة بالمعنى بعض الشيء فالشمري يقول:
دنياي إن ضاعت وآخرتي لي فيك دوماً عنهما بدل .ص 113
فالأخطل أوقف الدنيا على سلامته والشمري أوقف دنياه وأخرته على حبيبته وتلك مقارنة متقاربة الأسلوب مختلفة المعنى.
وليس بمقدورنا بهذه العجالة الإحاطة بنصوص مجموعة شاعر غائب مغيب ابتعد أو أبعد عن الأضواء وهو يبعث من خلال هذه المجموعة برسائل مفادها أن الشعر العربي بخير وأن للعظام مثل الجواهري خلفاء بمقدورهم الإتيان بما لم يخطر على بال أصحاب النظرة التشاؤمية من أن فحول الشعر قد غابوا بل هم حضور من خلال منجزهم المكدس على رفوف كبريائهم في الوقت الذي تطبع فيه إساءات إذا صح التعبير عنها في دور واجبها إبراز الوجه الجميل لآداب وفنون البلاد التي ستظل قبلة الشعر في عالمنا العربي ، شكراً للشمري وهو يعود بنا إلى مشرقات العصور من خلال هذه المجموعة وإلى مزيد من الإبداع والتألق.
www.facebook.com
ليس ذلك تنظيراً مستلاً من نظرية أدبية بعينها غير أنها وجهة نظر محب للشعر، متابع لحراكه، تتولد الرغبة لديه في استعراض ما يكتب من الشعر بحالتي جودة القول ومبتذله فكلا الحالتين تحفزان على القراءة.
أما مناسبة القول فهي صدور مجموعة الشاعر والمترجم الكبير " حامد خضير الشمري " الذي عُرف عنه جرأة الطرح شعراً ومقالاً، وإمكانية انتقاء المفردة الشعرية السلسة التي تأسر المتلقي وتدهشه ، وفي هذه السطور نحاول تصفحَ بعضٍ من نصوص هذه المجموعة المغايرة بعض الشيء عما ينتج اليوم فقد عمد الشمري التزام قواعد الشعر العربي في معظم النصوص فجاء النص عموداً شعرياً غاية في الرقة ،وقد أعادنا الشمري لعصر ازدهار الشعر في عصور خلت، وليس الأمر موقوفاً على الأسلوب بل على فصاحة الشاعر وتمكنه من سياقة موضوعه بالشكل الذي يحظى بالقبول ، ومن خلال قراءة لنصوص مجموعة الشمري الموسومة "أميرة البنفسج" نجد أن انثيالات اللغة أثْرَتْ النص ولم تكن عبئاً عليه، ولازمت سهولة الفهم مبتعدة عن قول الخشن المستهجن في عصرنا ، وزاوجت بين المصطلحية الحديثة في قول الشعر ، وإرث الكلمة فتجد ذلك جلياً من خلال خيوط شفيفة متناهية الدقة تصل الزمن المعاش بماضيه وتربطه بحاضره، مشكّلة لوحة منضبطة الألوان تنسجم مع ثقافة العصر على كل المستويات وفي نصٍ تصدر المجموعة يقول :
كم هرّ خلفي ندّ ما التفت له
وكم صبرت فأضنى القلب إعياء
ورحت أسأل من قد مرّ في عجل:
ياسالك الدرب هل عاد الأخلاء؟ ص5
فمفردة "هَرَّ" تعد من المفردات التراثية التي طالعناها في زمن ما، لم يجرأ على استخدامها كثير من الشعراء لكن الذي يجعلها منسجمة ما وراءها من المفردات فقد توضحت بـ " ما التفت له" هذا يعني أن (هَرَّ) وهو فعل ماض يحمل على معنى السلب من القول ولا يفسر إلا بذاك ولا يصلح استبداله مر خفيفاً مفهوماً مفسراً بتتمة الشطر .
ولو غادرنا حسن اختيار اللفظ إلى توظيف الاقتباسات التي تضع النص الشعري وفق وجهة نظر قراء الشعر ومحبيه وليس النقاد أمام امتحان صعب فبين السرقات والاقتباسات خيط واهن لا يدركه إلا من خبر صنعة الشعر وتمكن من ليِّ المعاني لمصلحة نصه دون تحايل على المتلقي كما يحدث هذه الأيام يقول الشمري :
حشدٌ من الحور في خديك مؤتلق
وومض عينيك إسراء ومعراج ص8
فقد حفظ للاقتباس شرف اللفظة "إسراء ومعراج" ما أجل أن تكون عين الحبيبة بين النظرة والإغماضة كلمع الإسراء والمعراج ، ومن خلال هذا الوصف حفظ مقام اللفظ كفعل وكتشبيه وهذا من أدلة القدرة على توظيف المفردات بمعان شريفة تبعا لمكانة المشبه والمشبه به ، وفي موضع آخر حضر اقتباس معنوي بتوظيف ذكي هو قوله :
إن مسَّ ضوء الشمس وجهك غاظني
وأخاف منك عليك بل وأغار ص10
اختلف هذا الاقتباس بكونه معنوياً يحيلنا لقول شاعر في حكاية قمر الزمان مع معشوقته ضمن حكايات ألف ليلة وليلة ما نصه:
(أخاف عليك من نظري ومني
ومنك ومن مكانك والزمان) ولو لم يكن هذا الاقتباس المعنوي موظفاً بدقة لكان مثلبة على النص لكن الشمري ومن خلال إمكاناته اللغوية جاء بالمعنى المستل استلالاً ذكياً فانسجم وذاب في المقصد الجديد .
ولو توغلنا في قراءة نصوص أخرى سيستوقفنا نص "تنهدات" الذي خرج عن العمودي مهتماً بالصورة الشعرية المكثفة مفعلاً النص حكائياً وكأن النص حوارات قصصية (وانطلقت روح الفتى فوق الحقول / وحلقت فوق الجبال ....) ص30
ويستمر النص بلغة سلسة وصياغات منسجمة حتى يصل إلى (كل شيء بعدك لا شيء / وكل شيء معك كل شيء) ص33
وقد حمل هذا النص بين طياته بعداً فلسفياً وترميزاً قصدياً جعل الشمري المتلقي جزءاً من النص .
ونتحول لنص اجترار ذكريات الطفولة والشباب لمّا كانت بغداد حلما من أحلام شباب المدن العراقية الأخرى فالوصول لها يعني التميز عن الأقران ، فكيف والشمري طالب في كلية الآداب في ذلك العصر البهي وقت كانت بغداد قبلة العالم في تنظيمها وجمال وجهها وروعة معاشها ترفل بالأمن محتضنة أهلها وزوارها بالحب متفاخرة بعراقتها وعمق تاريخها يقول:
بغداد فاتنة الزمان تضمخت بشذا الغرام على مدى الأحقاب
تختال في غنج كأن بسمعها لحناً تناغم من يدي زرياب
وكأن هرون الرشيد تحفه أيدي الجواري الغيد بالأطياب ص78
أنظر لبغداد ما تركت في نفوس ساكنيها من ذكريات ضاجة بالحياة والعيش المعبر عن استقرارها وحيويتها ، وليس بغداد إلا مكان وصحبة جميلة ومحطات استراحة للمعنّى وبث للأمل في النفوس فتغنى بها الشعراء وتغزل العاشقون ،وهاهو الشمري يقول إنها "تختال في غنج" وعزف نشيدها من كف زرياب الذي ملأ أسماع أهلها طرباً وحبوراً ،ويواصل خلع ماعلق به من حزن على أعتابها فيقول:
بغداد جئتك والجراح ندية
والقلب يخفق كالسراج الخابي
يممت شطرك كالغريب تورمت كفاه من طرق على الأبواب ص79
هكذا أذن هي بغداد لا صورة لأي مدينة تستبدل بصورتها مهما دار المرء في عواصم الدنيا ومدن الأرض تظل الأجمل والأنقى والأرفق بأبنائها بغداد قبلة الشمري الذي يمم وجهه إليها كلما ضاقت به الدنيا ، والحنين الذي يدفع الشعراء نحوها هو تلك الذكريات المعفرة بطيبة ورغد سنواتها الماضية وطهارة العلاقات التي تربط الناس في حجرها الطاهر في أي زاوية من زواياه وما كانت كلية الآداب إلا صورة مقربة لنفس الشاعر على أن الصور الأخرى ظلت تدور بذات المقام من الإجلال والمحبة يقول الشمري :
بغداد قد ألفيت كل مليحة ما أجمل الأزهار في "الآداب" ص80
فكانت كلية الآداب بمثابة الجزء من الكل لديه والاستمرار في متابعة النص يطلعنا على المزيد من أماكن بغداد العتيدة الحاضرة منها والتاريخية فكل بغداد في نفس الشاعر جميلة وهذا هو دليل ارتباط العربي الأصيل بالمكان الأثير لنفسه .
لقد تضمنت المجموعة نصوص غزل صادق ينساب إلى الروح بيسر ويشعر متلقيه بحلاوة المشاعر، وشرف المقصد ، من غير ابتذال كما يرد في معظم غزل اليوم من مبتذل اللفظ ، فطُهر اللفظ ووضوح المقصد يسهمان في تنقية الروح ويسموان بالحب بعيداً ولعل نص "غربة البنفسج" أحد تلك النصوص الجميلة الذي يقول فيه :
ريم نأى عن ثرى بغداد مغترباً
فخلف القلب دامي الجرح منتحبا
أزرى بعيني حتى فاض دمعهما
وراح يمطر فوق الوجه فالتهبا ص83
ولو قرأنا هذه اللوحة جيداً لوجدنا الصدق في التعبير والدلالة بين اللفظ والفعل مرتبطين بأواصر متينة ( الدمع = التهاب الوجه) معبراً عن صدق المشاعر وحرقة الفراق للحبيب أياً كان ، وفي موضع آخر مماثل يقول :
قد مت بعدك حياً فابعثي جسدي
إلى الوجود لأغدو آية عجبا ص84
وقد مثل هذا البيت عنصر دهشة للمتلقي فكيف يطلب من مات ببعث الجسد ؟ وفي صورة بلاغية أخرى يقول:
وان لثمتك أغدو فرط أبهتي
خليفة أحكم الإسلام والعربا
وقد أضفى أسلوب المبالغة هذا المزيد من الجمال على الصورة الأساسية فإن مجرد اللثم يشعره بأنه ملك متوج على المسلمين والعرب وقد سعت الثقافة العربية على اعتبار أن الملك هو غاية مطلب الإنسان من الدنيا، إلا أن الشمري قد أبدل كل هذه المغريات بلثمة واحدة من حبيبته وما أصدق هذه الرؤية عند المحب بنقاء ، فلا فرق بين شعور الملك على ملكه وبين شعور الحبيب بصفاء الأجواء مع معشوقته .
ولا صورة أجمل من صورة الحبيبة عند العاشق فحين تصفو الحبيبة يصلح الكون في نظر العاشق ولا يوازي ذلك أي ميزة أخرى يقول :
أرى بوجهك كل الكون مجتمعا
وكل ما أبدع الرحمن أو وهبا
وليس من منكر لعذوبة نص "هديل البنفسج" الغائر في الرومانسية بكل أبعادها ولِنَجُب في ثنايا هذا النص ونَعِش لحظته التي أتقنت بحرفية شاعر خبر العشق وتذوق طعمه يقول:
بعد انتصاف الليل سامرتها
فانساب لي من صوتها هدل
سنة مضت ويداك ما دعتا
شعري على كتفي ينسدل
ولسانك المحموم وسط فمي قد طاف حتى شعشع العسل ص111
وليس الصورة البديعة الواضحة بحاجة لتوضيح ،إلا أن ما تجدر الإشارة إليه في هذا النص هو جرأة التصريح، وحسن التصوير، وتلازم وانسجام المفردة وعفويتها ،الأمر الذي يشد المتلقي للمتابعة والمواصلة للصور المتلاحقة والمتنقلة وفقاً لمراحل اجتماع الأحبة والسمر ولعل أقسى الأبيات وأكثرها تراجيدية للقارئ قوله:
وإذا نعست فأين متكئي ولمن سأنظر حين ترتحل
قمة الحزن والأسى حينما يستنفذ وقت السعادة ويحين الوداع دون أن يروّى الظمأ اللاعج في القلوب، أو يفرغ الشوق المحتجز بين أسوار الخجل الجميل ،ويختتم النص بما يقترب من رؤية الأخطل الصغير حيث يقول في قصيدته المسلول" أنا إن قتلت هوى فلا طلعت
شمس الضحى بعدي على أحد) وكأن الكون ليس به سواه وحبيبته مع المغايرة بالمعنى بعض الشيء فالشمري يقول:
دنياي إن ضاعت وآخرتي لي فيك دوماً عنهما بدل .ص 113
فالأخطل أوقف الدنيا على سلامته والشمري أوقف دنياه وأخرته على حبيبته وتلك مقارنة متقاربة الأسلوب مختلفة المعنى.
وليس بمقدورنا بهذه العجالة الإحاطة بنصوص مجموعة شاعر غائب مغيب ابتعد أو أبعد عن الأضواء وهو يبعث من خلال هذه المجموعة برسائل مفادها أن الشعر العربي بخير وأن للعظام مثل الجواهري خلفاء بمقدورهم الإتيان بما لم يخطر على بال أصحاب النظرة التشاؤمية من أن فحول الشعر قد غابوا بل هم حضور من خلال منجزهم المكدس على رفوف كبريائهم في الوقت الذي تطبع فيه إساءات إذا صح التعبير عنها في دور واجبها إبراز الوجه الجميل لآداب وفنون البلاد التي ستظل قبلة الشعر في عالمنا العربي ، شكراً للشمري وهو يعود بنا إلى مشرقات العصور من خلال هذه المجموعة وإلى مزيد من الإبداع والتألق.
Log in to Facebook
Log in to Facebook to start sharing and connecting with your friends, family and people you know.